بدم بارد، أو "ملتهب"، قتلت "جيرالدين" نتالي صلبان أمام طفلتها الصغيرة. هي مجرمة، ولو ان القانون يقول أن المتهم بريء حتى تثبت ادانته. صُدمت عين نجم، بل لبنان. كيف لامرأة ان تهشم الرأس بمزهرية، وهي التي قضت خمس سنوات في ذاك المنزل، حتى باتت "الأخت الكبيرة" للصغيرات؟ كيف "لملامح" الاجرام ان تُخفى عن الوجه طيلة هذه الاعوام؟ هذه الاسئلة وغيرها طرحها كثيرون بعد الحادثة. وتماماً كما اكدّ جيران الضحية والاقارب انه لم يكن يظهر على العاملة اي "شبهات" او سوء معاملة بل على العكس، تأتي الشهادات اياها بعد اي جريمة من هذا النوع. أمرٌ يقود البعض الى شمل كل العاملات الاجنبيات تحت "راية" الاجرام، معتبرينهنّ "شياطين صامتة او متخفيّة في المنازل"، فيما يستغرب آخرون كيف لانسان ان يتحوّل، فجأة، من مسالم الى قاتل، يطعن بالظهر؟!

قد يفيد بحث بسيط حول عدد العاملات المنتحرات او المقتولات او المعنفات مقارنة مع عدد السيدات اللواتي يقعن ضحايا مساعدات المنازل، بدحض مقاربة البعض، والتي ينطلقون منها لاعتبار كل العاملات مجرمات. فالنتيجة تقول انه على الاقل تسجّل حالة انتحار واحدة تقوم بها العاملة الاجنبية كل شهر، فيما لا تتجاوز عدد الجرائم التي ترتكب بحق ارباب المنزل الاثنتين او الثلاث في السنة!

هذا ما تقوله الارقام. يضاف اليه ما تنصّ عليه الاخلاق والمفاهيم العالمية حول وجوب عدم التعميم او ممارسة اي نوع من التمييز العنصريّ. فالاجرام لا يعرف لونا او دينا او جنسية او طبقة اجتماعية. واذا كانت جريمة قامت بها عاملة اجنبية من بلد ما سوف "تصبغ" مواطني بلدها الام او جميع العاملات بوصمة الاجرام، فهذا يعني ان اللبنانيين جميعم، بل كل شعوب الارض، قاتلون محترفون. وهذا ما ينطبق على الارهاب والعرب او تحديدا المسلمين.

هذه المعادلة تنسحب على ما يُعتبر تحوّلا جذريا في السلوك، بمعنى ان مطلق اي انسان، بصرف النظر عن "هويته" وجنسيته، قد يصبح، فجأة، قاتلاً، "رغم انه كان هادئا ومسالماً". وعلى رغم ان اختصاصيي علم النفس يفضلون دراسة كل جريمة كحالة قائمة بحدّ ذاتها، الا ان ما هو معلوم لدى الجميع ان "العنف يوّلد عنفاً".

فلا شكّ ان تلك العاملات يتعرضن الى ضغوطات جمّة، قد تسير بهنّ الى "ما لم يكن في الحسبان"! يكفي اولاً انهن "اقتُلعن" من بيئتهن وعائلاتهن وعاداتهن، واتين الى بلاد "غريبة" حيث تبدأ رحلة "المفاجآت" على انواعها.

وعملياً، فان الانسان لا يبيّن في العادة مشاكله النفسية، والتي "تُكتشف" فور وقوع اي عمل عنفي او جرمي. وفي اغلب الأحيان، قد تؤدي ممارسة العنف على شخص ما الى قيامه بردّة فعل حادّة وعنيفة، قد تترجم بارتكابه جرماً بحق غيره او الانتحار. ولعلّ اكثر الاشخاص الميّالين الى ترجمة الضغوطات الى سلوك عنفي حاد هم الذين يعانون من مشاكل نفسية مثل Impulse control disorder او اضطرابات نفسية او أمراض عقلية او يكونون psychopathic (سيكوباتيون).

وانطلاقا من هذا الواقع، يُطرح السؤال: هل يمكن تفادي الجرائم او حالات الانتحار، او اقلّه الحدّ منها؟!

لعلّ الحل الانجع يكمن في انهاء نظام الكفالة المعمول به في لبنان. فاذا كانت هذه التصرفات العدائية ناتجة من عنف وضغوطات، علينا البحث في هذه الاسباب الضاغطة والتعنيفية. حجز جواز السفر والحرية؟ ساعات عمل متواصلة طوال ايام الاسبوع؟ ارهاق وحرمان؟ جوع، عطش، تعب ومسؤوليات تفوق القدرة على التحمّل؟ اهانات او ضرب؟ تمييز عنصري؟ كلّ هذه العوامل وغيرها (والتي قد تؤثر في العاملة كما في الكفيل(ة) تنتفي مع اسقاط نظام الكفالة، واخضاع العاملات الى قانون العمل.

حتماً ستعلو اصوات معارضة بذريعة حاجة اللبنانيين الى عاملات تخدمن على مدار الساعة بسبب الظروف الراهنة، وعلى رأسها عدم قدرة السيدات على التوفيق بين اعمالهن والاشغال المنزلية ورعاية الاطفال. تحتمل هذه النظرية نقضا واضحاً، نظرا لامكانية الاستعانة بعاملة من اجل تنظيف المنزل والطبخ لبضعة ساعات في النهار...او امكانية تعاون الزوجين على القيام بهذه الامور. وبالنسبة الى الاطفال، يُمكن احضار العاملات كـ Baby sitter في اوقات محدودة، وهذا ما يضمن بالتالي جوّا عائلياً غير مضطرب. سيسأل البعض :" ماذا عن المسنين؟ من سيهتم بهم؟".

فلنسأل الدولة الكريمة. يبدو واضحاً انها مسؤولة في اكثر من مجال عن جعل اللبنانيين، كما العمال والعاملات اللآتين من الخارج ضحايا...او مجرمين!


لبنان 24