تبرز بين الفينة والأخرى محاولات تعتمد مبدأ «النسبية»، تهدف الى التخفيف من خطر مجموعات مثل «داعش» و «القاعدة» و «النصرة» و «طالبان» وسواها من تنظيمات التطرف والقتل الاعمى وتحوير الدين والفتاوى غب الطلب، وجعلها مقبولة لدى الرأي العام او بعضه، كأن يقال ان هذا التنظيم «أكثر اعتدالاً» من ذاك، او «أكثر مرونة» منه، وأن هناك «عناصر معتدلة» داخل قيادة هذه العصابة الاجرامية او تلك، يمكن تمييزها والحوار معها.

 

 

فبعد خطف واحتجاز وقطع رؤوس بعض الصحافيين الذي حاولوا تغطية النزاع في العراق وسورية، ها هو صحافي الماني «ينجح» في تمضية عشرة أيام في أحضان «داعش» ووسط مقاتليه، ويتجول بحرية في مناطق سيطرته، بعد «أمر مهمة» وقعه «الخليفة» البغدادي بنفسه، ليبشرنا بعد خروجه بأن قدرات التنظيم تفوق توقعاتنا وأن لديه «سحراً غامضاً» يجذب اليه آلاف المقاتلين، الكثير منهم خريجون جامعيون، وان الآتي اعظم.

 

 

ولعله عن قصد او من غير قصد، يريدنا ان نخاف «الدولة الاسلامية» اكثر، وان نقبل بها امراً واقعاً لا يمكن تغييره، وان نعيد النظر في موقفنا من مجرمي «داعش» فنحاول تبرير جرائمهم لأنها ليست قاعدة دائمة، والدليل انه دخل وخرج سالماً. لكنه في الوقت نفسه يخبرنا ما نعرفه اصلاً بأن مدارسنا فاشلة وجامعاتنا افشل، لا تؤثر في طريقة تفكير طلابها، ولا تنقلهم الى عالم المعرفة الذي يعني الاعتدال والاعتراف بالآخر من خلال التعرف الى علمه وثقافته.

 

 

ولأن هذه التنظيمات الارهابية تدرك اهمية وقوع اعلامنا في الخطأ، تمده بين الحين والآخر بما يتيح لبعضه التمادي في فكرة «النسبية». وهكذا تصبح «النصرة» افضل من «داعش» بالنسبة الى بعض اللبنانيين، لأن الأولى وافقت على ان يتم اعدام العسكريين اللبنانيين المحتجزين لديها رمياً بالرصاص، وليس ذبحاً كما فعل الثاني. اي ان القتل تحول «نسبياً» ايضاً، ولهذا لا نملك سوى ان نصفق لهذا «الاعتدال» وهذه «الرأفة».

 

 

وقبل نحو عشرة ايام، بزّت «طالبان الباكستانية» مثالها الاعلى في الارهاب، تنظيم «القاعدة»، في القدرة على القتل العشوائي، حتى اضطر «المعلم» الى استنكار وحشية «التلميذ»، واصدار بيان مسهب يعلن فيه ان «قلوبنا تنفطر ألماً وحزناً على هذا الحادث»، لأن انتحاريي اسامة بن لادن كانوا «اكثر رأفة» بضحاياهم في برجي مركز التجارة العالمي، اذ فضلوا استهداف البالغين من «الكفار» ولم ينظروا في عيونهم عندما هدموا المبنيين على رؤوسهم، اما انتحاريو الملا فضل الله فقصدوا تلاميذ مسلمين في مدرسة واعدموا فيها اكثر من 140 طفلاً بعضهم في العاشرة من العمر، وطاردوهم من غرفة الى غرفة. ومرة ثانية نصفق لهذا «الاعتدال» الذي «يحرج» من وضع التنظيمين في سلة واحدة.

 

 

وامس فقط، اعلن «داعش» عن اعتقال خلية تضم اربعة من عناصره، يرطنون بالتركية، قال انهم خططوا للانقلاب عليه و «زعزعة الأمن» المستتب في مناطق سيطرته، واكد بلا خجل انهم «غلاة» يتبنون افكارا دينية اكثر تشدداً من التي يعتمدها «الخليفة» السامرائي.

 

 

هناك اذاً، لجهلنا المدقع، من هو اكثر تطرفاً وغلواً من «داعش»، ومن يرى فيه تنظيماً «كافراً» يجني الاموال من «شعبي سورية والعراق الكافرين». ولنا ان نتصور ماذا كان سيحصل لو نجح «الانقلاب» و «خسرنا» البغدادي!!