لم تفاجأ دوائر التحليل والقراءة في قوى 8 آذار بوصول قضية العسكريين المخطوفين الى هذه المرحلة من التعقيد والى هذا الدرك من الاخفاق في مقاربة هذا الملف الشائك على نحو جعل يد الارهابيين الخاطفين هي العليا وتشارك في تحريك لعبة القرار الداخلي، وعلى نحو بدت معه يد الجهات الرسمية المعنية ومعها الحكومة برمّتها هي السفلى، او، بتعبير الطف، في موقع ردة الفعل والاعجز عن تقديم اجابات شافية ومقنعة لأهالي المخطوفين من جهة وللشريحة الاكبر من الرأي العام اللبناني.

 

لم تكن شائعة تهديد المدير العام للامن العام اللواء عباس ابرهيم بالانسحاب من دوره الاساسي في هذا الملف دخانا بلا نار، فالرجل الذي خاض في السابق غمار تجربتين ناجحتين في هذا المجال الصعب لوّح جديا بترك حبل الأمور على غاربه احتجاجا على ما سمّاه متواصلون معه تلاعبا غير مبرر وغير مفيد في طبق هذه القضية، وسعي حثيث من بعض الجهات الى تكبيل يديه واحباط مساعيه من جهة، والى دفع القضية برمتها نحو مناح نهاياتها القصوى تصب في خانةً مصلحة الخاطفين من جهة اخرى وجعلهم يخرجون منتصرين.

 

في اوساط الدوائر عينها قراءة متأنية فحواها ان مقاربة القضية منذ الايام الاولى لنشوئها قبل نحو 5 اشهر بنيت على معايير واسس تنطوي على تقديرات وحسابات خاطئة لأن الحسابات المتداخلة والمركبة في سياسات بعض ساسة البلاد افسحت في المجال للخاطفين ان يحدثوا دفرسوارات ورؤوس جسور اتاحت لهم التأثير في قرارات الحكومة والهيمنة على الوضع العام في البلاد، واستهلالا على حراك اهالي المخطوفين ونزولهم الى الشارع، واستطرادا تواجههم مع الدولة والمواطنين.

 

لم يعد خافيا ان الحكومة ضاعت بداية في متاهات البحث في موضوع المقايضة، واستغرق الجدال اياما قبل ان تقر مبدأ المقايضة، ثم احتاجت الى ايام أخرى في البحث عن الوسطاء لأن التفاوض المباشر وضعت امامه محرمات، واخيرا وليس آخرا، وبقدرة قادر، شرّعت مسألة التفاوض مباشرة بذريعة ان الوسيط القطري قد اختفى في ظروف غامضة ولم يعد معروفا ما اذا كان سيعود الى الجرود القصية الباردة ليستأنف ما بدأه.

وهكذا ظهر فجأة ومن خارج كل الحسابات بيان منتصف الليل الذي تحدث صراحة عن آليات تفاوض مباشر مع الجهات الخاطفة جرت عبر وسطاء محليين واثمرت عن تأجيل ذبح احد العسكريين المخطوفين.

واللافت انه لم يعرف حتى الآن ما اذا كان البيان اياه صادرا عن وزير ام هو بلسان كل اعضاء خلية الازمة

 

 

وبحسب الدوائر عينها فان الذين اصدروا البيان اياه وشرّعوا عبره ما كان محرما رسميا، اي التفاوض المباشر، استغلو امرا واقعا وهو ان ليس بمقدور احد في لحظة فورة الاهالي الاعتراض او ابداء الرفض لان المهمة الاساسية تتبدى إذذاك في الحيلولة دون ذبح عسكري رابع كما هددت "جبهة النصرة".

 

المعروف انه عندما كلف اللواء ابرهيم القيام بدور في هذه القضية ظهر العشرات يسدون اليه نصحا بتوخي الحيطة والتفكير في الاعتذار والنأي بنفسه عن هذا الملف، لان معلومات توافرت لهؤلاء تفيد ان هناك من لا يعجبه بالاصل نجاحه في الملفين السابقين ولا يريد له ان يضيف الى رصيده نجاحا ثالثا.

لكن الرجل الذي كان يبدو انه على ثقة زائدة بالنفس اعطى الأذن الصماء ومضى قدما في المهمة الموكولة اليه وانخرط في اللعبة الى درجة انه زار دمشق التي له عندها مكانة، وثمة من قال انه وجد اجواء غير مريحة هناك، وبمعنى آخر وجد تحفظات خلافا للمرات السابقة.

 

وعندما ايقن ابرهيم ان المحذّرين كانوا على صواب، وجد نفسه في وضع لا يسمح له بالتراجع والانكفاء لان ذلك من شأنه ان يلغي مكاسبه السابقة من جهة، وسيحول، من جهة اخرى، دون تكليفه ادوارا مماثلة لاحقا. لذا اختار ان يهجم الى الامام ايا تكن النتائج فكان التهديد المنسوب اليه بالرد بالمثل اذا ما اقدم الارهابيون على تنفيذ وعيدهم بذبح العسكري علي البزال.

 

وبعد مضي هذا الوقت الطويل نسبيا على بدئها، صارت قضية العسكريين المخطوفين على يد الارهابيين على النحو الآتي:

 

- ثمة تباين وضياع، ففيما يتحدث رئيس الحكومة تمام سلام من بروكسيل عن تعقيدات وسلبيات تكتنف القضية وتنعدم معها اية بوادر ايجابية، فان اوساطا حكومية في بيروت تعد من يهمه الامر بقرب ظهور ايجابيات.

 

- ثمة تشوّش وتخبط رسميان حيال مسألة الوسيط القطري. ففيما يذاع ويشاع انه اختفى نهائيا عن السمع ومدى الرؤية، ليس هناك ما يثبت ان عملية التفاوض المباشر والنهائي مع الخاطفين قد اقر العمل بها رسميا وانها بدأت جديا وانه يمكن الركون اليها.

 

- هناك من يتحدث عن وجود انذار رسمي للخاطفين بالرد بالمثل على اعدام اي عسكري مخطوف، وهناك في المقابل من يتحدث عن قنوات اتصال وتفاوض مباشر مع الخاطفين.

 

- هناك من بدأ يسوغ لفكرة ان الشيخ مصطفى الحجيري (أبو طاقية) عاد الى دائرة الضوء كوسيط يعوّل عليه، في حين ينفي هو ان يكون احد قد طلب منه القيام بهذا الدور.

 

- في وقت لم يمر عليه الزمن، برز اكثر من مسؤول لبناني يتحدث بكل ثقة عن ان لبنان تلقى تعهدا رسميا من الجهتين الخاطفتين ("داعش" و"النصرة") بعدم قتل اي عسكري اضافي، لكن الامور عادت خلال الايام الاربعة الماضية الى سيرتها الاولى مما اوحى بأمرين او باحدهما:

فإما انهيار كل نتائج المفاوضات السابقة، واما ان التعهدات السابقة للبنان كانت عبارة عن وعود كاذبة، وبالتالي لا يمكن المضي قدما في الرهان على نتائج ترتجى من التفاوض مع الخاطفين.

 

- في السابق قال الرئيس سلام ومسؤولون آخرون ان لدى لبنان اوراق قوة عدة تعزز وضعه امام الخاطفين وتمنعهم من الاستمرار في عملية ابتزاز السلطات اللبنانية، لكن تجارب الاشهر القليلة المنصرمة اظهرت ان لبنان لم يستخدم ايا من هذه الاوراق بدليل ان الخاطفين ماضون قدما في لعبتهم القذرة وممارسة عملية اذلال منظم للبنانيين جميعا.

 

وبناء على كل هذه المعطيات والوقائع، وعوض ان تكسب الايام والتجارب الجانب الرسمي اللبناني خبرات واوراق قوة اضافية تزيل مرحلة الاضطراب وانعدام الوزن، بدا واضحا خلال الايام القليلة الماضية ان الموقف اللبناني هو في اضعف حالاته، ويتبدى ان هناك نوعا من الضياع في مركزية اتخاذ القرار وان هناك تباينا حتى على مستوى مقاربة موضوع تحرك الاهالي والتعامل معهم.

وعليه يبدو ان الامر مرشح الى مزيد من الخسائر لان المنطق البسيط يقول إنّ المقدمات الخطأ تفضي الى نتائج خاطئة، وان كثرة الطباخين تفضي الى طبخة شائطة فاسدة المذاق.

ولتغيير واقع الحال، ينبغي تبديل طريق التعامل، والبداية اتخاذ قرار حازم وجدّي في مواجهة الارهابيين الخاطفين وليس تشريع التعامل معهم.