مواليد قرية الشوير – المتن في 4 حزيران 1897

 

توفي في 23 حزيران 1965 عن ثمانية وستين عامًا.

 

والدته ست الأخوة بو نخلة.

 

والده جبرائيل رستم.

 

تزوّج أسد رستم عام 1927 من وداد ابنة الشاعر توفيق سلوم رئيس مستشفى حماه وله منها خمسة أولاد. أربع بنات وصبي.

 

حائز على عدد وافر من الأوسمة وشهادات التقدير منها: وسام المعارف المصري، وسام الاستحقاق السوري، وسام الاستحقاق اللبناني، وسام الاستقلال العربي من الأمير عبد الله. كما أن البطريرك ألكسندروس الطحّان منحه لقب "مؤرخ الكرسي الأنطاكي" وقلّده وسام القديسين بطرس وبولس. كذلك في 27 تشرين الأول من العام 1964، منحت جمعية "أصدقاء الكتاب" أسد رستم جائزة رئيس الجمهورية.

 

كما مُنِحَ عند وفاته وسام الاستحقاق اللبناني المذهّب.

 

أمضى أسد رستم طفولته في بيئة جبلية تتمتع بمزايا طبيعية فريدة وفي عائلة مسيحية سبقت العصر بتبنّي نهج الحوار المسكوني.

 

تزامنت هذه الطفولة مع أفول نجم الاحتلال العثماني للبنان واندلاع الحرب العالمية الأولى ومع تفتح براعم النهضة العربية واليقظة العلمية، الثقافية والفكرية في المشرق العربي.

 

هذه العوامل الأربعة طبعت مرحلة الشباب في حياة أسد رستم فإذا به شابًا رصينًا، يتعاطى مع ظروف الحياة وتحولاتها بجدية وتوازن، يجمع بين الحيوية في الحركة والثبات في الموقف، بين التحرّر في التفكير والانضباط في التعبير،  منفتحًا على الحضارات يتقبّل تناقضاتها، متعلّقًا بطبيعة لبنان وخصوصيتها، مؤمنًا بغنى تراثه وأهمية موقعه على مساحة العالم العربي الجغرافية والتاريخية والاجتماعية والفكرية.

 

درس في المدرسة اليومية في الشوير قبل أن يلتحق سنة 1905 بالكلية الشرقية في زحلة ويعود في خريف السنة 1907 إلى مسقط رأسه ويلتحق بمدرسة الشوير العالية التي منحته عام 1911 شهادة المدرسة العالية برتبة الثاني في الصف.

 

أما تخصصه الجامعي فبدأه في الجامعة الأميركية في بيروت (الكلية السورية الإنجيلية) حيث اختار علم التاريخ أولاً ثم الرياضيات ثانيًا قبل أن يعود إلى التاريخ.

 

في القرن العشرين حققت كتابة التاريخ في لبنان والعالم العربي قفزتها النوعية على يد الدكتور أسد رستم وأخذت بُعدَها العلمي واحتلت موقعها اللائق على لائحة العلوم الدولية. هذا التحوّل الكبير ترسّخ بداية في فكر أسد رستم وهو لا يزال طالبًا جامعيًا، ثم أخذ بعده التطبيقي الجدّي مع احتكاك رستم بالواقع العلمي والأكاديمي الذي عايشته الأنتلجنسيا الأوروبية والأميركية في الربع الأول من القرن العشرين.

 

مع انتهاء الحرب العالمية الأولى، قرّرت إدارة الجامعة الأميركية إرسال رستم إلى الولايات المتحدة الأميركية لمتابعة دراسته العليا في جامعة شيكاغو.

 

في طريقه إلى أميركا، أمضى رستم شهرًا كاملاً في باريس، حيث تعرّف على المؤرخ الفرنسي الشهير سنيوبوس.

 

في باريس درس رستم فن الخط وكيفية كشف التزوير في المخطوطات أو الإمضاءات الشخصية.

 

كانت فرنسا محطّة محورية في علاقة أسد رستم بعلم التاريخ. فيها ولد رستم الباحث والمجدد ومؤسس المدرسة الحديثة للتأريخ في لبنان الذي أدخل المنهجية والأسلوب العلمي إلى البحث التاريخي وفق الشروط التي يعتمدها الغرب في زمنه.

 

من فرنسا انتقل رستم إلى الولايات المتحدة الأميركية حيث التحق بكلية جامعة شيكاغو الشرقية ودرس التاريخ الشرقي القديم واللغات السامية على أيدي كبار مؤرخي العصر أمثال بريستد ولوكنبل ومارتن شبرنغلينغ إضافة إلى تلقيه دروسًا في اللغتين اللاتينية واليونانية.

 

بعد خمسة عشر شهرًا أمضاها رستم في جامعة شيكاغو نال الدكتوراه في التاريخ القديم بأعلى رتبها.

 

عام 1923 عاد إلى لبنان والتحق بالهيئة التعليمية في كلية الآداب في جامعة بيروت الأميركية وقد أوكلته الإدارة إعطاء دروس في مادة "تاريخ العرب في العصور الحديثة" إلى جانب الميتودولوجيا بالإنكليزية. لمزيد من امتلاك المادة بدأ أسد رستم يتلقى شخصيًا دروسًا يومية في القرآن الكريم، يحفظ آياته، إيمانًا منه بأنّه الركن الرئيس في فهم تاريخ العرب وتفهّمه.

 

زاد تعمقه في القرآن الكريم وتاريخ الإسلام في فهم روحية الحضارة الإسلامية والتقرب من إخوته في المواطنية المسلمين اللبنانيين. وهو القائل "لو كنت حاكمًا بأمري لأوجبت درس القرآن وحفظه على كل طالب لبناني مسيحي ودرس الإنجيل وتفهم معانيه على كل طالب مسلم".

 

لم تمنعه مهنة التعليم من متابعة أبحاثه العلمية والتاريخية. فاختار النهضة العربية الحديثة موضوعًا تبحّر به، منكبًا على دراسة حقبة محمد علي باشا .

 

مع حلول صيف 1926 انطلق أسد رستم في سلسلة زيارات شملت سوريا وفلسطين إضافة إلى لبنان، باحثًا عن آثار عهد الحكومة المصرية في تلك الدول. أسفرت جولاته عن ولادة المجلد الأول من مجموعة "الأصول العربية لتاريخ سوريا في عهد محمد علي باشا".

 

عام 1929 نشر رستم المجلّد الأول من مجموعة "الأصول العربية لتاريخ سورية في عهد محمد علي باشا" ثم وفي أوقات لاحقة أبصرت المجلدات الثاني والثالث والرابع والخامس من المجوعة المذكورة النور.

 

كان رستم يهدف من خلال أبحاثه للوصول إلى الحقائق التاريخية وإعلانها للجمهور بأسلوب علمي، سهل وبليغ في آن واحد.

 

احتل رستم مكانة مرموقة وفريدة في تطوير كتابة التاريخ العصرية في الدول العربية استنادًا إلى الأساليب العلمية الحديثة المتبعة في الغرب.

 

تقول الدكتورة لميا رستم شحادة: "أما النقطة الأولى التي تحدث عنها والتي تبدو لنا الآن واضحة بعد انقضاء نصف قرن كانت في حينها نقطة افتراق بينه وبين المؤرخين المحليين السابقين، وهي أن الدراسة التاريخية يجب أن تستند على أكمل سلسلة ممكنة من المصادر الأولية، وهذه المصادر يجب أن تستعمل بمطلق الموضوعية والجدية."

 

"إن عمله الفردي يضاهي عمل المؤسسات أمثال الجمعية الجغرافية الملكية في مصر والجمعية التاريخية التركية" (كما يلاحظ الدكتور ألبرت حوراني).

 

عام 1930 وصل رستم إلى القاهرة، والتقى بالخديوي فؤاد الأول الذي منحه وسام المعارف المصري في 30 حزيران 1935 ووضع في تصرّفه عددًا من المترجمين من اللغة التركية إلى العربية، إضافة إلى عدد من الكتبة. وانطلق أسد رستم بجولة جديدة من الأبحاث أسفرت عن ظهور مجموعته الثانية وهي "المحفوظات الملكية المصرية" في خمسة مجلدات.

 

تعلّق الدكتورة لميا رستم شحادة على هذا النشاط قائلة: "لعل الدكتور رستم في هذه المؤلفات هو أول من حاول أن يجعل من الوثائق أساسًا لكتابة تاريخ لبنان وقد كاد التاريخ اللبناني قبل الدكتور رستم أن يكون سردًا تقليديًا ورواية من الخَلَف عن السَّلَف لا غير. وأتقن أسد رستم اللغة العربية فكان رائدًا في الأسلوب العلمي السلس السهل القراءة والفهم".

 

في لبنان، أسس أسد رستم غرفة المخطوطات في الجامعة الأميركية بعد أن أصبح خبيرًا محلفًا لدى المحاكم في شؤون المخطوطات والوثائق والخطوط يعتمد عليه في كشف التزوير في الخطوط والأختام والتواقيع.

 

عثر أسد رستم على "مخطوطة الأمير حيدر" محفوظة في قسميها في المكتبة الشرقية لجامعة القديس يوسف ومكتبة الجامعة الأميركية في بيروت. فتعاون مع الدكتور فؤاد افرام البستاني على دراستها ونشرها عام 1933 في ثلاثة مجلدات.

 

كانت هذه التجربة، أولى خطوات التعاون بين الجامعتين اللتين أنهتا بها سبعين سنة من المنافسة العلمية والثقافية. وفيها أيضًا باكورة دعم الحكومة اللبنانية لنشر الأصول العربية لتاريخ لبنان في العصور الحديثة.

 

تقديرًا لهذا العمل الرائد، نال أسد رستم وسام الاستحقاق اللبناني من الدرجة الثانية في 18 حزيران 1934.

 

أكمل رستم تعاونه مع البستاني، فتمكنا من إخراج ونشر وثيقة ثانية من تاريخ لبنان هي "تاريخ الأمير فخر الدين الثاني" للشيخ أحمد بن محمد الخالدي الصفدي وذلك في سنة 1936.

 

فما كان من وزير التربية حبيب أبو شهلا إلا الطلب منهما وضع تاريخ موجز عن لبنان يمكن اعتماده في المدارس الرسمية الابتدائية. فأنجز رستم والبستاني العمل خلال سنة واحدة وصدر "تاريخ لبنان الموجز" سنة 1937 مؤلفًا من ثمانية وعشرين فصلاً.

 

عام 1939 نشر رستم كتابه "مصطلح التاريخ" هو الأول من نوعه في المكتبة العربية على الإطلاق، وهو بحث في نقد الأصول وتحرّي الحقائق التاريخية وإيضاحها وعرضها وفي ما يقابل ذلك في علم الحديث.

 

عن أهمية هذه المحطة في مسيرة التاريخ العربي يقول الدكتور الياس قطّار:

"مع النهضة الأدبية في المشرق العربي، بدأ الاتصال بالغرب والتعرّف إلى إنتاجه على صعيد المؤلفات التاريخية بما تطرحه من مضمون جديد واسع وما تعتمده من منهجية. وانتقل قسم من أهل المشرق إلى الجامعات الغربية للدراسة، مقتبسين علومها ومنهجيتها. وكان من بين هؤلاء أسد رستم، الذي أثاره تخلّف الكتابات التاريخية الشرقية مضمونًا ومنهجًا. فبدأ يدرّس طلابه في الجامعة الأميركية في بيروت في كتاب لانغلوا وسنيوبوس . ووجد رستم، في أثناء التدريس، أن ذلك لا يفي بالغرض. فسعى إلى ردم الهوّة عبر وضع مؤلّف في اللغة العربية يعلّم المنهجية، فكان كتابه "مصطلح التاريخ" (1939) الذي يأخذ في شكل واضح عن كتاب لانغلوا وسنيوبوس.

 

"ولكي تكتمل الصورة المنهجية، عمل رستم على إزواج النظرية بالتطبيق. فقدّم إلى جانب النظرية أمثلة تطبيقية من واقع تجربته التأريخية الشخصية. كما أقدم على محاولة ربط هذا العلم، الميتودولوجيا، بعلم الحديث عند المسلمين مقتبسًا منه العديد من مصطلحاته وبعض وسائل نقده الرواية والراوي.

 

"بعد نصف قرن على صدور طلائع كتب المنهجية في الغرب، كان كتاب أسد رستم يشق طريقه إلى النور..

 

"جاءت كتاباته علمية منهجية رائدة سواء في كتب الوثائق الشامية أو المصرية التي نشرها أم في المخطوطات التي حقّقها أم في الكتب التي ألّفها. وهذا الربط بين النهج الذي كتب عنه في "مصطلح التاريخ"، ومؤلفاته ونشره الوثائق نشرًا علميًا أثار إعجاب المؤرّخ البريطاني تمبرلي في كتابه "إنكلترا والشرق الأدنى" وألبرت حوراني الذي قال إن لأسد رستم مكانة فريدة في تطوير كتابة التاريخ العصرية في الدول العربية، وله منهجية أقرب إلى منهجية عصر حوراني منها إلى عصر رستم. لقد كان إصدار "مصطلح التاريخ" ثورة بيضاء وحدًا فاصلاً في اللغة العربية لصناعة التاريخ ولكل منهجية في العلوم الإنسانية تتمنى أن ترتقي مصاف البحث العلمي الصارم والدقيق.

 

"والحق أن أسباب رستم لإصدار هذا الكتاب كانت عدّة أبرزها:

 

رغبة الكاتب في تلافي الفراغ القائم في اللغة العربية في علم الميتودولوجيا.

 

التخلّف الحاصل في الدراسات التاريخية.

 

النهضة التي تجمع التراث إلى الانفتاح على التطور في الحضارات الأخرى.

 

تجاوز الافتخار الباطل بأمجاد السلف والتوقف عندها.

 

تحرير التأريخ من الميل الأدبي القصصي الاخباري الروائي المسطّح..

 

ضعف المؤرخين العرب في ميادين النقد الداخلي السلبي الذي يكشف مآرب المؤلفين وأهواءهم وميولهم والتزامهم السياسي والديني والمذهبي والمناطقي والعشائري وغيره.

 

"في مصطلح التاريخ"، كما في مجمل كتبه، يطل أسد رستم علينا وقد امتلأ بنعمة العلم والمنطق والمنهج، ممهدًا الطريق أمام الباحثين في طريقه المعالجة وفي اللغة التي اختارها لعرض معلوماته: لغة بعيدة كل البعد عن التورية والتصنّع والتقيّة، لغة دقيقة، واضحة، متسلسلة، هادفة، بليغة من دون ثرثرة وإطناب وهلوسة ورمزية. عن هذه اللغة يكتب جبرائيل جبّور: "إن أسد رستم مؤرخ قبل أن يكون أديبًا. إنه في منهجه وفي بحوثه التاريخية وفي تدريسه أبعد ما يكون عن الفن والصناعة والأسلوب الأدبي الفني. كان يحول بين الطلبة وبين الجنوح إلى الفن الأدبي في الكتابة التاريخية، ويكره الصناعة الإنشائية والتزويق والاستعانة بالخيال وأساليب البيان العربي المألوفة في العشرينات من هذا القرن".

 

عن كتاب"مصطلح التاريخ" وهو الأول من نوعه في آداب اللغة العربية، تقول الدكتور لميا رستم شحاده: "جاء كتابه هذا سبقًا في محاولته ربط هذا العلم الجديد بالعلوم العربية القديمة وخاصة بما كان لرجال الحديث من ابتكار في نقد الأحاديث. فما تطرق المؤلف إلى مرحلة من بحث تاريخي أو ناحية من نواحيه إلا وقارنها بما قام به علماء الأحاديث مستعينًا بمصطلحاتهم وأساليبهم في التحقيق والتعبير منوهًا دائمًا بفضلهم وسبقهم وهذا أمر قلّ ما انتبه المؤرخون الأجانب أو ورثة هذا العلم. ولم يكتف رستم بكتابة المصطلح والتزامه هذا الأسلوب فيما كتب وألّف بل غرس هذا الأسلوب العلمي في نفوس تعاليمه".

 

منذ الثلاثينيات وشهرة أسد رستم تتخطى الحدود اللبنانية وتفرض حضورها في مختلف أنحاء العالم العربي. وإذا به يتحول إلى محجّة يستشار بعلمه وخبرته ومعرفته لإيجاد حلول لمختلف المسائل ذات البعد التاريخي والتي كانت تطرح في تلك المرحلة الدقيقة التي بدأ يدخلها الشرق الأوسط.

 

في الثلاثينيات طلب منه إبداء الرأي في قضية البراق الشريف. كما اعتمدت على معرفته الحكومة السورية لتدافع عن حقوقها التاريخية في مقاطعة الإسكندرون وقد رفعت وثيقة بتوقيعه إلى عصبة الأمم في جنيف ومنحته وسام الاستحقاق السوري في 20 حزيران 1937 كما منحه الأمير عبد الله وسام الاستحقاق العربي في تلك الفترة نفسها.

 

في الثلاثينيات من القرن العشرين تعَيّن أسد رستم عضوًا في لجنة المتحف الوطني (*).

 

بعيد الحرب العالمية الثانية أرسلت الولايات المتحدة الأميركية المستر ودزورث ليمثلها تمثيلاً ديبلوماسيًا في لبنان. وهو صديق قديم لأسد رستم سبق له ودرّس في الجامعة الأميركية في مرحلة الحرب العالمية الأولى. عاون رستم المستر ودز ورث كمستشار وذلك بين العامين 1943 و1947 بعد ان قدّم استقالته من منصبه كرئيس لدائرة التاريخ في الجامعة الأميركية، واعتمدته بذلك وزارة الخارجية مستشارًا شرقيًا لمعتمدية الولايات المتحدة الأميركية في بيروت حتى العام 1951.

 

بقي رستم في مهمته حتى العام 1951 عندما قدّم استقالته بعدما استبدل المستر ودزورث بآخر. حينها استدعته قيادة الجيش اللبناني لتعيّنه مستشارًا بعد ان ساعد منذ الأربعينيات في تجهيز المتحف العسكري.

 

كتب رستم تاريخًا للجيش اللبناني لا يزال مخطوطًا ووضع معجمًا للألفاظ العسكرية. هو أول المدرسين في الجامعة اللبنانية ومن رواد معلمي العلوم السياسية والتاريخ في الأكاديمية اللبنانية. له الفضل في تأسيس إذاعة الجندي كما أنه ساهم مساهمة كبيرة في تحرير مجلة الجندي اللبناني".

 

يقول منير اسماعيل:

 

"اتسم خط أسد رستم، المؤرّخ الملتزم، بخصائص يمكن إيجازها في ما يأتي:

 

حافظ رستم في مؤلفاته على مستوى أكاديمي يوازي في قيمته ما يصطلح المنهجيون المعاصرون على الإشارة إليه بكلمة ouvrage، نائيًا بها عن مستوى الكرّاسات والأبحاث المبعثرة التي تُجمع من هنا وهناك. هكذا ظلّ رستم في المستوى اللائق، فكان المؤرّخ "المحترف"، إذا صحّ التعبير، لا عابر سبيل، وذلك بعيدًا عن التباهي والادّعاء.

 

كان أسد رستم غنيّ الإنتاج بالمفهوم الأكاديمي، رغم أنّه لم يكن يؤلّف في كل موضوع. ولكنّه وضع لنفسه منهجًا التزم به في جميع مؤلفاته، وذلك من دون الخروج عن قناعاته في ما يقول ويكتب وبما يُسر ويعلن.

 

"إذا ضاعت الأصول ضاع التاريخ معها" شعار أطلقه أسد رستم وعُرف به. فكان له السبق والريادة في إرساء منهج البحث التأريخي الذي نهل منه جيل من الباحثين في لبنان والبلاد العربية. وقد علّل رستم ذلك بقوله "هذه قاعدة عامة لا موضع للجدال فيها، وذلك أن التاريخ لا يقوم إلا على الآثار التي خلّفتها عقول الآخرين". فكان أوّل من حاول الاعتماد على الأصول في كتابة أي مرحلة تاريخية".

 

في أواسط الخمسينيات عاد رستم ليكرّس وقته لكتابة التاريخ باحثًا في تاريخ الشرق القديم متعمّقًا بتاريخ الروم فنشر كتاب "الروم في سياستهم وحضارتهم ودينهم وثقافتهم واختلاطهم بالعرب" في جزءين في سنة 1955.

 

عام 1956 أصيب أسد رستم بأول ذبحة قلبية فلازم الفراش. حادثة كان لها أثر كبير في توجيه فكره. وإذا به ينطلق في وضع مجموعة مؤلفات عربية تتناول الكنيسة الشرقية للروم الأرثوذكس. فأنجز عام 1958 "تاريخ كنيسة مدينة أنطاكيا العظمى" في ثلاثة أجزاء وقلّده ألكسندروس بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق وسام القديسين بطرس وبولس في دمشق ومنحه لقب مؤرخ الكرسي الأنطاكي.

 

يمكن اعتبار كتاب "كنيسة مدينة الله انطاكيا العظمى" من أكمل ما كتب عن هذا الموضوع من جهة الاتساع والترتيب والشمولية والموضوعية. إشارة إلى أنّ رستم عاش الكثير من الأحداث التي أرّخ لها مختبرًا الشخصيات الكنسية التي تكلّم عليها. كما أنّه تلمّس الصراع المحموم بين المرسلين الكاثوليك والبروتستانت على أرض لبنان، والهزّات العنيفة الداخلية التي عصفت بالكنيسة الأنطاكية الأرثوذكسية في القرن العشرين.

 

كذلك كتب لمجلّة "المسرّة" و"النور" ووضع ثلاثة كتب الأول بعنوان "وبكنيسة واحدة جامعة مقدّسة رسولية" (مجموعة مقالات عن الكنيسة) والثاني "نحن ورومة  والفاتيكان" والثالث "آباء الكنيسة" تعتبر كلها من أبرز الأطروحات في الحوار المسكوني والدعوة إلى الوحدة الكنسية والتلاقي بين مختلف الكنائس محليًا وعالميًا بعيدًا عن المساومة على الإيمان وأسس العقيدة.

 

عام 1963 كان الدكتور رستم أحد الأعضاء البارزين في لجنة كتب اللاهوت الدراسية التابعة للكنائس في الشرق الأدنى.

 

في 27 تشرين الأول 1964 منحت جمعية أصدقاء الكتاب أسد رستم جائزة فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية لعام 1964 عن مجموعة آثاره.

 

مات أسد رستم في 23 حزيران 1965 إثر انفجار في الدماغ، مخلفًا وراءه مخطوطة لمعجم ألفاظ العهد الجديد من اليونانية إلى العربية. اعتبره دون ماكنيل في جريدة الحياة عام 1965 "باكورة العمل المسكوني والوحدة العملية في الشرق. فهو مساهمة عظيمة من أسد رستم في سبيل وحدة الكنيسة".

 

في المرحلة الأخيرة من حياته سعى إلى وضع معجم من اليونانية إلى العربية بالتنسيق مع لجنة من المتخصصين تمثّل مختلف الكنائس المسيحية مدعومة من صندوق تعليم اللاهوت ومجلس الكنائس العالمي. لم ينه رستم مهمته هذه بسبب وفاته المبكرة، فقد تبقّى أربعة أحرف لإتمامه.

 

( Focusonlebanon.com)