ما قبل سيطرة انقلابيي آذار 1963 على السلطة كانت السيارة مِنْ أبرز رموز الغنى والمكانة والجاه، وكانت السيارات الخاصة تكاد تقتصر على أبناء الأغنياء من ملاك الأرض الكبار ورجال الأعمال، وكان أبناء العائلات ورجال الأعمال يترفعون عن استخدام سيارات الدولة لأية أغراض شخصية، عندما كانوا يشغلون وظائف حكومية، ولم يكن ليسمح لموظف الدولة أن يستخدم السيارة الحكومية لأغراضه الشخصية أو العائلية، وكان هذا مستهجناً.
بعد انقلاب 8 آذار 1963 والقيام بإجراءات أواسط ستينات القرن العشرين التي وجهت ضربة كبيرة للطبقات والفئات المسيطرة سياسياً واقتصادياً، وبدء السيطرة الواسعة للدولة البعثية على مقدرات البلاد، قامت سلطة البعث بوقف استيراد السيارات من كافة الأنواع لصالح القطاع الخاص، إضافة لرفع رسومها الجمركية لتعادل أربعة أمثال ثمنها. واستمر هذا الأمر منذ أواسط الستينات وحتى مطلع القرن الحادي والعشرين، أي نحو ثلاثة عقود ونصف، في سياسة هي الأغرب في العالم، ولم يفسح في المجال للقطاع الخاص لاستيراد السيارات سوى نحو سنتين منتصف سبعينات القرن العشرين، ثم استيراد نحو 25 ألف سيارة شخصية “ميتسوبيشي-كولت، ونيسان صني ومازدا 929” عام 1983 إضافة لبضعة آلاف من السيارات تماستيرادها على مدار ربع قرن منحت رخصها لجرحى الحروب. بسبب هذه السياسة الغريبة، حُرم الاقتصاد الوطني، وبالأحرى القطاع الخاص، من سيارات انتقال الأشخاص ونقل البضائع كل هذه الفترة، مما جعل السوق السورية تعج بسيارات قديمة، وتجارة قطع غيار السيارات المستعملة، وأصبحت السيارات المهترئة تباع بخمسة أو عشرة أمثال مثيلتها الجديدة.
بالمقابل وبما يناقض هذه السياسة المتقشفة غير العقلانية، استمرت الدولة في استيراد السيارات من مختلف الأشكال والألوان لصالح مؤسساتها من جيش وأمن ووزارات ومؤسسات اقتصادية ومنظمات حزب البعث وللمنظمات النقابية وغيرها من أشباه المنظمات الحكومية.
بسبب ندرة السيارات وارتفاع أثمانها فقد استخدم نظام الأسد السيارة على نحو خاص كأحد أدوات رشوة العاملين فيها، فكانت تخصص السيارات بدءاً من رؤساء الدوائر والمدراء الصغار وانتهاء بكبار قادة النظام. وكانت سيارة الموظف وسيارة المسؤول تشير إلى علو شأنه الوظيفي واتساع نفوذه أو انخفاضه. ثم أصبح من العرف السائد أن من يخصص بسيارة حكومية يقوم باستخدامها لأغراضه الشخصية. وكانت تكاليف السيارات تشكل رقماً مرتفعاً جداً يحمل ميزانية الدولة أعباءً كبيرةً.


لقد تحولت السيارة إلى رمز للسلطة، فكانت رؤية سيارة مرسيدس سوداء تعني حصراً أن ثمة مسؤولاً حكومياً بداخلها، وأصبحت هذه السيارة “المرسيدس السوداء” بخاصة رمزاً لسلطة الدولة. وتغولت هذه الظاهرة فأصبح مسؤولو الدولة يضعون سيارات الدولة في خدمة أغراضهم الشخصية وخدمة عائلاتهم وأقربائهم وعشيقاتهم ومن يلوذ بهم، كجزء من استباحة المال العام، وكان مشهد أبناء المسؤلين وبناتهم وزوجاتهم وهم يتسكعون بسيارات الحكومة والجيش في شوارع المدن السورية وبلداتها من المشاهد المألوفة، وكانت قصص “مطاحشات” أبناء المسؤولين بالسيارات و”تشفيطهم” بها من القصص التي يتندر بها السوريون. وكان عدد السيارات المخصصة للمسؤول الحكومي يرتفع بارتفاع موقعه الوظيفي، وبلغ عدد السيارات عند بعض المسؤولين العشرات، وذكر أن السيارات التي سحبت من بعض كبار مسؤولي النظام مثل عبد الحليم عام خدام 2005 قد بلغت السبعين، وذكر مثل هذا الرقم عند طرد محمد حيدر نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية في النصف الأول من ثمانينات القرن العشرين والذي كان يعرف ب “mister 5%” وغيرهم. ولم تكن مثل هذه المعلومات لتكشف أو ليسمح بالسؤال عنها في الأحوال العادية، أما كبار قادة النظام الذين كانوا او مازالو فلا أحد يتجرأ على ذكر كم من سيارات الدولة يستخدمون.
لقد مثل سلوك مسؤولي نظام الأسد تجاه السيارات الفاخرة سلوكاً تعويضياً ينم عما تراكم في نفوسهم من صور الثراء والسلطة عندما كانت تمر بهم السيارات الفارهة دون أن تعيرهم أي انتباه، فاتسم سلوكهم، بعد استيلائهم على السلطة بنوع من التشفي، فمن جهة أولى قاموا بنوع من السلوك الانتقامي عندما حرموا أولئك الأغنياء وبقية المجتمع من رمز السلطة والجاه، ومنعوهم من امتلاكه ثانية، بينما كافأوا أنفسهم بسيارات كثيرة بنهم ينم عن جوع مزمن، ووجدوا أنها أداة فعالة لرشوة كادرات الدولة الوسطى والعليا لكسب الولاء. لم تأخذ السيارة الخاصة هذه الأهمية والدلالات وهذا الوضع الغريب الا في نظام الأسد في سوريا.
مع نهايات القرن العشرين أعادت طبقة الأغنياء بناء نفسها، ولكن هذه المرة من قبل أبناء كبار المسؤولين الذين اصبحوا رجال أعمال من بيت الأسد ومخلوف وشاليش وخدام وطلاس وغيرهم بالدرجة الأولى إضافة لعدد كبير من رجال الأعمال في دمشق وحلب وحمص وحماه واللاذقية، هم في جزء منهم واجهات لبيت الأسدأو من يلوذ بهم، والأكثر شهرة هم حمشو والخياط. وتم إعادة فتح باب استيراد السيارات على مصراعيه، وخفضت رسومها الجمركية، وامتلأت السوق السورية بسيارات فاخرة بداخلها رجال الأعمال الجدد، ولم تعد السيارة الفاخرة حكراً على مسؤولي الدولة بل وأصبحت سياراتهم عموماً تتفوق على سيارات كبار رجال الدولة في الفخامة. لقد دار الزمن دورته وعادت الرأسمالية الى الديار السورية على يد من تولوا الحكم بذريعة طردها، فقام من طردوها أنفسهم بالحلول محلها.
 

 

السوري الجديد - سمير سعفان