إجتماع القادة العسكريين في دوَل التحالف الدولي ضد «داعش»، في قاعدة «أندروز» الجوّية في ولاية ميرلاند الأميركية، غير مُقدَّر له أن يخرج بقرارات خارجة عن المألوف.

حضور الرئيس الأميركي باراك اوباما شخصياً هذا الاجتماع، قد يشكّل رسالة معنوية أكثر منها سياسية. ففي الوقت الذي تتحدث غالبية التقديرات عن تعثّر في سير العمليات العسكرية، فضلاً عن تصاعد الضغوط والخلافات بين مكوّنات هذا التحالف، فإنها تشير ايضاً الى أنّ هذه العمليات قد تدخل تعرّجات غير محسوبة، من شأنها ليس فقط التأخير في حسم المعركة، بل الإتفاق على الاستراتيجية المأمولة منها.

ويمكن القول بلا تردّد إنّ التشاؤم سيّد الموقف في واشنطن، في الوقت الذي يتأكّد أنّ الاستراتيجية التي لا تزال تعتمد سلاح الجوّ، سواءٌ في العراق أو في سوريا، أثبتت عدم جدواها حتى الساعة، في مواجهة تنظيم يعتمد في تكتيكاته وحروبه عقيدةً لا تفرّقه عمّا اعتمدته تنظيمات عسكرية مشابهة، وفي مقدّمها «حزب الله».

ويقول مسؤول أميركي «إنّ إدراك «داعش» معوقات التدخّل البرّي لدول التحالف ضده، يجعله في منأى عن الإحساس بالخسارة، مهما بلغ حجمها. فتلك التنظيمات لا تقيم وزناً للخسائر البشرية والمدنية والبنى التحتية».

ويذكّر بأنّ «الحرب الجوّية التي شنّتها إسرائيل ضد «حزب الله» عام 2006، لم تفلح في إلحاق الهزيمة المعنوية به. فالحديث عن نجاحها في هزمِه لم يكن مُمكناً، في ظلّ إحجامها عن إقحام جيشها برّاً في حربها التي دامت اكثر من شهر. وقد تكرّر هذا الأمر في حروبها ضد حركة «حماس».

إحجام الدوَل عن الدفع بجيوشها في نزاعات قد تكون مكلِفة بشرياً، لا تفرضه إلّا حسابات ومصالح فائقة الحيوية. هذا ما يحصل الآن في العراق وسوريا، فيما ردّات الفعل وتنامي التناقضات بين القوى المتنازعة، يُنذر بتحويل الحرب الدائرة محرقة ضخمة، يحسب لها الجميع ألف حساب.

تقول مصادر أميركية «إن تجدّد السجال السعودي ـ الإيراني على مستوى عالٍ، يشير إلى أنّ كلّ طرف سيزيد من حجم الضغوط التي يمارسها على الطرف الآخر، في الوقت الذي تجهد تركيا لتأكيد حصّتها وموقعها في مستقبل المنطقة».

إنهيار «التوافق» الموضعي والموقت الذي نشأ بين الرياض وطهران عقب إزاحة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي عن السلطة، وتأليف حكومة عراقية جديدة برئاسة حيدر العبادي، يبدو أنّه يعكس تشدّد إيران في ملف العراق، على خلفية التصريحات «النارية» التي أطلقها العبادي الأسبوع الماضي، مع شعور إيران بأخطار جدّية على موقعها وحيثيتها السياسية في هذا البلد، وفي سوريا على حد سواء.

هذا ما يُفسّر في جانب منه أيضاً تسارع الضغوط العسكرية التي يتعرّض لها العراق، مع ارتفاع منسوب الخوف على العاصمة بغداد نفسها، ما لم يُصَر مجدّداً إلى لملمة العملية السياسية وإعادتها إلى سكّتها المنقطعة منذ تعَثّر استكمال تعيين وزيري الداخلية والدفاع، وإشراك المكوّن السنّي في العملية السياسية جدّياً.

ولا تستبعد المصادر الأميركية أن تصعّد أطراف إقليمية أخرى الأوضاع الميدانية في سوريا، بالتوازي مع تركِ مدينة «كوباني» تسقط في يد «داعش»، بل والتهديد بإسقاط بعض المواقع المهمة للنظام السوري كمطار «كويرس» العسكري في منطقة حلب مثلاً!

فتركيا حتى الساعة لا تشعر بالحاجة إلى إدخال جيشها إلى سوريا، طالما إنّ عناصر المساومة مع الغرب، وتحديداً مع واشنطن، لم تكتمل شروطها بعد. هذا لا يعني أنّ واشنطن مكبّلة، على رغم عدم اكتمال عناصر «استراتيجيتها» في الحرب على «داعش»، قبل مرور زمن كاف.

إبقاء رئيس هيئة أركان القوات الاميركية الجنرال مارتن ديمبسي الباب موارباً، سواءٌ بالنسبة الى إمكان التدخّل البرّي مستقبلاً في العراق «إذا دعت الضرورة»، أو إلى منطقة الحظر الجوّي التي تطالب بها تركيا على الحدود السورية، يُظهر أنّ أمر المساومات محتدم، في انتظار ما سيخرج به اجتماع القادة العسكريين لدوَل التحالف.

عند هذه النقطة، قد يكون الحديث عن إعادة رسم الخرائط الميدانية اكثر مشروعية، في الوقت الذي يتأكّد الجميع أنّ المعركة المقدّر لها أن تستمرّ سنوات، سيسعى خلالها كلّ فريق لتحصيل ما يمكنه من حضور وتأثير في المعادلة السياسية المقبلة.

 

 

بقلم: جاد يوسف