بعد تعلّم الطفل الكلام واكتشافه الأشياء من حوله، تظهر عوامل عدة تدفعه إلى طرح الأسئلة. هذه "الحشرية" مهمّة لكي يشعر الطفل بالإطمئنان ويبحث عن الأجوبة الشافية للمسائل التي تشغل باله، فيبدأ بطرح أسئلته الكثيرة من سن الثانية حتّى سن الخامسة. يُحرج الطفل في بعض الأحيان والديه بأسئلة لا يجدان الإجابة المناسبة للردّ عليها. وقد تزيد حشريته ويتضاعف سخطه إذا ما حاولا إسكاته. فهل مقبول أن يعطي الأهل معلومات خاطئة لطفلهما عندما يسأل سؤالاً معيّناً قد يشعرهما بالخجل؟ وما هي الطرق التربوية الأفضل للتعامل مع الطفل وتساؤلاته؟

يترافق تعلّم الطفل الكلام مع بدء طرحه الأسئلة والاستفسارات عن حياته، ليشبع حبّ الاستطلاع والمعرفة لديه. ففي عمر العشرة أشهر، يجري الطفل المقارنات بينه وبين أمه، أمّا في عمر السنتين، فيُكثر التساؤلات بشكل محرج.

وعند بلوغه الثلاث سنوات يدرك عجزه عن فهم الكثير من الحقائق فيعوّض هذا العجز عن طريق إختراع الكلمات الجديدة التي لا معنى لها، وقد يمتدّ ذلك إلى ما بعد الخمس سنوات. لذا لا يجب على الأهل أن يخافوا من تصرّفات وتساؤلات أطفالهم لأنّ هؤلاء يكتشفون العالم بهذه الطريقة.

ما هي تساؤلات الأطفال وما أهميّتها؟

تساؤلات الأطفال هي الإستفسارات والأسئلة بصيغة استفهامية التي تخطر على بال الطفل ولا يجد جواباً مقنعاً لها، فيوجّهها إلى أقرب الناس إليه كالوالدين والإخوة والأقارب والمعلّمين والمشرفين، وينتظر منهم الإجابات.

يطرح الأطفال الكثير من الأسئلة لأسباب عدة منها:

• إكتشاف وإستطلاع مواقف معيّنة يجدها الطفل غريبة. مثلاً، عندما يرى الطفل شخصاً يعاني من السمنة الزائدة، يبدأ بطرح الأسئلة اللامتناهية وذلك بكلّ براءة أمام هذا الشخص، ما قد يُحرج الشخص السمين ويُحرج الوالدين أيضاً.

• التخفيف من القلق الذي يشعر به أمام مواقف معينة، مثل خوفه من معلمة جديدة.

• حبّ الطفل لاستعمال الكلمات وحبّ طرح الأسئلة التي يتحمّس جداً لها ولكيفية تجاوب المحيطين معه، ويتباهى بقدراته اللغوية أمام الأشخاص من حوله.

• إشباع حاجته الكبيرة في فهم كلّ ما يحيط به من ظواهر وأشياء، وطرح الأسئلة طريقة للتواصل والمشاركة الإجتماعية بين الأهل والأطفال.

• تنمية ثقة الطفل بنفسه.

ما سبب إهمال المربّين والأهل تساؤلات أطفالهم؟

عندما يطرح الأطفال الأسئلة على الأهل أو المربّين، يجعلونهم يتحمّلون مسؤولية الإجابة وبالتالي مسؤولية تجاه النموّ العقلي للطفل. ومن أهم الأسباب التي تدفع الأهل إلى تجاهل أسئلة الأولاد هي صعوبة تفسير هذه الأسئلة.

فبعض الأطفال يطرح تساؤلات قد تتجاوز حدود قدراته على الفهم والاستيعاب. ويتهرّب الأهل من الإجابة على الأسئلة الغريبة أو المحرجة في بعض الأحيان، مثل الأسئلة المتعلّقة بالزواج والجنس والفرق بين الفتاة والصبي. وتكثر أسئلة الأولاد المتعلّقة بالجنس وتتلاحق دون انتظار الإجابات.

وتصنّف أسئلة الأطفال كالتالي:

• أسئلة القلق الطفولي: يتولّد قلق الطفل من جهله للعالم المحيط به.

• أسئلة استكشاف الجسد: وهي مرحلة تبدأ في الأشهر الأولى من عمر الرضيع. وفي مقدّمة الأسئلة التي يطرحها الطفل على سبيل الاستكشاف هي المتعلقة بالفروق التشريحية بين البنت والولد.

• الأسئلة ذات الطابع الألسني، مثلاً: لماذا سميت الأشياء بهذه الأسماء.

• أسئلة التمرّد: هي تأتي على شكل محاولات تقليد الكبار وتسبّب الكثير من الإحراج للأهل.

• أسئلة التموقع: وهي تتعلق ببحث الطفل عن تفسيرات لمبادئ الزمان والمكان.

• الأسئلة الاختبارية: يختبر بها الأطفال قدرات الأهل لانتقاد ضعفهم.

ما دور الأم والأب والمربّين؟

منذ اللحظة الأولى للولادة، تلعب الأم دور الوسيط بين طفلها والعالم الخارجي. تساعد الأم طفلها في فهم العالم واستيعابه. ويؤدّي الأب دوراً هاماً في نضج الطفل الفكري والعاطفي.

نجاح الوالدين في هذه الوساطة، يساهم في نموّ الطفل العضوي والنفسي على حدّ سواء. ومن أهمّ الأدوار التي يؤدّيها الأهل تشجيع الطفل على طرح الأسئلة التي تشكّل سبيلاً إلى المعرفة. والردّ على تساؤلات الطفل يجب أن يتّصف بالصحّة والدقّة والوضوح والإقناع والإبتعاد من الإجابات الخاطئة أو الغامضة أو غير المقنعة.

كما لا يجب أن تكون الإجابة طويلة بل يجب أن تُقدَّم بشكل مناسب حسب عمر الطفل واستيعابه، فالإجابة عن أسئلة ولد عمره 6 سنوات يجب أن تكون أقصر من الإجابة عن أسئلة ابن العاشرة.

أمّا في المدرسة، فيجب أن يعطي المربي فرصة للتلامذة كي يسألوا أسئلتهم، ويجب أن يجيبهم بشكل مناسب لعمرهم ومن دون تفلسف أو تبسيط. وعلى المربّي أن يبدي سروره بأسئلة التلامذة ليشجعهم على طرح تساؤلاتهم.

وعندما يحصل الطفل على أجوبة واضحة، سيكتفي بتفسيرات المعلم، ولكن إذا لم يقنعه جواب المربي، لن يتردّد بطرح سؤال آخر عن الموضوع نفسه بهدف إيجاد الجواب الشافي.

( الجمهورية)