ورث عام 2014 من العام والاعوام التي سبقته أغلب عوامل تصدعه.

منذ بداية العام، بدا واضحاً ان عامل الوقت وحده يحدد النهاية الأخيرة والمتوقعة لموعد الاحتراق والانهيار العراقي. كان الانفجار مآلا اكثر احتمالاً لسلسلة السياسات المتشددة التي انتهجها رئيس الوزراء السابق نوري المالكي حيال خصومه ومنافسيه من السنة والكرد والشيعة.
وتحت ضغط الانتخابات النيابية العامة التي ستجري لاحقاً في نهاية نيسان المقبل، ازدادت رغبة المالكي في توجيه ضربة قاضية لخصومه في المحافظات السنيّة الذين نجحوا في ادارة احتجاجات شعبية أحرجت حكومته كثيراً. ضربة كان يعتقد انها سترفع حظوظه الانتخابية الى اقصى درجة في عيون ناخبيه الشيعة.
كان اعتقاده في محله، وأظهرت انتخابات نيسان اللاحقة تفوقاً ساحقاً للمالكي على منافسيه بحصوله على أكثر من 700 ألف صوت بشكل شخصي، و94 مقعداً لقائمة "دولة القانون" التي يتزعمها.
ويرى كثيرون انه وبقدر اهتمام المالكي بمصالحه السياسية والتوجهات الشعبية لناخبيه، أهمل مصالح بقية الاطراف، الأمر الذي دفع البلاد الى حافة الانهيار الذي تكلل بسقوط الأنبار في بداية عام 2014 ووقوعها في قبضة الجماعات المتشددة، وذلك بعد نحو 3 أيام من إعتقال النائب أحمد العلواني ومقتل شقيقه في الأنبار في 28 كانون الاول عام 2013.

ترقب وقلق

 

بدأ عام 2014 بأزمة خانقة خلفتها تداعيات ازاحة خيم المعتصمين في الانبار ومقتل النائب العلواني، وعلى امتداد الاشهر الواقعة بين مطلع العام وسقوط مدينة الموصل في قبضة ما يسمى بتنظيم الدولة الاسلامية "داعش" عاشت البلاد لحظات ترقب وقلق عصيبة بانتظار ما تسفر عنه انتخابات نيسان.
في الثاني من كانون الثاني 2014، سقطت مدينة الفلوجة بيد تنظيم "داعش" وبدا واضحاً ان الامور في المحافظات السنية تسير الى مزيد من التعقيد والتدهور، وكان يعلن، في كل يوم تقريبا، عن تأسيس جماعة لمحاربة حكومة المالكي ومناهضة سياساته "التعسفية" في حق سنّة العراق.
في غضون ذلك، تأسس "المجلس العسكري" بزعامة شيوخ قبائل، وتوالت الفتاوى التحريضية لرجال الدين السنّة البارزين أمثال رافع العيساوي وعبد الملك السعدي ضد حكومة المالكي، وتطورت المطالب السنيّة من المطالبة بالحقوق والغاء المادة 4 من قانون الارهاب ورفع التهميش عن المكوّن السني، الى المطالبة صراحة باسقاط حكم المالكي.
في شتاء 2014، وصل التذمّر وعدم الرضا عن أداء حكومة المالكي أقصى مستوياته، حين بدأ ممثلو المرجع الديني الأعلى أية الله علي السيستاني في كربلاء والنجف حث الناس على "التغيير" وكان يفهم منه على نطاق واسع "تغيير المالكي". غير ان جمهور المالكي الذي خرج بأعداد غفيرة في انتخابات 30 نيسان،"تجاهل" تلميحات المرجعية وصوّت لصالح المالكي وقائمته بكثافه، دفعته للتمسك بحق الحصول على ولاية ثالثة لرئاسة الوزراء، بذريعة القائمة الفائزة بأكبر عدد من الأصوات.
أصيب خصوم المالكي، السُنّة والأكراد والشيعة، بالصدمة من النتيجة التي أحرزها في انتخابات نيسان، وكانوا عاقدين العزم على ازاحته من سدة الحكم، وتذرعوا بنفس الحجة التي اعتمدها المالكي في انتخابات 2010، حين كسب قراراً من المحكمة الاتحادية القاضي بأن الكتلة الاكبر هي المؤلفة داخل مجلس النواب وليس خارجه. وظل المالكي لأسابيع مصراً على أحقيته بتأليف الحكومة باعتبار فوز كتلته بأعلى عدد من المقاعد في الانتخابات.
رياح الرغبة بالتغيير المحلية والاقليمية والدولية، جاءت بعكس اتجاه أشرعة المالكي، اذ بدا واضحاً ان مرجعية النجف والشركاء المحليين مدعومين برغبة اميركية – ايرانية – خليجية غير راغبين بولاية ثالثة له.
وفي ضوء ذلك، التقط رفاقه في حزب "الدعوة الاسلامية" ببراعة لافتة اشارات الرغبة بالتغيير من اتجاهات مختلفة، وكان أمامهم خياران لا ثالث لهما: إما الوقوف مع المالكي وذلك يعني خسارة السلطة، او الالتفاف على طموحاته واستبداله بأحد الأعضاء ضماناً لبقاء رئاسة الوزراء لحزب "الدعوة".
وكانت الطريقة ان يجتمع 9 من قيادات الحزب في لندن ليقرروا دعم مطلب مرجعية النجف بتغيير المالكي، عبر رسالة كانت قد بعثت بها المرجعية الى "حزب الدعوة" في شهر ايار تطلب من الحزب استبدال المالكي بشخصية في الحزب ذاته، وكان رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي أحد الاعضاء الحاضرين في اجتماع لندن.

تعزيز الانتصارات
وفي غضون ذلك، استمر تنظيم"داعش" بتعزيز انتصاراته التي حققها على حساب القوات الحكومية، وفي 10 حزيران بلغ التنظيم المتطرف ذروة انتصاراته عندما سيطر بالكامل على مدينة الموصل مركز محافظة نينوى ثاني أكبر محافظة في العراق. وعمد الى قتل وتهجرير الاف المسيحيين والايزيدين والتركمان بعد تمدده في مناطق سكنهم، في ربيعة وتلعفر وسنجار. وأحكم سيطرته على محافظة صلاح الدين، وكاد أن يسيطر على مدينة سامراء حيث مرقد الامامين العسكريين لو لا تدخل مليشيا "سرايا السلام" بزعامة السيد مقتدى الصدر.
أثار تمدد "داعش" مخاوف عموم العراقيين والشيعة منهم بطريقة استثنائية، دفعت مرجعية النجف الى اصدار فتوى"الجهاد الكفائي" لمقاومة "داعش" في 14 حزيران. وفي 29 حزيران، نصب زعيم الدولة الاسلامية "داعش" ابو بكر البغدادي نفسه "خليفة" للمسلمين في أحد مساجد الموصل.
ووقت استجاب آلاف الشيعة لفتوى المرجعية حيث تأسست لجان وهيئات لادارة قوات "الحشد الشعبي"، بقيت الخلافات على تأليف الحكومة ومنصب رئاسة الوزراء قائمة. ثم جرت الامور بطريقة معقدة لاتخلو من المصاعب، لكنها ضمنت لحزب"الدعوة" استبدال احد اعضائه لشغل منصب رئاسة الوزراء خلفاً للمالكي.
وفي 7 ايلول، تألفت الحكومة برضا ومشاركة أغلب أطراف العملية السياسية. أزيح المالكي وحلّ مكانه رفيقه في الحزب حيدر العبادي بدعم محلي واقليمي غير مسبوق، اذ رحبت المملكة العربية السعودية باختيار العبادي، وكذلك فعلت تركيا وقطر وهي الدول التي دخلت في صراعات طويلة مع المالكي.
الدعم الدولي لحكومة العبادي عُبّر عنه على شكل تحالف دولي بدعم العراق ضد تنظيم الدولة الاسلامية "داعش"، وفي أيلول بدأ التحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة بشن هجمات جوية على التنظيم أوقفت تقدمه، وتمكنت قوات البشمركة الكردية من استعادة بعض المناطق في الموصل من سيطرة "داعش" منتصف شهر كانون الأول الجاري.
وبالاضافة الى كل التحديات الامنية والسياسية العصيبة التي اختبرها العراق في عام 2014، أتى الهبوط المفاجىء في أسعار النفط العالمية ليضيف مزيداً من المصاعب على البلاد، ما تسبب بعجز كبير في موازنة البلاد العامة اضطرت معها الحكومة لانتهاج سياسة تقشفية.
وتتطلع البلاد الى اقرار موازنتها لعام 2015، بعدما عجزت عن اقرارها في عام 2014، العام الذي مثل اسوأ اعوام العراق"السيئة" بعد عام 2003 .

بغداد – فاضل النشمي