سيكون هذا العام الجديد، بين أمور أخرى، عام الذكرى المئويّة لاتّفاقيّة سايكس - بيكو، البريطانيّة - الفرنسيّة، والمتّفق على أنّها جزّأت المشرق العربيّ وأدّت إلى تقاسمه مؤسّسةً للانتدابين الأوروبيّين عليه. ولسوف تتواصل الإدانات العربيّة لهذا الحدث المشؤوم وما حفل به من نكث بالوعود والعهود المقطوعة للشريف فيصل بن الحسين ووالده الحسين بن عليّ.

 

 

وما قد يبدو ناقصاً في الاستدلال على شرّيّة سايكس - بيكو، وعلى سُميّتها، سوف يكمّله التذكير بحدثين قاطعين آخرين هما، بمعنى من المعاني، ملحقان لها أو تتمّتان: «تصريح بلفور» لروتشيلد في 1917، والذي عرّبناه بإسباغ نكهة تآمر عليه «وعد بلفور»، وهزيمة يوسف العظمة وقوّاته في ميسلون في 1920. هكذا سيتوالى تذكّر الوقائع والحوادث التي تقنع العربيّ، ذا القناعة الفائضة أصلاً، بأنّ هذا العالم الحديث لم يهدف، منذ بدايات احتكاكه بنا في القرن الماضي، سوى إلى تمزيقنا وتشتيتنا والتآمر علينا وعلى طموحاتنا الوطنيّة والقوميّة. فهو، في آخر المطاف، لم يكتف بمنع وحدتنا، بل أنشأ داخل أرضنا كياناً مستزرعاً وغريباً بقوّة الغصب والاغتصاب.

 

 

وذلك لم يكن من دون مقدّمات يمكن إدراجها كخلفيّات مفيدة هي ما قبل تاريخ الشرّ: ففي أواخر القرن التاسع عشر، وفي 1882 تحديداً، كان الغزو البريطانيّ لمصر الذي تصدّى له يائساً الضابط أحمد عرابي. وفي بدايات القرن نفسه كان الإحباط الغربيّ لتجربة محمّد علي باشا، الطامح لأن يبني دولة قويّة وعصريّة في آن، والذي سبق بعشرات السنين محاولة الميجي في اليابان. ولمن يريد الغوص في القرن الثامن عشر، أقفل ذاك القرن على نابوليون وهو يفتح مصر ويذلّ شعبها وأزهرها.

 

 

وأحداث التاريخ مثل أحداث الرواية التي تستخدم السرد بأصوات كثيرة وبأعين وزوايا نظر عدّة. إلاّ أنّ ما يترتّب على السرديّة التي هي سرديّتنا وموضع إجماعنا لا يقلّ عن التكريه بالتاريخ وبالعالم المعاصر والاحتكاك به، علماً أنّ التاريخ هو التاريخ الأوحد والعالم هو العالم الأوحد، لا نملك غيرهما أو بدائل عنهما. والتكريه هذا، في مفاعيله، أعظم أثراً من تشريح الأحداث حدثاً حدثاً ودفعها كلّها لأن ترسو على شاطىء ملوّث واحد. ذاك أنّ عصارة هذا التكريه هو «داعش» الذي انقضّ وحده على سايكس - بيكو، واضعاً إيّانا أمام معضلة رفض الاثنين، الفاعل والمفعول، في وقت واحد.

 

 

ووفق النظرة ذاتها إلى التاريخ، يهبّ الحاضر اليوم لإنجاد الماضي، فتتدافع المؤامرات وتتسابق على اجتياحنا، واحدة منها اسمها «الربيع العربيّ» الذي ابتلينا به لأنّ الغرب كتب لنا هذا الابتلاء، وواحدة أخرى اسمها التنكّر لـ «الربيع العربيّ» وتركه يذوي ويموت. والمتنكّر، في هذه الرواية، إنّما هو الطرف ذاته الذي وقف، تبعاً للرواية الأولى، وراء ذاك «الربيع». وإذ يدعم الغرب «الإخوان المسلمين»، وفقاً لخصومهم، كما يدعم عبد الفتّاح السيسي، وفقاً لـ «الإخوان المسلمين»، وإذ يتآمر ضدّ بشّار الأسد عند البعض كما يتآمر مع بشّار الأسد عند بعض آخر، لا يتبقّى لنا غير أشباح تطلع من الحاضر وتؤاخي الأشباح الآتية من الماضي.

 

 

أمّا نحن، موضوع المؤامرة الدائم، فنحن استطراداً موضوع التاريخ العدوانيّ وموضوع الآخر اللئيم، لا يقول يومنا الآتي إلاّ ما سبق أن قاله يومنا الآفل. وفي هذا كلّه إقبال على الحياة والدنيا يستحقّ من الحسد لنا ما لا يملكه الحسّاد.