تبدو حكومة الرئيس سعد الحريري في أسوأ أيامها منذ تشكيلها بعد الانتخابات النيابية. أمس، أعلن وليد جنبلاط رفضه مبادرة الحل، وتعطّلت مساعي اللواء عباس إبراهيم. وإذا بقيت الحال كذلك، فلا جلسة هذا الأسبوع، وربّما لا جلسات في آب الذي يمضي الحريري معظمه في إجازة!

 

نهاية هذا الأسبوع، تقطع حكومة الرئيس سعد الحريري شهرها الأول غارقة في شللٍ تام، تغوص في وحل الأزمات واحدة تلو الأخرى. والوهن الحكومي لا يُقارن بالمناخ المذهبي والطائفي الذي تبثّه بين اللبنانيين حفنة من السياسيين، في مشهد مكرّر بابتذال لتجارب سابقة أسّست لاقتتال داخلي.

فلم يكد ينسى اللبنانيون فضيحة بلدية الحدت (العلنية!)، حتى أصرّ وزير الخارجية جبران باسيل على تذكيرهم بمستقبل البلاد المظلم، باعتراضه على المادة 80 في الموازنة (حفظ حق الفائزين بمباريات مجلس الخدمة المدنية)، بذريعة التوازن الطائفي. ومع علم باسيل بعدم قدرته على إلغاء البند بعد إقراره في مجلس النواب، ومحاولته سابقاً إسقاطه بالتصويت قبل أن يتراجع عن الخطوة، دخل وزير الخارجية في مناورة لا تهدف إلّا إلى شدّ العصب الطائفي في الساحة المسيحية، محرجاً الحريري أوّلاً، الذي حَرِدَ قبل أيام وسافر في إجازة قصيرة. لكنّ همروجة باسيل انتهت أمس، بحسب معلومات «الأخبار»، بالاتفاق على توقيع رئيس الجمهورية للموازنة اليوم أو غداً، وتفادي تأخيرها في هذا الوقت الحرج ووقوع لبنان تحت المراقبة الدولية الدقيقة للوضع المالي.

«انفراج» الموازنة قابله تصعيد من قبل النائب السابق وليد جنبلاط، برفضه لقاء النائب طلال أرسلان في بعبدا، واضعاً سدّاً أمام مبادرة المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، بعد مفاوضات شاقّة خاضها الأخير للوصول إلى تسوية تعيد الحياة إلى الحكومة وتحصر ورم الفتنة المتأهبة في الجبل، ما دفع أرسلان إلى الردّ بوضوح رافضاً لقاء جنبلاط.

وتوقّف مبادرة إبراهيم أو تأخيرها، يعني عدم قدرة الحريري على عقد جلسة لمجلس الوزراء هذا الأسبوع. وجرياً على عادته وغيره من السياسيين، فإن الحريري الذي من المفترض أن يعود إلى بيروت اليوم، يمضي معظم شهر آب خارج البلاد في إجازات عائلية، أي إن الحكومة، وتحت كل التهديدات والأزمات الداخلية (لا سيّما أزمة العمالة الفلسطينية التي افتعلها وزير العمل كميل بو سليمان وجاراه فيها باسيل وتتفاقم في المخيمات مع مؤشّرات أمنية مقلقة)، أمام احتمال التعطيل حتى بداية أيلول المقبل، هذا إذا تقرّر الحلّ إلى حينها!

خلال الأيام الماضية، قدّم أرسلان تنازلاً كبيراً لإنجاح مبادرة إبراهيم. فهو، بعد لقاءات مع إبراهيم واجتماع في وزارة الخارجية مع باسيل وحضور الوزيرين الياس بو صعب وسليم جريصاتي، ثم مع حزب الله، قَبِلَ المخرج القائل بتشكيل لجنة من ثلاثة أجهزة أمنية تتولّى التحقيق وحضور لقاء مصالحة مع جنبلاط في بعبدا، برعاية عون وحضور الرئيسين نبيه بري والحريري، على أن يُعلن في اللقاء موقفٌ داعم للقضاء وقبول المسار القضائي من الطرفين في المحكمة العسكرية، والتي لها خيار أن تعلن عدم اختصاصها بجريمة البساتين فيتم طلب تحويل الملفّ إلى المجلس العدلي بالتوافق بعد شهرين. ويترافق ذلك مع غياب الوزيرين صالح الغريب وأكرم شهيّب عن جلسات الحكومة.

عون سيوقّع الموازنة اليوم أو غداً خشية التأخير والمواقف الدولية

 

إلّا أن جنبلاط الذي كان قد أبدى بعض التجاوب مع المبادرة، عاد أمس معلناً رفضها عبر تغريدته، كاشفاً بشكل موارب، ولو بخطاب تصعيدي في الشكل، عن رغبته في التواصل المباشر مع حزب الله. وموقفه أمس ليس معزولاً عن أجواء الاجتماع الذي عقده مع نوابه ومستشاريه يوم السبت، والذي خاطب فيه فريقه بلهجة اتهامية لحزب الله، بمحاولة تطويعه ودفعه إلى الاستسلام. فهو، كما يشرح لمراجعيه، وإن كان يريد فكّ الاشتباك في الجبل عبر لقاء بعبدا، إلّا أن ما يصل إلى مسامعه عن عودة عون إلى موقفه الأوّل باعتبار البساتين محاولة لاغتيال باسيل وإصراره على المجلس العدلي، يجعله «يخشى المجلس وشيطنة الحزب الاشتراكي واتهام شهيب»، سائلاً عن القاضي الذي ستعهد إليه القضية.

أما سبب عودة عون إلى التمسّك بالمجلس العدلي بعد الليونة التي أبداها الأسبوع الماضي، فمردّها إلى ثلاثة تسجيلات صوتية لاشتراكيين في البساتين، جعلت الرئيس يقتنع بأن ما حصل كان محاولة استهداف فاشلة لباسيل.

والأمر الأغرب هو الفرح الذي يعبّر عنه جنبلاط من قرار القاضية غادة عون إقفال كسّارة بيار فتوش في ضهر البيدر، بعد كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله الأخير حول القضية. وهو ما تصفه مراجع سياسية بارزة بـ«قتال العونيين عن جنبلاط في معركة عين دارة»، مشيرةً إلى القرار و«اتفاق ضمني بين العونيين والاشتراكي لمنع فتوش من العمل في عين دارة».

ومع الأزمة الحكومية، تزداد كل يوم أزمة العمالة الفلسطينية تعقيداً، مع التحركات الشعبية والفصائلية واللبنانية التي تشهدها بشكل مستمر مخيمات الجنوب ومدينة صيدا، وإصرار وزير العمل وحزب القوات اللبنانية على إهمال قرار رئيس الحكومة بسحب الملفّ إلى مجلس الوزراء، واستمرار لعبة السباق بين القوات والتيار على بثّ التحريض في الساحة المسيحية. وعلمت «الأخبار» أن قائد الجيش العماد جوزف عون وضع رئيس الجمهورية، الأسبوع الماضي، في أجواء التحركات الفلسطينية والمخاطر الأمنية لاستمرارها، ومخاطر الخطابات التحريضية التي تخرج على لسان المسؤولين، والتي تشكّل مادةً لمتابعة التحركات الفلسطينية. وعدا عن التجاذب الشعبي والسياسي في المخيمات بين حركتي فتح وحماس و«التيار الإصلاحي» التابع لمحمد دحلان، فالمعلومات الأمنية تؤكّد بالدلائل سعي بعض الجماعات الإرهابية إلى استغلال التحركات الشعبية للتصويب على الجيش اللبناني والإعداد لمواجهات أمنية تغرق الفلسطينيين والجيش في فتنة واقتتال دامٍ.

 

 

حردان: سنواجه الطائفيين والمذهبيين

انتقد رئيس المجلس الأعلى في الحزب السوري القومي الاجتماعي النائب أسعد حردان من سمّاهم الطائفيين والمذهبيين، مشيراً في لقاء داخلي مع قيادة الحزب، إلى جانب رئيسه المنتخب حديثاً فارس سعد، أن «السلم الأهلي مهدّد اليوم» وأن «الاقتتال الداخلي مهّد سابقاً للاجتياح الإسرائيلي». وفي معرض حديث انتشر جزء منه، أعطى حردان مثلاً عن «أحد اعترض على الموازنة لأنها أعطت حقاً لمواطنين نجحوا في الخدمة المدنية، فقامت القيامة بحجة أنه ليس هناك توازن طائفي». وسأل: «وإذا لم يكن هناك توازن؟ هل ينتهي لبنان؟ هذه العصبية الطائفية تستثمر إلى أقصى الحدود». وأكّد أمام قيادة الحزب أن «الحزب سيكون في مقدمة المواجهين لهذا المشروع»، ونحن «لا نخاف من المذهبيين والطائفيين، وسنشنّ عليهم هجوماً ونعرّيهم ونحمّلهم مسؤولية تهديد الوحدة الوطنية في لبنان. القوميون أثناء الأحداث المؤلمة في الحرب كانوا أداة وحدة، وأسهمنا في إسقاط مشروع التقسيم، وفي وحدة لبنان، والوحدة اليوم مهددة. يجب علينا أن نضع كل طاقاتنا في هذا المشروع، ومنذ 86 عاماً مررنا بامتحانات وأثبتنا قدرتنا على المواجهة».