تجتاح السوق اللبنانية موجة "مستحضرات عشبية"، "علاجات طبيعية" أو "متممات غذائية"، ومهما تعدّدت الأسماء فالنتيجة واحدة. وهي مواد مخالفة للقانون يُروّج لها على أنها تحمل صفة علاجية، ويترافق توزيعها على كامل الأراضي اللبنانية، مع إعلانات تلفزيونية لا سقف لها، ولوحات على الطرق لا تُعد ولا تُحصى.
المستحضرات العشبية "ذات الصفة العلاجية" كما يحلو لتجّارها وصفها، تتغلغل في الأسواق وتفتك بصحة المواطنين أمام أعين الوزارات المعنية بضبطها أو تنظيمها (كأضعف الإيمان)، فلا سلطة لأحد على تجار الأعشاب، الذين يضعون أنفسهم في مرتبة الأطباء.
"فالقانون لم يطبّق يوماً على تجار الأعشاب ومصنّعيها"، بحسب النقيب الأسبق للأطباء جورج أفتيموس، الذي فتح ملف الطب البديل عام 2008 على مصراعيه من دون التوصل الى أي نتيجة، معتبراً أن تجار الأعشاب هم فوق القانون بأموالهم التي يغدقونها على مؤسسات إعلامية تتسابق للإعلان عن منتجات عشبية. أفتيموس الذي أعرب عن يأسه من معالجة موضوع ما يسمى بـ"طب الأعشاب"، رأى في حديثه لـ "المدن" أن غياب قوانين فاعلة تضبط سوق الأعشاب يدعم وجودها ورواجها على حساب صحة المستهلك وسلامته، مؤكداً وجود تهاون في ضبط التجار وممارساتهم.


أما ما يتردّد في كواليس نقابة الأطباء عن عدم توفّر القدرة على وقف المخالفين من تجار الأعشاب، لاسيما "الكبار"، فيطرح تساؤلات حول جرأة وزارة الصحة العامة على فتح ملف طب الأعشاب، وتغريم المخالفين فيه أو ختم محالهم ومصانعهم بالشمع الأحمر، على غرار ما يحصل في الملف الغذائي اليوم.
ولربما لم يتردد على مسامع وزير الصحة العامة وائل ابو فاعور أنّ غالبية المستحضرات العشبية الموجودة اليوم في الأسواق، ويتم تسويقها على أنها دواء، تحتوي على مواد مغشوشة ومعادن سامة وكيماويات ولا تتطابق توصيفاتها الخارجية مع ما تحتويه.
غياب قوانين ضابطة للإتجار بالأعشاب لا يبرّر تفلّتها وتغييبها عن برامج عمل السلطات المعنية، لاسيما وزارة الصحة العامة التي اقتصر تدخّلها بإصدار قرار حمل الرقم 388/1 بتاريخ 20 أيار من العام 2008، ومنع بموجبه إجراء إعلانات في المؤسسات الإعلامية المرئية والمسموعة والمكتوبة إلا بعد أخذ موافقة دائرة التثقيف والإرشاد الصحي في وزارة الصحة، على أن يراقب الأمن العام الإعلانات ليسمح ببثها، وعلى الرغم من ان القانون 382/94 ينص على معاقبة المؤسسات الإعلامية التي لا تلتزم بالقانون، بالإقفال، نشهد اليوم طفرة لا حدود لها من الإعلانات التلفزيونية لهذه المنتوجات، حتى أن بعضها يعرض مادة "أشبه بفيلم قصير"، لتسويق منتجات عشبية غير خاضعة للرقابة.


ولا تقتصر المخالفات على إعلانات المنتجات العشبية بل يذهب منتجوها الى أبعد من ذلك، فيعرض بعضهم برامج تلفزيونية وإذاعية للترويج لمنتجات علاجية ويقوم بعض الآخر ﺑﺘﺸﺨﻴﺺ اﻟﻤﺮض ووﺻﻒ دواء اﻷﻋﺸﺎب من دون رؤﻳﺔ أو ﻣﻌﺮﻓﺔ أو ﻓﺤﺺ أو ﺣﺘﻰ ﺳﻤﺎع اﻟﻤﺮﻳﺾ، ﺑﻞ بمجرد ﺳﻤﺎع ﺑﻌﺾ الأعراض ﻳﺸﺨﺼﻮن اﻟﻤﺮض وﻳﺼﻔﻮن اﻟﺪواء. هذا الواقع دفع بأفتيموس الى التوضيح أن "خضوع المستحضرات العشبية للمختبرات واتخاذها صفة علاجية لا يبيحان لها الحملات الإعلانية، إذ أن قانون مزاولة مهنة الصيدلة في لبنان يحظر الإعلام والإعلان التجاري عن الأعشاب الطبية وغيرها من المستحضرات التي لها صفة علاجية".


طفرة إعلانات طب الأعشاب أربكت جمعية حماية المستهلك التي استغرب رئيسها زهير برو في حديثه الى "المدن" رواج تجارة الأعشاب من جديد وعودة دخولها الى السوق الإعلاني من بابه الواسع، أمام أعين الوزارات المعنية، لاسيما أن لبنان يعيش اليوم مرحلة مكافحة الفساد.
وفي السياق نفسه، لا يغيب خبر ضبط وزارة الصحة منذ يومين مستحضرات مخالفة لدى مصنع شركة لافاندر ش.م.م LAVENDER SARL وسحبها من الأسواق اللبنانية، إضافة الى منتجات تحمل إسم "زين"، لأنها بحسب بيان الوزارة "غير مضمونة الجودة". غير أن إجراء الوزارة كان "خجولاً" ولم يتم توضيح ما إذا كانت منتجات "زين" أوقفت عن سابق إصرار نتيجة لفحوص مخبرية أو محض صدفة، وهنا يسأل وزير الصحة: هل الـ 1100 صنف من المستحضرات العشبية المنتشرة في السوق اللبنانية "مضمونة الجودة؟