سيحصل تنظيم «داعش» على بعض ما يريد عندما تنصبّ جهود قيادات أكبر الدول على صنع الشراكات ونسج التحالفات للتصدي له، فذلك يضعه على خريطة الأهمية الدولية ويضاعف شهرته العالمية ويساعده في تجنيد المزيد من الضالين عن الإنسانية والبشرية. ما لن يحصل عليه هو الديمومة، لأنه تنظيم صاعق وعاصف فائدته الوحيدة أنه بدمويته المرعبة يوقظ إلى ضرورة الاستدراك، فهو يدفع الأعداء إلى التفكير في إعادة النظر بعداءاتهم واستراتيجياتهم، وهو اليوم المحرّك والدافع الرئيسي لسياسات جديدة تُصاغ للشرق الأوسط. «داعش» أدهش العالم بعنفه القاطع وبقدراته الإعلامية ووسائل تسويق نفسه بالسكين والسيف واللونين الأسود للذبح والبرتقالي للرؤوس المقطوعة. إلا أن «داعش» ليس أسطورة فوق العادة، ولا هو العقيدة المُلهِمَة، بل العكس، ما يُلهم به «داعش» هو الضرورة الملحة للاعتدالين السني والشيعي، لأنهما من أهم وسائل القضاء عليه. والكلام ليس فقط عن البيئة المباشرة، حيث «داعش» يمحو الحدود ويقيم إمارته العابرة، فمراكز صنع الاعتدال هي أيضاً، وربما بالدرجة الأولى، في عواصم صنع القرار السياسي في البقعة الإسلامية، وعلى رأسها طهران والرياض، وكذلك في عواصم الدول الكبرى، وفي طليعتها واشنطن، وهذا ما يحدث حالياً لكنه لم يختمر تماماً بعد.

 

 

التطور الإيجابي في الأسابيع القليلة الماضية هو بروز حديث من نوع آخر أتى مع التغيير في العراق. المعسكر المؤيد تقليدياً لطهران بصفتها قائدة صنع القرار الشيعي، بدأ يبتعد عن لغة الانتصار والفرض والتهديد في اتجاه لغة الإقرار بأن لا مجال للانتصار ولا فائدة من حرب مفتوحة بين السنّة والشيعة، والمعسكر المؤيد للرياض بصفتها عاصمة القرار السنّي، يتحدث اليوم بلغة التفاهمات مع إيران الاعتدال –إذا انتصر الاعتدال فيها الذي يمثله الرئيس حسن روحاني– بعدما كان بالأمس القريب رافضاً أي ما من شأنه أن يؤدي إلى شرعنة الدور الإيراني في أي دولة عربية.

 

 

اليوم، نسمع بدعوات من بعض شيعة لبنان، مثلاً، إلى ضرورة إعادة صوغ التوجّه العام على أساس أن لا مجال للانتصار والربح في هذه المعركة، وأن الوقت حان لسياسة جديدة بعيداً من تلك التي تبناها «حزب الله» داخلياً وإقليمياً، وهذا جديد وملفت، لأن الذين يتحدثون بهذه اللغة ليسوا من الشيعة المعارضين لتوجه «حزب الله» منذ البداية وإنما هم من الداعمين له بالأساس.

 

 

وللتأكيد، فإن هؤلاء لا يتحدثون بلغة الخسارة والهزيمة، ولا هم جاهزون للتظاهر بأن الوئام أتى إلى شيعة لبنان وسنّته. هم في صميمهم يقولون إن في صميم معظم سُنّة لبنان «داعشاً» ما، وإن في عمق معظم شيعة لبنان «حرساً ثورياً» إيرانياً من نوع أو آخر. ما يقولونه اليوم هو أن الوقت حان لإزالة وهم الانتصار في حرب لا رابح فيها، وإن هذا يتطلب قناعات وسياسات جديدة.

 

 

بغضّ النظر عن إن كان «داعش» المحرّك الرئيسي وراء هذا التغيير أم صعود قوى الاعتدال في إيران، المهم أن هناك بداية يقظة إلى الجديد في ساحة الشرق الأوسط والساحة الإسلامية.

 

 

والجديد هو ضرورة تنظيف الإسلام من إسلام «داعش» و «جبهة النصرة» و «القاعدة» ومشتقاتها. قد يقال إن هذه التنظيمات مشكلة السُنَّة لأنها من السُنَّة. واقع الأمر أنها مشكلة الجميع، والشيعة بصورة خاصة، لأن طهران هي البادئة في صنع الأصولية الدينية وفرض الدين على الدولة عبر فرض حكم الملالي، وأن سياسة التطرّف الإيرانية ساهمت جذرياً في استفزاز التطرّف السنّي مع أنها لم تكن هي من صنعه أساساً، فالذي صنعه أساساً هو الشراكة بين الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة خلال حرب أفغانستان بهدف مواجهة الغزو السوفياتي.

 

 

العاهل السعودي، خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز واضح في تبنيه الاعتدال السنّي ودعمه تنظيف الإسلام من قوى الإرهاب، والرئيس الإيراني حسن روحاني الذي يمثّل عنوان الاعتدال في طهران، كسب معركة مهمة في العراق، عبر الهزيمة الكبرى التي أُلحِقت بـ «الحرس الثوري» وقائده قاسم سليماني بإزاحة رئيس الحكومة السابق نوري المالكي عن السلطة.

 

 

كلاهما معاً مبشر خير للشرق الأوسط، ولكل منهما معارك ضارية آتية، فإذا نجحا في صد التطرّف، انفراداً وثنائياً وجماعةً مع القيادات الدولية الفاعلة، هناك دواع للأمل بتحولات إيجابية جذرية في المنطقة.

 

 

أول التحديات في العراق حيث لا سبيل سوى الإجراءات السياسية والعسكرية معاً. لن يكون في الإمكان إلحاق الهزيمة بـ «داعش» ما لم تتخذ طهران قرارات إضافية تزيل سياسة إقصاء السنّة عن السلطة، وما لم تتخذ الرياض إجراءات التأثير في سنّة العراق في اتجاه الاعتدال والتعايش، وما لم تقم واشنطن بالمزيد من الغارات على مواقع «داعش».

 

 

بكلام آخر، وبصراحة، ما أنجزته الانتفاضة السنّية في العراق و «داعش» بالدرجة الأولى، هو إحباط مشروع «الهلال الشيعي» الذي أرادته بعض القوى في طهران ودعمته مجموعة «المحافظين الجدد» الأميركيين الموالين لإسرائيل، الذين رأوا فيها وسيلة لتعزيز التهادنية التاريخية بين الفرس واليهود والسبيل لتلقين السنّة درساً في أعقاب إرهاب 11 أيلول (سبتمبر) في عقر الدار الأميركية. محو الحدود بين العراق وسورية أفشل عملياً مشروع «الهلال الشيعي» الذي سُمّي أيضاً «بترولستان». وهناك الآن واقع جديد يتطلب من القيادات في طهران العودة إلى طاولة رسم الاستراتيجيات. وفي هذه المرة أكثر من معركة يخوضها الرئيس الإيراني تمتد من العراق إلى سورية إلى لبنان إلى اليمن.

 

 

آية الله علي خامنئي في صلب تلك المعركة. في العراق، اتخذ القرار لصالح تيار روحاني. في العراق انهزم تيار سليماني بمساهمة جذرية من آية الله علي السيستاني، المرجعية الشيعية الرئيسية في العراق. ماذا بعد في العراق؟ الأسابيع المقبلة ستحسم ما إذا كان الأمر توزيعاً للأدوار أو إن كان حقاً نقلة نوعية في السياسة الإيرانية وفي المعركة داخل إيران لصالح قوى الاعتدال على حساب قوى التطرف.

 

 

في اليمن، ما زال القرار الإيراني لصالح قوى سليماني، فوصول الحوثيين إلى صنعاء بدعم من إيران دليل على أن طهران ما زالت بعيدة كل البعد من اتخاذ قرار عدم التدخل في الدول العربية وقرار التهادنية مع الرياض، فاليمن يشكل تحدياً مباشراً للسعودية. وفي اليمن تستمر الحرب على «القاعدة» ومشتقاتها بمشاركة أميركية عبر الطائرات بلا طيار وعبر الأجهزة الاستخبارية.

 

 

فإذا قررت واشنطن أن تحزم مع طهران في مسألة الشراكة الدولية والإقليمية لمحاربة التنظيمات «الداعشية» و «القاعدية»، فإن اليمن مفتاح رئيسي لاستنباط صدق طهران في مؤشرات التحوّل داخلها نحو الاعتدال.

 

 

المفتاح الآخر هو سورية. هناك، واضح أن لا علاقة للرئيس روحاني بالملف السوري فهو من ضمن صلاحيات سليماني وبقرار من آية الله خامنئي. وعليه، وبما أن إدارة أوباما تتوجه إلى صنع الشراكات الجديدة الفاعلة للتصدي لـ «داعش»، لا مناص لها من حديث صريح مع طهران لإبلاغها أن الوقت حان لرسم سياسة مختلفة لها نحو سورية وكذلك لبنان، علماً بأن «حزب الله» يحارب مع قوات الرئيس بشار الأسد داخل سورية وأن «داعش» وصل لبنان.

 

 

«داعش» وصل لبنان إما انتقاماً من «حزب الله» أو أنه استُدرِج إلى لبنان عمداً لتوسيع رقعة الحرب السورية ورفع بعض العبء عن دمشق. مهما كان، إذا كانت إدارة أوباما جديّة في صياغة استراتيجية ضد «داعش»، عليها وضع سيناريوهات للاحتمالين معاً. وعنوان الاحتمالين هو طهران بصفتها حليف دمشق وصاحب قرارات «حزب الله».

 

 

وزير الخارجية الأميركي جون كيري ووزير الدفاع تشاك هاغل يصلان المنطقة قريباً للتشاور ولوضع ركائز الاستراتيجية الأميركية القائمة على الشراكة أو التحالف في وجه «داعش». أحد التحديات التي سيواجهها كيري وهاغل هي العلاقة مع بشار الأسد في مواجهة «داعش». دمشق تريد أكثر ما تريد أن تكون جزءاً من الشراكة بل تريد أن تكون الحليف الأول لواشنطن. وهذا لن يحدث، لأن واشنطن اقتنعت بأن الرياض أساسية ورئيسية في الشراكة المطلوبة. والرياض لن تقبل أبداً بالشراكة مع دمشق.

 

 

واشنطن ستضطر إلى توسيع رقعة غاراتها الجوية على «داعش» داخل سورية في نهاية المطاف، لكنها لن تفعل ذلك بما يؤدي إلى مساعدة النظام وتقويته، هي ستقوّي عسكرياً «الجيش السوري الحر» وأمثاله، لكنها أيضاً ستحتاج إلى تفاهمات سياسية مع طهران، وكذلك موسكو، الراعيين الأساسيين لبقاء الأسد في السلطة.

 

 

موسكو وطهران رفضتا قطعاً في السابق التخلي عن الأسد تحت أي ظرف كان، لكنهما لم تفكرا حقاً بظرف «الداعشية». الآن، الأوضاع اختلفت، كلاهما في حاجة للالتحاق بالشراكة الدولية ضد «داعش»، وكلاهما مضطر للتفكير بصورة مختلفة عن السابق.

 

 

لم يحن الوقت للتحدث عن جنيف– 3، أي عن عملية سياسية انتقالية في سورية تؤدي عملياً إلى إزاحة «عقدة الأسد»، فذلك القرار بين يدي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وآية الله خامنئي، فإذا توصّلا إلى استنتاج أن لا خيار أمامهما سوى حل «عقدة الأسد» كما سبق وحلت «عقدة المالكي»، فإن التطورات على الساحة السورية ستتخذ منحى جديداً، وقد يفعلان. قد يفعلان لأن المحور الذي يضم روسيا وإيران والصين و «حزب الله» بدأ يفكر بالهزيمة. بالأمس، كان المحور واثقاً من الانتصار. اليوم، لا يمكن المحور أن يزعم الانتصار بل إنه في عين الهزيمة، فالاستراتيجية التي ارتبطت بالولايات المتحدة القائمة على مبدأ الاستنزاف والإنهاك المتبادل وتحويل سورية «مقبرة» المتقاتلين و «فيتنام» إيران وروسيا تبدو أكثر واقعية، بـ «داعش» أو بغيره، باتت سورية «المقبرة» و «الفيتنام».

 

 

بالأمس، كانت العلاقة الأميركية– السعودية في أسوأ حالاتها، واليوم اختلف الأمر جذرياً، وعادت واشنطن إلى صنع القرار الإقليمي على أساس العلاقة الثنائية مع الرياض ومع طهران المعتدلة. فهناك جديد آتٍ إلى ساحة الشرق الأوسط، وقد لا يكون سيئاًَ إذا أحسنت القيادات المعنية صنع القرار.