حال تَرقّب تعيشُها عائلات العسكريين التسعة المخطوفين لدى "داعش" وسط خوفٍ يلازمهم، وهاجس يثقِل صدورَهم: "كم علينا أن ننتظر بعد"؟. أنفاسُهم المخطوفة وأعصابُهم المشدودة خرَقها في الفترة الأخيرة ما تَردَّد عن إمكانية مبادلة للعسكريين بمساجين، بينهم أحمد الأسير. إلّا أنّ للأهالي أسلوباً مغايراً في التعامل مع ملفّ أبنائهم هذه المرّة، على اعتبار "تَعلّمنا الكتير" بعد تحرير العسكريين لدى "جبهة النصرة". "الله يفِكّ أسر الشباب، الله يفَرّج همّكم"... على وقع هذه العبارات يَستعدّ اليوم أهالي العسكريين المخطوفين للمشاركة إلى جانب عائلات العسكريين المحرّرين لتلبية دعوة طلّاب مدرسة سيّدة السلام إلى لقاء محبّة. بمرارة تَمرُّ الأيام على الأهالي، وكأنّهم ينقلون الجبال في انتظار سماعهم أيّ خبَر يُطَمئنهم. لم يختلف المشهد في رياض الصلح اليوم كثيراً عن العام المنصرم، خصوصاً أنّ أهالي العسكريين المحرّرين يُصرّون على مساندة بقيّة العائلات، فلا يزال الانتظار سيّد الموقف.

"صحيح أنّنا بعيدون عن التصعيد في الفترة الحالية، لكنّ ذلك وارد في أيّ لحظة"، يؤكّد حسين يوسف والد الجندي المخطوف محمد يوسف، موضحاً لـ"الجمهورية": "بِتنا ندرس خطواتنا أكثر ولا نعلِن عن كامل ما نقوم به، فقد تعلّمنا الكثير خلال صمودنا في الجزء الأوّل من ملفّ العسكريين، أصبَحنا أكثرَ وعياً ودراية، ولكنّ هذا لا يمنَعنا في أيّ لحظة من العودة إلى التصعيد بشكل أقوى ما إنْ نشعر بتلكّؤ أو عَرقلة، ونتمنّى في الوقت عينه ألّا نعود إلى هذا الأسلوب، نَعلم تماماً أنّ أيّ تحَرّك قد يضرّ جميع المواطنين".

لا يُنكر يوسف أنّ تضامُن اللبنانيين مع الأهالي "خفّفَ من وطأة الانتظار لديهم، وكذلك مساعي خليّة الأزمة، وتواصُلنا مع اللواء عباس إبراهيم غالباً ما يُهدّئ من روعنا، ولكن في النتيجة لم تصِل الأمور بعد إلى خواتيمها ولا يَغمض لنا جفن منذ اليوم الأوّل على الخطف".

وردّاً على آخر المعطيات عن مصير العسكريين؟ يجيب يوسف متأسّفاً: "لم نسمع عنهم أيّ خبَر يروي غليلَنا، لا نعرف مكانَ وجود أبنائنا، أكثر ما يزيد الطينَ بلّة غياب المرجعية لدى "داعش"، أيّ الشخص الذي يمكن التواصل معه وصولاً إلى التفاوض، على عكس تنظيم "جبهة النصرة" على رغم الوقت الذي استحوذته المفاوضات.

لذا ومع أنّ الدولة اللبنانية جدّية في معالجة الملف إلّا أنّ أموراً كثيرة لا تزال معقّدة، أضِف إلى ذلك أنّ الجهة الخاطفة لا تمدّ يدَها بشكل واضح ليتمّ التعاطي معها جدّياً".

الوسيط... "العملة الصعبة"

حيال هذا الوضع، وتخوُّف الأهالي من الأوضاع الأمنية الحدودية أو من أيّ عمل إرهابي قد يصيب أبناءَهم من قريب أو بَعيد، على اعتبار "أنّ الصواريخ لا تُميّز بين مخطوف وإرهابي"، تنشَط مساعي العائلات وتتكثّف اتّصالاتهم في البحث عن خيطٍ رفيع يقودهم إلى أبنائهم. ويشَكّل الوسيط الذي يبحثون عنه الوسيلةَ الأبرز التي يستنجدون بها.

في هذا السياق، يوضح يوسف المساعي التي يبذلها قائلاً: "نحاول في شتّى الطرق والوسائل التواصلَ مع أكثر من وسيط من الوسَطاء الذين بوسعِهم إحداثُ ثغرة. وفي مطلع هذا العام تَبلّغنا جملة إشارات إيجابية تؤكّد لنا أنّ الفرَج ليس بعيداً".

ويضيف: "لمجرّد الحديث عن إمكانية مبادلة العسكريين ووجود إسم الأسير، استبشَرنا خيراً ولو أنّ العملية قد لا تتجاوز إطارَ الإشاعات، لكن يكفينا أن يبقى الملفّ في الضوء لنقتربَ تباعاً في اتّجاه الفرَج".

في سياق متصل، أكّد مصدر مواكب لملف العسكريين "أنّ اتّصالات الأهالي وتحرّكاتهم المكّوكية عبر وسيط سوري مكّنَتهم من التفاؤل بولادة ثغرةٍ خَفيّة قد تفتح آفاقاً جديدة في الملف متى ثبُتت جدّيتُها".

وعن فحوى الخرقِ الإيجابي الذي تَحقّقَ، يجيب المصدر: "نتواصَل مع عدد من الوسَطاء قد يؤثّرون في الجماعات المسَلّحة من خلال اتّصالات مع أقرباء لهم على الأرض، لذا نحن في صَدد التأكّد ممّا أبلغَنا إيّاه أحدُهم (الوسيط السوري) لجهة أنّ الخاطفين مستعدّون للتفاوض مع أيّ شخص تقترحه الدولة اللبنانية. ولكنْ يبقى المطلوب التروّي حتى لا يخيب ظنّنا كما في المرّات السابقة".

(الجمهورية)