من تسنّى له أن يشاهد "كلام الناس" مساء الجمعة الماضي (في حلقة خاصة)، الأرجح أن يكون قد أصيب بالإحباط وإلاّ فبالأسف وإلاّ فبالغضب وإلاّ فبالتحسّر، أو بكل هذه المشاعر في آن واحد. فالمساحة التي خصّصها الإعلامي مرسيل غانم لقانون السير الجديد ضاقت بها أزمة التشريع في تطبيقه المأزوم... رأينا في وجه المُضيف علامة تعجّب كبيرة وغضب لم تَحُل دونهما حسن نية الضيوف وإرادتهم الطيبة وإلمامهم الدقيق بالموضوع. طبعا، لا يمكن تحميل هؤلاء مسؤولية غياب الأجوبة عن آليات التطبيق ولا الإرباك في مواقع السلطة كلّما اقترب استحقاق أو وَجُب احترام مهلة. هذه الأسئلة توجّه إلى من يردف فورا: "لا صوت يعلو صوت المعركة". ولا جواب. وأمّا الناس، فبين المطرقة والسندان، يسدّدون، مرّة أخرى، فاتورة الارتجال وانعدام التخطيط والعجز عن تقديم مقاربة شاملة في مسألة من المفترض أن تكون عابرة للطوائف والمناطق والاصطفافات. فضحايا حوادث المرور (كما ضحايا "حوادث" الدستور) يشكلون وحدة وطنية نموذجية، قلّ نظيرها! ولا جواب...

وكما في المرور، كذلك في الدستور! كلام الناس في "الكتاب" إحباط وأسف وغضب وتحسّر أيضا... ولا جواب... قانون السير المروري معلّق التطبيق على رغم نفاذه، وقانون السير الدستوري كذلك. قانون السير يُستأخر تطبيقه بقرار من مجلس الوزراء، وكذلك الانتخاب يُستأخر بقانون من مجلس النواب تمديدا. في التعدّي الأول، تطعن جمعيات السلامة المرورية، فيستجيب مجلس شورى الدولة إبطالا. أما في التعدّي المتمادي الثاني، فيردّ المجلس الدستوري الطعن، إذعانا... للظروف الاستثنائية!
أوجه الشبه كثيرة بين الدستور وقانون السير: في كليهما ضوء أحمر يُخرق، وفي كليهما من يسير عكس السير. في كليهما إرباك عند السلطة المولجة بالتطبيق، وفي كليهما ضحايا... في كليهما، إقرأ تفرح، جرّب تحزن، وفي كليهما حال انتظار فيما عقارب الساعة تدور بلا هوادة...
أوليس تعطيل انتخاب رئيس للجمهورية، بعد ثلاثمئة يوم من الفراغ الدستوري، خرقا للضوء الأحمر، فيما نحن على تقاطعات خطيرة في المنطقة؟ أحمرٌ ميثاقي وأحمر وطني وأحمرُ المؤسسات... أحمر على وزن أفعل... ولا فعل ولا من يفعلون!
أوليس تمديد المجلس لولايته ذاتيا، معاكسا لحسن سير الديموقراطية وأبسط تعابيرها؟ ولماذا تُحسن تونس تجربتها فيما إبن عمّها الفينيقي يسير إلى الوراء، وبعكس السير تماما؟
أوليس مثلّث المجالس (النيابي والحكومي والدستوري) في حال إرباك حيال مجرّد تطبيق نصّ الكتاب؟ غريب كيف تصيبنا المفاجأة في 25/5/2014 بأن ثمة استحقاقا مرّ وولاية انقضت، فنقف مذهولين أمام وقع الصدمة! غريب كيف تفاجئنا مهل معلومة واستحقاقات محتومة وأمور محسومة...
أما الضحايا، فقوافل من شهداء الإرباك السياسي وخروقات الضوء الأحمر والسير بعكس ما يُفترض وغياب محضر الضبط: ضبط النفس وضبط عقارب الساعة السياسية وضبط المخالفات الدستورية وضبط الأفعال الجرمية بحق الكتاب وبحق قارئيه وبحق الناس، كل الناس...
عام 1999، كتب الدكتور سمير مقدسي في قضايا النهار (أو إليها)، معنونا: "الخيارية في الجمهورية اللبنانية". في قاموس اللغة، ليس ثمة "خيارية"، إنما في قاموس الكاتب، فإن خيار التوقف أو عدم التوقف عند الضوء الأحمر، إنما ينم عن خيارات أكبر تصل، ربما، إلى حدود الخيارات الوطنية الكبرى. أعود إلى هذه المقالة بعد أكثر من 15 سنة على حِبرها لأنها تؤشّر الى حال مزمنة ومستمرة، عصيّة على الإصلاح والانتظام. هي تبيّن أيضا تلك الصلة الوثيقة بين عكس السير في مسارات المرور والمخالفات الأخرى في مسارات الدستور... هي فعلا مسألة "خيارية"... هنا وهناك، خيارات برسمنا في الأيام الآتية، فالحق ليس على الطليان، و"إذا كان واقعنا مزرياً، فالحق ليس على النجوم" (شكسبير)... وفي الانتظار، سنستمر نرى نجوم الظهر على مدار النهار وكذلك كوابيس القبور التي أسكنتنا فيها طبقة سياسية لا يُحسن معظمها إلا لحن الموت!

 

الوزير السابق: زياد بارود