لا مجال للمقارنة بين ذمة وزيرة الثقافة والرياضة البريطانية (ماريا ميلر), وذمم بعض جماعتنا من الوزراء والبرلمانيين والوكلاء والسفراء والقناصل والمدراء والقادة الميدانيين وبعض العاملين في الجباية والرسوم المالية. لم ترتكب (ماريا) أي مخالفة إدارية أو مالية مخلة بالشرف, فكل القصة وما فيها أنها أنفقت مبلغ أقل من ستة آلاف جنيه إسترليني من حسابها الخاص، ومن حر مالها الشخصي، الذي يمنحه إياها القانون البريطاني من صندوق تعويضات نفقات النواب، والذي يحق لكل نائبٍ في مجلس العموم البريطاني الاستفادة منه، أو اللجوء إليه لتعويض نفقاته الخاصة، مستفيداً مما يوفره صندوق تعويض النفقات الخاصة. بمعنى أنها لم تسرق الغذاء ولا الدواء, ولم تهدر المال العام, ولم ترتكب الفواحش, ولم تتورط بالغش أو الاحتيال المالي, ولم تتهرب من دفع الضرائب. لكنهم اتهموها في بريطانيا بالإسراف والتبذير وسوء الإنفاق, وقالوا: أنها لا تتوخى الدقة في التصرف بأموالها الخاصة, فانسحبت التهمة على أدائها الوظيفي, وتركت تداعياتها السلبية على مكانتها الوزارية, فسارعت بمحض إرادتها, صباح الأربعاء, التاسع من الشهر الحالي (9/نيسان/2014), إلى التعجيل بتقديم استقالتها إلى رئيس الحكومة البريطانية (دافيد كاميرون)، الذي قبلها وكلف بريطانياً مسلماً بالحلول مكانها في الوزارة, هو (ساجد جاويد)(1). لم يجبرها أحدٌ على تقديم استقالتها، ولم يطلبوا منها ذلك، بل كانت حرةً في قرارها، الذي اتخذته بكامل وعيها, ثم ذهبت بنفسها إلى مجلس العموم البريطاني كي تقدم اعتذارها الرسمي للشعب البريطاني.   متى نتعلم نحن في العراق من هذه الحادثة ونستفيد منها ؟، ومتى نستلهم منها الدروس والعبر ؟، فنحن أولى من غيرنا بهذا النوع من المصداقية والحساسية المرهفة تجاه الشعب ومصالحه. أننا على يقين تام أن سلوك (ماريا) لا يشكل جريمةً في أحكام مؤسساتنا العراقية، ولا في أعرافنا العشائرية, ولا في تقاليدنا الاجتماعية، فماذا يعني هدر ستة آلاف جنيه إسترليني, حتى لو كانت من ميزانية الدول، وما الضير من إهدار ستة ملايين دولار ومضاعفاتها في هفوة من هفوات أصحاب المناصب العليا، وماذا يعني استلام عمولات (كومشنات) بملايين الدولارات. ختاماً نقول: ألم يشبع بعد أولئك الذين يتقاضون مرتبات شهرية تفوق ما أنفقته (ماريا) من مالها الخاص ؟. ألا يخشى الله أولئك الذين يمنون أنفسهم بمرتبات تقاعدية فلكية تزيد على ما أنفته (ماريا) ؟, ألا يتق الله الذين يقيمون ولائمهم البرمكية الباذخة بأموال خرافية, ولا أموال قارون, ومن دون وجع قلب ؟. ثم إذا كان بعض قادتنا الجدد لم يذعنوا حتى الآن لنداء رب الناس, ولم يقتدوا بتعفف أنبيائنا وتقشف أئمتنا, ولم يتأثروا ببؤس فقرائنا, ألا ينبغي بهم أن يتعلموا من هذه السيدة البريطانية غير المسلمة ؟، ثم ألا يفترض بنا أن نطالبهم بتقديم كشوف حساباتهم المالية وممتلكاتهم الشخصية ؟, فمتى نطالب بسحب الثقة من المسرفين والمبذرين والباذخين والعابثين والمتبطرين والمتكبرين والمتجبرين ؟. ومتى يتعلم منها الساسة العراقيين الذين يحملون الجنسيات البريطانية ؟. ربنا مسنا الضر وأنت أرحم الراحمين