يُنشر هذا النصّ مع ملحق «بناء السلام في لبنان» الذي يصدره «برنامج الأمم المتّحدة الإنمائيّ» (يو أن دي بي).
 
< حين انتهت الحرب العالميّة الثانية بدت الكراهية عاطفة مكروهة. لقد كلّفت 50 مليون إنسان ومحرقةً لم يُفكَّر مرّةً بأنّ الصناعة تصنعها. ومع أنّ أوروبا غادرت حربها فقيرةً ومدقعةً، فإنّها لم تتطرّف على ما فعلت في الثلاثينات. ثمّ، في 5 حزيران (يونيو) 1947، حلّ اليوم المشهود: الجنرال مارشال، وزير خارجيّة ترومان، طالب الكونغرس بتمرير خطّة لإعمار أوروبا.
ما بات يُعرف بـ «مشروع مارشال» أعاد البناء وحرّك الاستثمار، فأتاح فرص العمل لطالبيها. وكان لهذا الحدث الضخم أن فتح سوقاً تفيض عن أيدي الأوروبيّين، فانفتح الباب لشبّان المستعمرات والمستعمرات السابقة: تعالوا إلينا وجيئوا بعائلاتكم. وفعلاً جاء العمّال.
سفارات بلجيكا وقنصليّاتها في المغرب العربيّ، مثلاً، عمّمت كرّاساً شهيراً بعنوان «الحياة والعمل في بلجيكا»، هدفه إغراء الشبّان المغاربة بالهجرة كي «تمدّوا بلدنا بقواكم وذكائكم».
البيان البلجيكيّ وُزّع في 1964، بعد عقدين على ابتداء نزع الاستعمار. الأخوّة وحقّ الشعوب في المساواة وتقرير المصير كانت علامات الزمن. أمّا المؤمنون فشرعت تلفحهم، ابتداء من 1958، رياح منعشة: يوحنا الثالث والعشرون وصل عامذاك إلى الفاتيكان. إنّه من عقد المجمع الفاتيكانيّ الثاني وتحمّس لمصالحة المسيحيّة واليهود، مؤكّداً دوماً توجّهاته الليبراليّة والمناصرة لحقوق الإنسان.
هذا المناخ الأوروبيّ، عزّزته أميركيّاً رئاستا كينيدي وجونسون، لكنّ بريطانيا عرّضته لانتكاسة أجفلت الرأي العامّ التقدّميّ. فالسياسيّ والأريستوقراطيّ، إينوك باوِل، ألقى أواسط 1968 خطاباً عُرف بـ «أنهار الدم»، مهاجماً الهجرة من بلدان الكومنولث ومعارضاً التشريعات المناوئة للتمييز، مهدّداً بـ «أنهار الدم» إن لم تتوقّف هذه المسيرة.
الدم لم يسل، لكنّ ما كشفته التجربة، كنذير مبكر، وهو نفسه ما انفجر في السنوات الأخيرة، أنّ «الجماهير البريطانيّة الكادحة» تعاطفت معه، بينما عاقبته قيادة حزبه «النخبويّة»: قائد المحافظين إدوارد هيث عزله من منصبه كوزير دفاع في حكومة الظلّ. بعد ذاك مال باول إلى حزب العمّال، فكان تحوّله أحد أسباب فوز العمّال في انتخابات 1974.
تجربة باول خطّأت الأقنوم اللينينيّ عن وحدة عمّال الغرب الصناعيّ وحركة التحرّر الوطنيّ في المستعمرات. وهذا ما سيعمل المستقبل على تعظيمه. لكنّ نذير باول الذي صدم الستينات، الشبابيّة والمتعاطفة مع فيتنام، نمّ عن أنّ المياه أشدّ اختلاطاً ممّا يبدو ظاهريّاً.
 
خلفيّات مسمومة
بلدان المعسكر الشرقيّ، وهي لم تتعرّض أصلاً للنقاشات التي عرفها الغرب الديموقراطيّ، كانت أشدّ تكتّماً حيال هذا الموضوع تحديداً. فهي ليست مجتمعات يقصدها مهاجرون، كما لا تشجّع على ذلك.
لكنّ البلدان تلك، ذات اليافطة شبه الدعائيّة عن «الأخوّة بين الشعوب»، قدّمت للنقاش خلفيّات مسمومة.
فاللغة السوفياتيّة واظبت على استخدام تهمة «الفاشيّة» بإفراط وسخاء. هكذا نزعت عن المفهوم فرادته وخصوصيّته، فأضعفت فرادة الصراع ضدّ العنصريّة والكراهية وخصوصيّته. إجراءاتها الأمنيّة، التمييزيّة والمتزمّتة، حيال الأجانب واليهود، ترافقت مع عداء طوّرته الستالينيّة لـ «الكوزموبوليتيّة» (وغالباً ما قُصد بها اليهود) التي هي «هدّامة» و «أيديولوجيا جواسيس».
لكنّ الغرب الديموقراطيّ أكمل إقلاعه. في 1971 تبنّت كندا «التعدّديّة الثقافيّة»، وفي 1973 حذت حذوها أستراليا، وما لبثت بريطانيا وبقية أوروبا أن استوردت المفهوم من البلدين النائيين. إلاّ أنّ التعدّديّة أثارت من المشاكل بقدر ما حلّت: فهي تقوم على افتراض «الهويّات» الثقافيّة والإثنيّة والدينيّة وحداتٍ اجتماعيّة صلبة، وإن حضّت على التسامح بينها. وهي، أيضاً، وإن أحلّت «الاستيعاب» محلّ «الاندماج»، لم تقل مَن الذي يستوعب مَن. فحيال المساواتيّة بين الثقافات، لا تعود هناك ثقافة بعينها تملك ما تقدّمه للمجتمع الحديث، وتستوعب الآخرين الوافدين إلى الحداثة.
المسائل تلك ما كان لها إلاّ أن تتفاقم. فمع النصف الثاني من السبعينات، بدأت الاقتصادات الغربيّة طور انكماش وتراجع حفزَه ارتفاع أسعار النفط الهائل. هكذا قويت النزعة إلى تحويل المهاجرين أكباش محارق، وباشرت العنصريّة تطرق الأبواب.
«الجبهة الوطنيّة» الفرنسيّة عبّرت عن هذا التحوّل. في 1972 أسّسها جون مارين لوبن لتكون صوتاً يعيد الاعتبار إلى بيتان والتعاون مع النازيّة، وفي الآن نفسه منصّةً لمعاداة الهجرة والأجانب، ولمعاداة التقارب الأوروبيّ. حركة لوبن، المناضل القديم في حركات اليمين الشعبويّ، نبّهت إلى دلالات ثلاث:
- لم تعد العنصريّة تستند إلى اختلافات بيولوجيّة مزعومة، أو مزاعم تفوّق جوهري. صار ديدنها الاختلاف الثقافيّ: نحن متساوون إنّما مختلفون. إذاً ليُقم كلّ في بيته.
- بات العداء للأجانب والهجرة لا ينفصل عن العداء لأوروبا (التي اتّهم معظم اليسار مشروعها بالبورجوازيّة). إذاً مصلحة المهاجرين والأجانب ليست فقط غير متجانسة مع مصالح العمّال. إنّها أكثر تجانساً مع البورجوازيّة.
- اللاساميّة ومسامحة الهتلريّة خصم نظريّ لمصالح الأجانب والمهاجرين، وخصم عمليّ عند الحاجة.
 
المسار السبعينيّ
في 1977 بدأت تتصدّع قبضة الأحزاب التي ارتبطت بالتأسيس الوطنيّ لبلدانها: للمرّة الأولى منذ استقلال 1947، شهدت الهند هزيمة «حزب المؤتمر». إسرائيل كذلك، شهدت سقوط «العمل» للمرّة الأولى منذ نشأتها في 1948.
بعد عامين انفجر الغضب الإيرانيّ. باسم الإسلام، أطيح الشاه وسقط البلد في يد رجل الدين الغاضب آية الله الخميني. لكنّ إيران لم تكن الحلبة الوحيدة التي رقصت فوقها الهويّة الدينيّة عام 1979. آنذاك قام البابا البولنديّ يوحنا بولس الثاني بزيارته الشهيرة إلى مسقط رأسه. نصف مليون استقبلوه. عشرة ملايين حضروا قداديسه. السلطة الشيوعيّة انزوت كأنّها كرتون. بعد عام تأسّست نقابة «التضامن».
أيضاً في 1979، انتفضت أفغانستان باسم «الجهاد» ضدّ الحكم الشيوعيّ، وهو ما أجّجه الغزو السوفياتيّ أواخر ذاك العام.
الله بات فاعلاً سياسيّاً أنشط من الدولة.
«ما قبل» الدولة بات، إذاً، يقضم الدولة. «ما بعد»ها بات أيضاً يقضمها. النيوليبراليّة، المعزّزة بتعاليم مدرسة شيكاغو، استولت على الأفق. في بريطانيا، وصلت ثاتشر عام 1979 إلى السلطة حاملةً إنجيلها النيوليبراليّ. بعد عام، وصل ريغان إلى البيت الأبيض.
النيوليبراليّة قالت إنّ المهمّ تشجيع الاستثمار ورفع سيف الضرائب عنه. أمّا الدولة وخدماتها وتقديماتها فينبغي تقليصها. ذاك أنّ الدولة «المشكلة لا الحلّ»، بحسب ريغان، و «لا يوجد شيء اسمه المجتمع»، بحسب ثاتشر. الفقراء؟ عليهم الصبر والتحمّل.
 
خطاب كراهيّتـ(نا)
العالم العربيّ لم يبق صامتاً. امتلك، هو أيضاً، ما يقوله في الكراهية. فعلى عكس الربط الحصريّ السائد بين ذاك الخطاب والغرب، شرعت اللغة السياسيّة العربيّة تتعدّى السياسة إلى الثقافة والاجتماع، وتتجاوز التخصيص إلى التعميم.
بين الأربعينات والسبعينات، طغى العداء للاستعمار على اللغة العنصريّة والجوهريّة. هذه كانت حال الناصريّة في متنها الأعرض. لكنْ مع ثورة الخميني، التي سبقها بأربع سنوات انهيار الدولة في لبنان، اختلفت الأمور. الجوهر يقابل الجوهر. الخير مقابل الشرّ. نحن كلّنا كلّ الخير. هم كلّهم كلّ الشرّ. والمخيّلة الخمينيّة يتقافز داخلها «شيطان أكبر» و «شيطان أصغر» لا يتعبان من الشيطنة.
توازى ذلك مع انحطاط القوميّة العربيّة الذي مثّله صدّام حسين. العالم عرب وعجم وصفويّون وفرس ومجوس. مكتبة لاساميّة تُرجمت في العراق. سبي بابل مجدّداً؟ لم لا. لقد مدّ صدّام يده بخفّة إلى المتحف فاستعار منه صورة المستقبل.
متحفا الكراهية الإيرانيّ والعراقيّ استهلكا الثمانينات في قتال مرير.
سكرة 1967 الإسرائيليّة وتوحيد القدس، ثمّ فوز ليكود الانتخابيّ بعد عقد، أمدّا بعض اليمين، وخصوصاً حاخاماته الأشدّ تزمّتاً، بألسنة تقطر حقداً. وبـ «قانون العودة»، والتماهي الجزئيّ بين الإسرائيليّة واليهوديّة، فضلاً عن ذيول المجابهات مع العرب، طوّرت الدولة العبريّة قابليّة للكراهية لا تتعب. في 1994 استعرضت هذه القابليّة نفسها: باروخ غولدشتاين، المستوطن والعضو في حزب «كاش»، قتل 29 فلسطينيّاً مسلماً كانوا يصلّون في الخليل. حكومة إسرائيل حظّرت «كاش»، لكنّ فحيح الكراهية قضم نصف السلام الموقّع، قبل عام، في أوسلو. عمليّات «حماس» الانتحاريّة واغتيال رابين وعنجهيّة الحواجز الإسرائيليّة تكفّلت بالباقي.
 
العولمة وتناقضها
مع فيضان الهويّة وانتقال الصراع مع الغرب من السياسة إلى الثقافة، أصبحت كراهية أميركا سمة ملازمة لتيّار ثقافيّ، أوروبيّ وعالمثالثيّ، يمينيّ ويساريّ. صار مشروعاً، عند كلّ تناول لموقف سياسيّ أميركيّ مرفوض، التذكير بأنّ هؤلاء أنفسهم ذبحوا الهنود الحمر، أو تنميطهم بوصفهم بلد الهمبرغر وثقافة الكوكاكولا.
ومع كلّ صعود للنسبيّات الثقافيّة، كانت تزداد معاني التنوير والتقدّم هبوطاً. قيم الجماعات المتناحرة راحت، يوماً بيوم، تطرد قيم المجتمع والدولة الواحدين.
العولمة، في غضون ذلك، كانت تشقّ طريقها. ولأنّ ولادتها اقترنت بالنيوليبراليّة، تأدّى عن عملها تناقض صارخ: ثراء غير مسبوق، وسوء توزيع غير مسبوق. وإذ تقلّص حضور الدولة وتقديماتها، بعدما انهار الاتّحاد السوفياتيّ، راحت النيوليبراليّة تتصرّف كأنّها تنتقم من المسألة الاجتماعيّة برمّتها. ما انهار ليس النظام التوتاليتاريّ، بل أيضاً أفكار المساواة والرفاه. هكذا خفّ البريق الذي أحاط بمكاسب عظمى تلت نهاية الحرب الباردة، كسقوط العنصريّة في جنوب أفريقيا والديكتاتوريّة العسكريّة في أميركا اللاتينيّة. تقدّم الحرّية بدا رفيقاً لتراجع الرفاه.
على صعيد القيم، طرد التربّح القيم الأخرى. الرأسماليّ الجديد لم يعد رأسماليّ ماكس فيبر الذي يوفّر ويتعفّف. إنّه من ينفق ويستعرض.
سياسيّاً وأيديولوجيّاً شرع يسار الوسط يتراجع عن قناعاته السابقة: إنّه «الطريق الثالث». بلير البريطانيّ، وكلينتون الأميركيّ، وجوسبان الفرنسيّ، وشرودر الألمانيّ...، كلٌّ وجد وسيلته للتصالح مع النيوليبراليّة.
الفتى الأغرّ كان بيرلوسكوني، المليونير النصّاب الذي حكم، ابتداء بـ1994، بلد ماكيافيللي وغرامشي. الأغنياء، وهم غير الأغنياء القدامى الصناعيّين والزراعيّين، باتوا يتبرّمون بمعايشة الفقراء. في إيطاليا مثلاً، ظهر حزب «عصبة الشمال»، قضيّته استقلال الشمال الغنيّ عن الجنوب الفقير. لقد أراد إنشاء «بادانيا» بلداً مستقلاًّ للشماليّين.
بيرلوسكوني كان تعبيراً فظّاً عن ظاهرة أعرض. فعلى صعيد تكوين النُخب، جُعل التعليم الجامعيّ لأبناء الطبقات الوسطى أصعب، ولأبناء الطبقات الدنيا والعمّاليّة شبه مستحيل. النخب الجديدة صارت أشدّ استعلاءً وزاد يأس المواطنين من سياساتها: الفوارق باتت ضئيلة بين الأحزاب، ونتائج الانتخابات لم تعد تغيّر. الإقبال على التصويت تراجع، ومثله الانتساب إلى أحزاب الوسط البرلمانيّ. الهوامش الشعبويّة، يساراً ويميناً، تنتفخ. الديموقراطيّة تتأزّم.
في 2000، في فيينا، وصل «حزب الحرّيّة» شبه الفاشيّ، بقيادة يورغ هايدر، إلى المشاركة في ائتلاف حكوميّ. في 2002، في باريس، تمكّن لوبن من بلوغ الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسيّة. بدأ يتكشّف تمدّد لوبن وجبهته إلى القلاع العمّاليّة التي والت الشيوعيّين طويلاً.
 
الأصوليّة والإرهاب
لقد صار الفقراء، بسبب التلفزيون ثمّ بقية وسائل الاتّصال، أقدر على رؤية الأغنياء والتعرّف إلى عيشهم. لم يعودوا بحاجة إلى التلصّص من وراء الأسوار. العالم كلّه يعيش في زمن واحد. لكنْ في هذه «القرية الكونيّة» اشتدّ الغضب لأنّها بالضبط صارت قرية كونيّة. المسرعون نحو المستقبل لا يحملون إلى سكّان الزواريب والغيتوهات فيها أملاً يُعوّل عليه. الأخيرون اتّجهوا إلى الماضي، الفعليّ والمُتخيّل. ومن هذا الماضي الذي انشدّوا إليه كانت بلدانهم الأصليّة، حيث تُقرع بقوّة أجراس الهويّة، وحيث الاستبداد والعنف والتعصّب. لقد باتوا يهاجرون بأجسادهم فقط فيما أرواحهم تبقى هناك. سهّل الأمر أنّ السفر صار رخيصاً، واستقبال الأهل أو زيارتهم مرّة أو مرّتين في السنة غدا ممكناً، وهناك في لندن أو باريس يمكن للمهاجر أن يشاهد «الجزيرة» فيما يأكل سندويش فلافل. صار ممكناً أن يعيش المهاجر سنوات من دون أن يتحدّث إلى أبناء البلد الأصليّين. وسائط الدمج، كالأحزاب والنقابات، ضُربت. الأحياء السكنيّة ومدارس الأطفال فُرزت. الغرب غدا مجرّد مكان.
ولأنّ العمّال المهاجرين فقراء تعريفاً، باتوا مرشّحين للنبذ، ما أعاد التنبيه إلى اختلافهم ديناً وثقافةً. سكّان الضواحي منهم ليسوا طبقة تُستَغلّ. إنّهم ما دون الطبقة، موضوعون خارج الاقتصاد. مطلبهم الضمنيّ أن يُستغَلّوا.
في الآن نفسه يتأدّى عن التقدّم التقنيّ شيخوخة الصناعات القديمة من سيّارات ديترويت إلى النسيج في شمال بريطانيا. ترحيل وحدات الإنتاج إلى الخارج، ثمّ الاتّفاقات التجاريّة العابرة للحدود، قلّلت فرص العمل التي جعلها التقدّم التقنيّ أصلاً قليلة. في المقابل، برامج التأهيل للاقتصاد الجديد ظلّت فقيرة ومحدودة تبعاً لنقص الموارد، وهذا مع أنّ البورصة تطيّر البلايين فوق رؤوس المواطنين، وسط صمت الدولة وعجزها، فيما التهرّب الضريبيّ بالبلايين يتصاعد. أزمة 2008 دفعت الأمور نحو الأسوأ: المصارف تسبّبت بالأزمة، والإعانة ذهب معظمها إلى المصارف.
 
الغضب...
الغاضبون، إذاً، كثيرون: بيض فقراء ضاعف غضبَهم خوف يشبه خُواف الانقراض: ذاك أنّ أعداد الملوّنين في المجتمعات التعدديّة تنمو بأكثر ممّا تنمو أعدادهم. غير البيض، خصوصاً المسلمين، غاضبون أيضاً. الإرهاب لم يعد يأتي من بلدانهم الأصليّة فحسب، إذ الهجرة إلى الغرب أضحت تنتج أيضاً إرهابيّيها.
بين البيض الفقراء من أحسّوا، منذ ضربة بن لادن في 2001، أنّ «المسلمين» خطر يقيم بينهم. بقية الأعمال الإرهابيّة في المدن الغربيّة أقنعتهم بأن «دولة القانون» لم تعد تضمن وتحمي. قبلاً، كانوا فقدوا الثقة بـ «دولة الرعاية» و «دولة النخبة».
بين المسلمين، تعزّز الشعور أنّهم مكروهون ومضطهَدون. هم في بلدانهم يعانون الاستبداد، وفي هجرتهم كذلك. منبوذون هناك ومنبوذون هنا، وليس لهم إلاّ الله، فليكونوا إذاً جنوداً لله. العراق في 2003، بقسوة الحرب الأميركيّة والفظاعات التي تصدّرها سجن أبو غريب، عزّز مناهضة أميركا بالحجج والذرائع. أسوأ قيمـ «نا» استُنفرت في مواجهة أسوأ قيمـ «ـهم».
ولأنّ الغضب لا يفكّر، بل يشعر، ولا يرى إلاّ بعين واحدة، اختار الغاضب شريكه في الألم عدوّاً.
فحين زحف البائسون من اللاجئين بأعدادهم الضخمة شمالاً، متجاوزين الحدود والبحار، تراءى لبعض السكّان في البلدان المستقبِلة أنّ البرابرة وصلوا. بعضهم نسب إليهم فقره الماضي والآتي، بعضهم خاف على عدده، بعضهم، في وسط أوروبا وشرقها، حمّلهم قصوره السياسيّ الناجم عن كبت سياسيّ مزمن، أو حيرته بالحاضر والحدود ممّا لم يتصالح معه منذ انهيار الامبراطوريّة الهبسبورغيّة قبل قرن.
في الولايات المتّحدة أدّى المكسيكيّون هذه الوظيفة، معطوفين على أزمة عرقيّة، بيضاء–سوداء، ترقى إلى «كونفيدراليّة الجنوب». المسلمون لم يلجأوا إلى أميركا، لكنّ تركة 11 أيلول قابلة لأن تستيقظ في أيّ لحظة وتشملهم بلعنتها.
عناوين كثيرة استحضرها الوعي الرجعيّ كي يكره. في أوروبا، فضلاً عن اللاجئين والمهاجرين والأجانب، هناك «بيروقراطيّة بروكسيل». في أميركا، حيث صوّت أقلّ من نصف المقترعين لترامب، قيلت أشياء كثيرة في عدادها: ثماني سنوات من حكم امرأة بعد ثماني سنوات من حكم رجل أسود؟ ينبغي التصدّي لحكم الشيطان.
روسيا بوتين مضت بدورها تبثّ وعياً حدوديّاً وماضويّاً، من جيرينوفسكي إلى دوغين: الحضارة المسيحيّة البيضاء مهدّدة بالمسلمين. «داعش»، في هذه الغضون، كان يقطع الرؤوس ويبثّ صورها معلناً أنّ الإسلام تهدّده الحضارة المسيحيّة البيضاء. والجميع، شرقاً وغرباً، وسّعوا سطوتهم على مواقع الإنترنت الضعيفة المصداقيّة والقويّة الانتشار، موفّرين للكراهية أعلى أصواتها وأشدّها بذاءة.
لقد تضافر من الأسباب ما يجعل الكراهية جريمة كثيرة الآباء: الاقتصاد والسياسة، العزلة والاختلاط، التخلّف والتقدّم، اليمين واليسار، الشرق والغرب. كلّنا، بمعنى ما، مرتكبون لأننا كلّنا بشر. لكنّ هذا التأويل شبه الميتافيزيكيّ لا يحول دون توجيه إصبع الاتّهام الأكبر إلى الحقبة الانتقاليّة التي نعيش. إلى تحوّلاتها والقلق الذي يحفّ بها. وكلّ منّا يختار، تبعاً لخلفيّته وتاريخ انحيازاته، عدوّاً له، يكرهه ويستمتع بكراهيّته.