الشارع على حاله من الغليان وعون يختبر اليوم شارعه وبعض الفاسدين يتبرؤون من دورهم

 

السفير :

برغم الآمال التي يعلقها البعض على «العناصر الصحافية» التي صدرت عن مجلس الأمن الدولي، ولا سيما الدعوة إلى انتخاب رئيس للجمهورية بأسرع وقت ممكن، فان اللافت للانتباه أن منسوب القلق على الاستقرار اللبناني بدأ يرتفع داخليا وخارجيا، في ضوء الأزمة السياسية ـ الدستورية المفتوحة من جهة، والحراك المدني غير الطائفي الذي يمثل شريحة واسعة من كل الطبقات والمناطق في لبنان من جهة ثانية، على حد تعبير ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان سيغريد كاغ.
لقد كان واضحا منذ الساعات الأولى لانطلاق شرارة «الحراك» أن هناك بعض أهل السلطة قد قرروا التعامل معه بشيء من الاستهتار والخفة السياسية، فيما بدا فريق آخر أكثر تهيبا، من دون إغفال واقع أننا أمام سلطة بمنازل كثيرة، بعضها اتهم المتظاهرين بأنهم يصادرون شعاراته والبعض الآخر وضع نفسه مباشرة في مواجهة الشعارات والكتلة المحتجة على حد سواء!
ولعل الرئيس نبيه بري كان من القائلين بأن هذا الحراك له ما يبرره وبالتالي لا بد من محاولة احتوائه عبر كسر حلقة المراوحة السياسية، وعلى هذا الأساس، طرح سؤالا محددا على الايرانيين والسعوديين حول مباركتهما لفكرة الحوار، فجاءه الجواب ايجابيا من طهران والرياض، وكرر الأمر على مسامع عدد من سفراء الدول الكبرى، فأتى الجواب ايجابيا أيضا.
ينعقد الحوار في بيروت في التاسع من أيلول وتنعقد مجموعة الدعم الدولية على مستوى وزراء الخارجية ورئيس الحكومة تمام سلام في نيويورك في الثلاثين من أيلول المقبل، وثمة قواسم مشتركة في جدول أعمال الاجتماعين وخصوصا مسألة انتخاب رئيس جديد للجمهورية.
وبين هذا وذاك، وتحديدا في الثالث والعشرين من ايلول، يفترض أن يعقد في نيويورك الاجتماع الأول من نوعه بين الايرانيين وبعض دول مجلس التعاون الخليجي، ومن غير المستبعد أن يكسر السعوديون تحفظهم عن فكرة الحوار التي أطلقها وزيرا خارجية قطر وسلطنة عمان، فينضموا الى الاجتماع، وهي مسألة تبقى رهن ما ستفضي إليه القمة الأميركية ـ السعودية في البيت الأبيض صباح اليوم بتوقيت واشنطن.
في غضون ذلك، بينت مجريات الجلسة التي عقدها مجلس الأمن والتي ناقش خلالها الوضع اللبناني من خارج جدول الأعمال، أن معظم العواصم الدولية تقيّم الحراك بشكل ايجابي، لكنها تلتقي على نقطة واحدة وهي أولوية انتخاب رئيس جديد للجمهورية.
فالفرنسيون عبروا خلال الاجتماع عن بالغ قلقهم من العنف الذي رافق المظاهرات الأخيرة، واعتبروا ان الفراغ الرئاسي يقع في صلب الازمة الرئاسية، وكرروا دعمهم لجهود رئيس الحكومة، ودعوا مجلس النواب للانعقاد لانتخاب رئيس «في اقرب فرصة ممكنة»، وهي الصيغة نفسها التي اعتمدها مجلس الأمن في «العناصر الصحافية» التي تم الإدلاء بها أمام الصحافة في الأمم المتحدة.
أما بريطانيا، فقد عبرت بلسان مندوبها عن قلقها من انزلاق الوضع الحالي الى ازمة دستورية، وشددت على ضرورة المحافظة على الطابع السلمي للتظاهرات، ونوهت بالدعوة للحوار.
ورأى ممثل الولايات المتحدة في مجلس الأمن ان التظاهرات الأخيرة تعبر عما اسماه «احباطاً مبرراً» لدى المجتمع المدني اللبناني، واكد دعمه لرئيس الحكومة ولا سيما لجهة مطالبته بمحاسبة مرتكبي المخالفات، وشدد على ضرورة انتخاب رئيس جديد للجمهورية من دون مزيد من التأخير في ضوء تزايد المخاطر الامنية على لبنان.
وعبرت روسيا بلسان مندوبها عن قلقها من تدهور الاوضاع في لبنان، وشددت على اهمية المحافظة على الاستقرار، واكدت ان لا بديل عن الحوار، ودعت الى انتخاب رئيس جديد للجمهورية. أما الصين، فقد شدد مندوبها على اهمية حماية الاستقرار، ودعا البرلمان اللبناني الى انتخاب رئيس جديد للجمهورية «في اسرع وقت ممكن».
وبين التحذيرات الدولية من انزلاق أو تدهور الأوضاع اللبنانية من جهة، وعجز الحكومة اللبنانية عن القيام بأمر ايجابي يؤدي الى تنفيس الاحتقان المتزايد من جهة ثانية، فان الواقع الراهن يدل على أن الجميع في مأزق: السلطة بمكوناتها كافة لا تملك سوى وصفة الهروب إلى الأمام.. وفي المقابل، ثمة شارع مهدد بأن يتحول إلى «شوارع»، من دون أن يكون واضحا أمام جمهوره سقف مطالب الحد الأدنى الآنية بطبيعة الحال، أو تلك البعيدة المدى.
ولا يختلف اثنان على أن ثمة حيوية في الشارع يفتقدها لبنان، أقله منذ زمن الحرب الأهلية حتى الآن. حيوية أدت إلى تحريك كتل اجتماعية من مشارب مختلفة، يسجل لها أنها تلتقي على رفض تدجين اللبنانيين، وعلى كسر «المحرمات» بحيث لا بد وأن تخضع كل السياسات الاقتصادية والاجتماعية للمساءلة منذ الآن فصاعدا، وخير دليل على ذلك رفض تمرير «تهريبة النفايات» وغيرها من «التهريبات» وخصوصا في قطاع الكهرباء.
وإذا كان الحراك المدني قد تجاوز على مدى أكثر من أسبوعين تحدي الاستمرارية والجاذبية والوحدة، فان مشهد ساحة الشهداء، اليوم، سيشكل اختبارا لمدى قدرة «التيار الوطني الحر» على اجتذاب شريحة شعبية تتجاوز أولا الماكينة الحزبية (17 ألف منتسب) وثانيا البيئة المسيحية، والأهم من ذلك، تغليب الشعار الوطني والاجتماعي على الشعار الفئوي، وهو امتحان يفترض أن يسري على كل تشكيل سياسي يريد للساحات أن تتوحد، وبالتالي أن تفرض موازين قوى تستفيد من التناقضات داخل البنية السياسية الحاكمة وصولا الى تحقيق خرق سياسي ما.
ولن يكون نزول «التيار الحر» الى الشارع اليوم معزولا عن مشهد ساحتي رياض الصلح والشهداء في الأسبوعين الماضيين ولا عما سيكون عليه حراك التاسع من أيلول بالتزامن مع جلسة الحوار الأولى التي دعا اليها الرئيس نبيه بري.
كذلك لن يكون معزولا عن الصورة التي تريد «القوات اللبنانية» تثبيتها في قداس معراب، غدا، لمناسبة يوم شهداء «القوات»، خصوصا وأن رئيسها سمير جعجع اتخذ قرارا بمقاطعة جلسات الحوار الجديدة، وهو صارح بعض مكونات «14 آذار» بأنه يرفض استمرار «سياسة البصم» على قرارات متسرعة يتخذها حليفه الرئيس سعد الحريري من دون العودة اليه، خصوصا وأنه كان قد تلقى مؤشرات بأن الحريري لن يتجاوب مع أية دعوة جديدة للحوار خارج اولوية انتخاب رئيس جديد للجمهورية.

النهار :

اختلفت صورة التحركات الاحتجاجية في الساعات الاخيرة، فاتخذت شكلاً زاد طابع المباغتات التي يبدو ان هذه التحركات تتجه إليها ولو ان عاملاً آخر برز في تحركاتها وتمثل في تشتتها وتكاثر جماعاتها الامر الذي يعقد امكان انضوائها في اطار تنسيقي موحد. ورسم هذا الواقع تساؤلات عما يمكن ان تؤول اليه الدعوة التي وجهتها "لجنة المتابعة لتحرك 29 آب" للاعتصام الحاشد يوم بدء الحوار الذي دعا اليه رئيس مجلس النواب نبيه بري في المجلس، علماً ان برنامج الاعتصام وآلياته والهيئات المنظمة له والمنخرطة فيه لم تتحدد بعد في ظل عدم التوصل الى اتفاق على اطار العمل التنسيقي بين الحركات الشبابية المدنية.
ولعل اللافت في هذا السياق ما أبلغته مصادر متصلة بالتحضيرات لتظاهرة المجتمع المدني في 9 أيلول الجاري الى "النهار" أمس من أن القضية المركزية ستكون موضوع انتخاب رئيس جديد للجمهورية ومطالبة النواب بالبقاء في مجلس النواب الى حين انتخاب هذا الرئيس. وقالت إن التظاهرة التي ستتزامن مع انطلاق أعمال طاولة الحوار النيابية ستكون بمثابة خطوة نحو فرض بقاء النواب في البرلمان الى أن يؤدوا واجبهم الدستوري وعدم القبول بمنطق التأجيل السائد حتى الآن.
وأمس كان المقر الرئيسي لوزارة العمل في الشياح هدفاً للمتظاهرين للمرة الاولى. وبناء على معلومات تحركت فرقة لمكافحة الشغب تابعة لقوى الامن الداخلي لحراسة المبنى بعد الظهر، كما توجه الى المقر وزير العمل سجعان قزي لتفقده وللاطلاع على الاجراءات المتخذة لحمايته. وصرّح لـ"النهار" ليلاً: "أهلاً وسهلاً بكل متظاهر. لكن الأمور المطروحة ليست في وزارة العمل التي ميزتها أنها وزارة لكل الناس وأن أي اعتداء عليها هو اعتداء على مصالح الناس".
وفي المقابل، برز تحرك مباغت لحملة "بدنا نحاسب" التي استهدف ناشطوها آلات "الباركميتر" على الكورنيش البحري بدءاً من عين المريسة حيث عمدوا الى تعطيلها باعتبارها ملكاً للشعب ولا يجوز تكبيد المواطنين دفع بدل توقيف السيارات على امتداد الكورنيش. ونجحت الحملة في تحركها بعد توقيف اثنين من ناشطيها ثم اطلاقهما بفعل اعتصام أمام وزارة الداخلية كما استجاب محافظ بيروت زياد شبيب للحملة وأصدر قراراً بوقف عدادات "الباركميتر" على طول الكورنيش البحري. وتزامنت هذه التحركات أيضاً مع بدء ناشطين آخرين صوماً عن الطعام امام وزارة البيئة مطالبين باستقالة وزير البيئة محمد المشنوق.

التظاهرة العونية
في المقابل، ستكون ساحة الشهداء مساء اليوم على موعد مع التظاهرة التي دعا اليها العماد ميشال عون أنصار "التيار الوطني الحر" تحت عنوان المطالبة بانتخاب رئيس " قوي" للجمهورية وقانون انتخاب على قاعدة النسبية. وقد حشد "التيار" كل امكاناته التنظيمية والاعلامية والدعائية هذه المرة سعياً الى مشهد حاشد في التظاهرة التي برز تعويل العماد عون على ثقلها الشعبي من خلال توجيهه نداء مفاجئاً مساء أمس الى انصاره للمشاركة الكثيفة فيها. وإذ عاد عون الى مراحل سابقة من الحرب اللبنانية معتبرا ان انتخابات التسعينات "كانت باطلة واسست الجمهورية الثانية على باطل وهي باطلة " قال: "سنجتمع غداً (اليوم) لنزيل الباطل الذي حكمنا عشرات السنوات... غداً لحظة تاريخية وعلى جميع اللبنانيين ان يكونوا صوتاً واحداً ومضموناً واحداً من اجل قانون انتخاب عادل ورئيس منتخب دون تزوير ولعب على القانون". وشدد على قانون انتخابات على قاعدة النسبية قائلاً: "غدا تقترعون بأقدامكم لنصل الى قانون أفضل وسنعبد الطرق حتى نصل الى الاقتراع السليم في صناديق الاقتراع".

 

هيل
الى ذلك، برز في اطار المتابعات الديبلوماسية للوضع الناشئ في لبنان موقف جديد للسفير الاميركي ديفيد هيل بعد زيارته امس للسرايا، إذ شدّد على "الحق في حرية التعبير والتجمع السلمي والاحتجاج السلمي اللاعنفي"، لافتاً الى ان "على المواطنين في كل مكان مسؤولية ممارسة حقهم بطريقة سلمية مسؤولة". كما نوه بتأكيد أعضاء مجلس الامن أول من امس "أن الآن هو الوقت لمجلس النواب ليجتمع وينتخب رئيسا للجمهورية في اقرب وقت".

الحوار
وعلى الصعيد المتصل بالاستعدادات للحوار الذي انجزت عملية ابلاغ المدعوين اليه الدعوات من الرئيس بري، علمت "النهار" ان رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع لم يعط النائب ميشال موسى الموفد من بري اي جواب شاف سلباً أو ايجاباً عن موقفه من الدعوة، إذ ان جعجع سيحدد هذا الموقف في احتفال "القوات" السبت بذكرى شهداء المقاومة اللبنانية. وقال بري امام زواره في هذا الشأن: "اذا اتخذ الدكتور جعجع موقفا بعدم المشاركة في الحوار اتفهم موقفه لانه لم يشارك في الاجتماعات الاخيرة لطاولة الحوار في قصر بعبدا برئاسة الرئيس السابق ميشال سليمان كما ان جعجع ليس مشاركا في الحكومة. أما اذا اتخذ قرارا بالمشاركة فسأكون في مقدم المسرورين لاكتمال لوحة جمع الافرقاء على الطاولة".

 

المستقبل :

لا صوت يعلو فوق صوت الشارع هذه الأيام. فالشارع أصبح شوارع والحراك المطلبي يتناسل تحركات وحملات تزاحم بعضها في ميادين الصراع مع السلطة رفضاً للواقع السياسي والمعيشي والاقتصادي والمالي والبيئي والصحي الموبوء بمختلف عوارض الفساد والإفساد والاستبداد بالبلاد والعباد التي تضخها دويلة «حزب الله» في عروق الدولة ومؤسساتها لتعطيل أجهزتها الحيوية ومناعتها الوطنية طمعاً بإعلان موتها السريري على فراش «كارتيل» سلاح الغدر ومعامل الكبتاغون وتزوير الأدوية وتبييض الأموال على مختلف خطوط الموانئ البحرية والبرية وعلى كافة جبهات عصابات القتل والخطف والابتزاز والسلب وسرقة السيارات التي تديرها شبكات «حزب الله» وأشقاء «إخوانه» المسؤولين المحاضرين بالفضيلة وبمكافحة الفساد على امتداد المنطقة والوطن من «إيران غايت» إلى «عزالدين غايت» وغيرها من صفقات وسمسرات «المال النظيف». لكن بعيداً عن محاولة الحزب خرق الشارع المطلبي والاستيلاء على شعارات الناس بادعاء العفة «الصفراء» سواءً عبر بيان كتلته البرلمانية أو على ألسنة بعض «أصابعه» الصغيرة المرفوعة على المنابر، وبمعزل عن لعبة ركوب الأمواج المطلبية التي ستكون اليوم على موعد مع تظاهرة «برتقالية» دعا إليها النائب ميشال عون تحت شعار المطالبة بقانون انتخابات جديد متعمداً بذلك محاصرة «حوار الإنقاذ» وشقلبة أولوياته الانتخابية من رئاسية إلى نيابية، يتسارع «عدّاد» الشارع وتتفاعل تحركاته الاحتجاجية على أكثر من صعيد ميداني متخذاً أمس أشكالاً ثلاثية الأبعاد: «إضراب عن الطعام» أمام وزارة البيئة، تعطيل عدادات «الباركميتر» أمام وزارة الداخلية، واعتصام مركزي موجّه ضدّ وزارة العمل. 
وكان نهار العاصمة المطلبي قد انطلق أمس على محور «الرصيف البحري» مع إقدام مجموعة تابعة لحملة «بدنا نحاسب» على تنظيم تظاهرة رافضة لتطبيق نظام عدادات الدفع المسبق لركن السيارات هناك حيث عمد بعض المتظاهرين إلى تخريبها وتعطيلها ما اضطر عناصر من المفرزة الاستقصائية إلى توقيف اثنين منهم بتهمة التعرض للممتلكات العامة ثم ما لم لبث أن تداعى الناشطون في الحملة إلى الاعتصام مساءً أمام وزارة الداخلية للمطالبة بإطلاق سراحهما، ولم يفضّوا الاعتصام حتى صدرت الإشارة القضائية بإطلاق الموقوفين بالتزامن مع إصدار محافظ بيروت زياد شبيب قراراً طلب بموجبه من الشركة المشغلة لعدادات «الباركميتر» وقف العمل بها فوراً.
وأمام وزارة البيئة، نصب عدد من ناشطي الحراك المدني خيمة في محيط مبنى اللعازارية وبدأوا إضراباً عن الطعام، مؤكدين أمام وسائل الإعلام أنهم مستمرون في إضرابهم حتى «استقالة الوزير محمد المشنوق». بينما تولى «تحرك 29 آب» تنظيم اعتصام مركزي أمام مقر وزارة العمل ما استدعى حضور الوزير سجعان قزي لمواكبة الإجراءات الأمنية في محيط الوزارة، بينما دعا المعتصمون في ختام تحركهم إلى أوسع مشاركة في تظاهرة 9 أيلول الرافضة للحوار في مجلس النواب.
عون يحاصر الحوار
سياسياً، لم يكد رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» النائب ميشال عون يتسلم نهاراً الدعوة الرسمية من رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى الحوار وفق جدول أعمال تتصدر أولوياته «رئاسة الجمهورية واستعادة عمل مجلسي النواب والوزراء»، حتى قفز عون مساءً إلى رابع بنود الجدول مقدّماً مسألة سنّ قانون انتخابي جديد على أولوية انتخاب الرئيس، وفق ما جاء في دعوته المتلفزة لمناصري «التيار الوطني الحر» إلى المشاركة الكثيفة في تظاهرة اليوم باعتبارها «لحظة تاريخية»، متوجهاً إليهم بالقول: «أتأمل أن تقترعوا غداً (اليوم) بأقدامكم وتعبّدوا الطرق كي تصلوا إلى الاقتراع السليم في صناديق الاقتراع».

الديار :

لبنان يعيش ازمة نظام حقيقية، لا يمكن معالجتها «بالترقيع»، وتجاهل الحل الذي يرضي اللبنانيين، وتحديداً الشباب الذين انتفضوا على هذا الواقع «المهترئ» الذي نتج من ممارسات الطبقة السياسية اللبنانية. البلد يعيش ازمة نظام حقيقية، من دون مخارج وآليات غير متوافرة للحل الآن. وهذا ما يترك الخيار للشارع في المدى المنظور، عبر مواجهة بين السلطة والمتظاهرين. لكن الاكيد والثابت ان لبنان دخل مرحلة جديدة، وما كان مسموحاً به قبل حراك 22 آب لن يكون مسموحاً به بعده، في ظل الاهتمام الدولي المتزايد بالازمة اللبنانية، وخشية البعض من اتجاه لتدويل الازمة اللبنانية، اولى مؤشراته ظهرت في اجتماع مجلس الامن الدولي امس الاول والدعوة الى انتخاب رئيس جديد للجمهورية في اسرع وقت ممكن. واعلن المندوب الروسي الذي يتولى رئاسة مجلس الامن ان مجلس الامن مستمر في مراقبة الوضع عن كثب، دعماً لوحدة لبنان واستقراره واستقلاله. ودعا مجلس الامن البرلمان اللبناني الى الالتئام وانتخاب رئيس، كما ان ممثلة الامين العام للامم المتحدة في لبنان سيغريد كاغ قدمت تقريراً تضمن تعرض السلطات اللبنانية للحراك المدني والعجز عن انتخاب رئيس للجمهورية من قبل السلطات اللبنانية.
وتشير المعلومات من اروقة مجلس الامن، وبحسب وسائل اعلام اجنبية، الى ان مجلس الامن قد يعين بعد اشهر مندوباً خاصاً بلبنان لمتابعة الاوضاع في خطوة مماثلة لقيام مجلس الامن بتعيين مندوبين من قبله لسوريا وليبيا.
وهذا ما يؤشر الى البدء بتدويل الازمة اللبنانية بعد الحوار اللبناني ودخول مجلس الامن بقوة على خط انتخاب رئيس للجمهورية، فالحل لن يكون بدوحة جديدة كماحصل عام 2008، بل بتدويل للازمة اللبنانية سيفضي الى انتخاب رئيس للجمهورية، وهذا ما تعمل عليه واشنطن عبر التسريع بانتخاب رئيس للجمهورية كما ان موسكو والسعودية تعملان ايضاً وتريدان انتخاب رئيس للجمهورية.

 

 

 

 

طاولة بري للحوار

وفي ظل هذه الاجواء المعقدة ومأزق النظام اللبناني، دخل الرئيس بري «بذكائه الفطري» طارحا مبادرة للخروج من هذا النفق، ووافق الجميع باستثناء القوات اللبنانية. وبالتالي سيفقد الحوار ورقة مسيحية اساسية وقطبا بارزا كالدكتور سمير جعجع الذي سيعلن موقف القوات النهائي غدا في مهرجان الشهداء في معراب. لكن اوساط القوات اللبنانية ابدت استغرابها لعدم شمول بنود بري سلاح المقاومة. وتشير الاوساط القواتية الى ان الحزب ليس سلبيا ازاء الدعوة، لكن لديه هواجس وتساؤلات، وان الاسباب التي ادت الى مقاطعة الحوار الاخير في بعبدا ما زالت قائمة، لا بل اضيفت اليها اسباب اخرى هي عدم التزام مقررات الحوار التي بقيت حبرا على ورق مع اعلان بعبدا وضرورة ان يقتصر حوار اليوم على بند وحيد، هو انجاز الاستحقاق الرئاسي.
واشارت الى ان اتصالات تجريها القوات اللبنانية مع الحلفاء في فريق 14 اذار.
اما حزب الكتائب فسيطالب باللامركزية الادارية الموسعة، ولكنه لن يحصل عليها، لان البعض يعتبرها شكل من اشكال الفيدرالية.
اما العماد ميشال عون فهو «حائر» جراء التركيز على رئاسة الجمهورية، وهو مع التظاهرات والشارع في مكان ومع الحوار في مكان آخر، مع التظاهرات غدا ومع الحوار في 9 ايلول، واليوم سيظهر الحجم الحقيقي للتيار العوني في الشارع، بعد ان اعد العونيون كل العدة لانجاح التحرك واظهار قوتهم الشعبية، ولا يمكن قياسها بشعبية الحراك المدني، كما يحاول ان يشيع البعض من اعداء عون الذين يصرون على اشاعة ان العماد عون غير قادر على الحشد.
لا خيار امام العونيين الا استغلال فرصة التحرك اليوم، فاذا كان الحشد الشعبي قد ادخل العماد عون الى طاولة الحوار قويا فارضا شروطه متمسكا بطروحاته مؤكدا انه ما زال القائد الشعبي الابرز والمسيحي الاول واذا جاء الحشد عكس التوقعات فان موقف العماد عون في الحوار سيكون ضعيفا، وهذا لا يعني انه سيتراجع عن مطالبه لكن سقف شروطه سينخفض، وكذلك فان التحرك العوني مسألة مهمة واساسية لدور التيار خلال الفترة المقبلة.
الرئيس نبيه بري يريد من طاولة الحوار فتح دورة استثنائية للمجلس النيابي وعودة التشريع وتفعيل الحكومة، فيما رئاسة الجمهورية لن تكون البند الاساسي وسيتم البحث فيها شكلياً، لانه من المستحيل «لبننة» الاستحقاق في هذه الظروف المعقدة العربية والاقليمية وتحديداً بين السعودية وايران.
كما ان الرئيس نبيه بري لن يعطي المسيحيين على الطاولة ما يطالب به العماد عون والدكتور جعجع لجهة اقرار قانوني الانتخاب واستعادة الجنسية، فيما القوى المسيحية، وبالتحديد عون وجعجع يرفضان ما يطالب به بري والحريري وجنبلاط بعودة التشريع ودعم الحكومة دون اقرار القانونين.
من هنا تبدو الامور مستعصية على الحل، وبالتالي لبنان يعيش ازمة نظام حقيقي لان طاولة الحوار عاجزة عن ايجاد الحلول. لكن عامل الضغط الحقيقي الذي استمر هو «الحراك الشعبي» الذي اقلق السياسيين، وربما دفعهم الى التنازل جراء نقمة الناس الحقيقية، فالتقط «الاستاذ» البارع في التقاط اللحظات الحرجة، وجعل من مأزق الطبقة السياسية جراء نقمة الشارع مدخلا للحوار برئاسته، لكن النتائج لن تأتي بشيء، الا اذا قام بري بتدوير الزوايا، عبر اخذ التشريع مقابل وضع قانون الانتخابات واستعادة الجنسية على جدول الاعمال، كونهما اولوية عند المسيحيين فيما اولوية بري التشريع والحكومة وارضاء المسيحيين بوضع القانونين على جدول الاعمال. وبالنسبة لآلية الحكومة سيتم ارضاء العماد ميشال عون، عبر مبادرة اللواء عباس ابراهيم والنائب وليد جنبلاط في تمديد الخدمة لضباط معينين او ترقيتهم الى رتبة لواء.
اما تيار المستقبل فموقفه معروف، لجهة دعم بري بالتشريع ودعم الحكومة. ويلاقيه في موقعه جنبلاط وحزب الله. وبالتالي فان تيار المستقبل وجنبلاط يدعمان بري في خطواته للتوازن بينه وبين العماد عون، اذا حصل عون على ما يرضيه في عمل آلية الحكومة.
وبالنسبة لحزب الله فهو مرتاح للحوار ويدعم بري في التشريع، وسيقف الى جانب عون في شأن آلية الحكومة، وموضوع صهره العميد شامل روكز. لكن حزب الله سيكمل سياسته في الداخل اللبناني كما حصل حاليا، والتأكيد على التحالف مع نظام الرئيس بشار الاسد.
فيما الرئيس نجيب ميقاتي سيطالب بالوحدة الوطنية وبالاسلام المعتدل والوقوف ضد الارهاب. اما بقية الاطراف فسيصرون على مواقفهم المعروفة.

 

الجمهورية :

فيما ترَكّز الاهتمام على التحضيرات الجارية لجولة الحوار الأولى المقررة الأربعاء المقبل، وحافَظ الحراك الشعبي في الشارع على زخمه، مع احتمال تحوّله كرةَ ثلج. بدأت الأنظار تتّجه الى واشنطن حيث سيكون الملف السوري أبرزَ بنود القمّة اليوم بين الرئيس الأميركي باراك اوباما والعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز. ويُرتقَب أن تركّز هذه القمة على أزمات الشرق الأوسط، بدءاً من الاتفاق النووي الإيراني، مروراً بالضمانات الأميركية، التي ترتكز في المجمل على مشاركة المعلومات الاستخبارية وتأمين الملاحة وتقوية منظومة الدفاع الصاروخية، وصولاً إلى منع وصول أيّ صواريخ إيرانية إلى «حزب الله»، أو إلى المتمرّدين الحوثيين في اليمن. كذلك ستناقش التطورات في اليمن وجهود قوات التحالف ضدّ الحوثيين وقوات الرئيس السابق علي عبدالله صالح. وتتضمّن أجندة القمة أيضاً مناقشة الجهود المشتركة لمحاربة تنظيم داعش في العراق وسوريا ودعم العملية السياسية. على وقع استمرار الحراك الشعبي والمطلبي في الشارع تابع موفدو رئيس مجلس النواب نبيه بري امس تسليم الدعوات للمدعوين الى طاولة الحوار، وشملت جولتهم أمس كلاً من نائب رئيس مجلس الوزراء السابق النائب السابق ميشال المر، رئيس تكتّل «التغيير والاصلاح» النائب ميشال عون، رئيس «اللقاء الديموقراطي» النائب وليد جنبلاط، الوزير ميشال فرعون ورئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع.
واعتبر النائب المر «أنّ مَن يعترض على الحوار اليوم إنّما يخرّب على لبنان ومسيرته مهما كانت الأسباب»، مشيراً إلى أن» لا النفايات ولا غيرها من الملفات قادرة على تعطيل الحوار». وأكّد أنّ مبادرة بري «خطوة أولى وجدّية للسير قدُماً في طريق الحلّ وتذليل العقبات التي نعاني منها، خصوصاً أنّ البند الاوّل من المبادرة هو رئاسة الجمهورية.
وانطلاقاً من هذه المحاولة الصادقة، ينبغي علينا العمل على إنجاح الحوار، ولا يجوز أن نخرج من القاعة إلّا عبر الاتفاق على رئيس للجمهورية». وأشار المر إلى أنّه تمنّى على النائب ياسين جابر الذي نَقل إليه الدعوة الى الحوار أن يشَدّد على «الجنرال» «ضرورة حضوره شخصياً نظراً لدقّة المرحلة وضرورة مشاركته الشخصية».
ومن جهته إعتبر جابر انّ وجود المر في الحوار «عاملٌ إيجابي من شأنه ان يساعد في الوصول الى نتائج ايجابية وإلى حلول وأفكار البلد في حاجة اليها».
بري والحوار وجدوله
وفي خضمّ التحضير لطاولة الحوار الوطني قال رئيس مجلس النواب نبيه بري أمام زواره امس انّه يتمنى حضور «القوات اللبنانية» الحوار ولكنّه في الوقت نفسه يتفهّم موقفَها في حال ارتأت عدم الحضور.
وشدّد على انّه سيلتزم ايّ شيء يتفق عليه المتحاورون، مشيراً الى انّ الاولوية هي لرئاسة الجمهوررية كما يشير جدول اعمال الحوار، ولكن هذه الجدول ليس قرآناً ولا إنجيلاً، وفي إمكان المتحاورين ان يبدأوا النقاش في ايّ بند فيه، كأن يبدأوا في مناقشة بند دعم الجيش، ولكنّ الاتفاق على بند رئاسة الجمهورية من شأنه ان يسهّل النقاش في بقية البنود والاتّفاق عليها».
واشنطن
في غضون ذلك جالَ السفير الاميركي ديفيد هيل امس على رئيس الحكومة تمام سلام وجنبلاط، وشدّد على وجوب حماية الاحتجاج السلمي اللاعنفي واحترامه، وقال: «المواطنون في كلّ مكان يتطلّعون الى الدولة لتحمي حقّهم في حرية التعبير والتجمع، وعلى المواطنين في كلّ مكان مسؤولية ممارسة حقّهم بطريقة سلمية ومسؤولة.
كما أنّ المساءلة متوقعة عندما ينتهك أيّ من الطرفين الحقوق والمسؤوليات». وأضاف: «في هذه الأوقات العصيبة، على الشعب في لبنان والقادة والمؤسسات أن يكونوا معاً، لا ممزّقي الأوصال».
وإذ أكّد ترحيبَ بلاده بأيّ جهود لإعادة تفعيل عمل مجلس الوزراء والحكومة، لفتَ إلى أنّ «هناك مسألة أعمق»، وقال: «كما أعاد أعضاء مجلس الأمن الدولي التأكيد أمس: الآن هو الوقت لمجلس النواب ليجتمع وينتخب رئيساً للجمهورية في أقرب وقت ممكن».
وأكّد «أنّ الولايات المتحدة ستستمر في دعم الجيش والأجهزة الأمنية كمؤسسات، مع أخذ هدف واحد لا غير في الاعتبار وهو تقوية قدرات الجيش ليكون الحامي الشرعي للشعب اللبناني وحدود لبنان، بما في ذلك حمايته من تهديدات المتطرفين».
فرنسا
وفي غمرة ما يجري، لوحِظ غياب تامّ للسفارة الفرنسية عن المشهد اللبناني وعدم قيام السفير الجديد ايمانويل بون أو القائم بأعمالها بأيّ تحرّك ديبلوماسي. ووفقَ معلومات «الجمهورية» فإنّ فرنسا غير مرتاحة الى الاحداث التي يشهدها لبنان، فهي مع اعترافها بحق التظاهر تتوجّس من كل التحركات الشعبية الحاصلة.
قطر
في غضون ذلك، علمت «الجمهورية» انّ السفير القطري علي المري الذي زار سلام امس عبّرَ عن انزعاج بلاده من الأنباء حول دور لبلاده في ما يحصل، مؤكّداً «تمسك قطر بسلامة لبنان واستقراره وأمنه».
وحمّل سلام السفيرَ القطري رسالة شفوية الى امير قطر الشيخ تميم بن حمد ال ثاني أكّد فيها «تمسك لبنان بالعلاقات المتينة التي تجمعه بدولة قطر الشقيقة وتقديره لوقوفها الدائم الى جانبه وللجهود التي تبذلها لمساعدته».