وصلت تداعيات الأزمة الحكومية إلى قلب مجلس النواب. الجلسة العامة التي دعا إليها الرئيس نبيه بري لإقرار الموازنة مهددة بفعل عدم إحالة الحكومة لمشاريع قوانين قطع الحساب. فقانوناً، يفترض أن يصدق المجلس قطع الحساب قبل الموازنة، وعملياً مجلس الوزراء «مضرب» عن الانعقاد. لكن الأكيد أن انعقاده لن ينهي سوى جزء من الأزمة. الجزء الآخر يتعلق بتسوية الحسابات التي لم تنضج بعد. أما مسألة إحالة قطع حساب 2017 دوناً عن غيره من قطوعات الحسابات التي دققتها وزارة المال، فتواجه باعتراضات قانونية عديدة. لذلك وضع رئيس الحكومة سيناريو آخر يفتح باباً لاعتراضات أشد... في حال لم يحمَ بالتوافق السياسي

 

بدأت المراوحة تضغط على كل الأطراف، بخاصة أن الشلل الذي يصيب العمل الحكومي له انعكاسات خطيرة على الوضعين الاقتصادي والمالي، وعلى إمكانية إقرار الموازنة. وفيما بدأت تتسرب عن العونيين مواقف أكثر ليناً من ذي قبل على قاعدة ضرورة كسر هذه المراوحة التي تساهم في زيادة الأزمات التي يعيشها البلد، بقي النائب طلال ارسلان مصراً على موقفه الداعي إلى تحويل جريمة قبرشمون على المجلس العدلي. وهو بموقفه هذا بدأ يشكل إحراجاً لحلفائه الذين يصرون على دعمه، ووقفوا إلى جانبه على قاعدة أنه ولي الدم في السياسة. وهو ما فعله حزب الله تحديداً الذي أكد تأييده لإحالة القضية على المجلس العدلي، كما أكد أنه في حال طرح التصويت على مجلس الوزراء سيكون حكماً مع الإحالة. علماً أنه أقرن موقفه هذا بالسعي إلى تأمين أصوات إضافية مؤيدة عبر إقناع حليفه سليمان فرنجية بضرورة تصويت وزير «المردة» إلى جانب الإحالة. لكن هؤلاء في المقابل، وبعد أن مر أسبوعان على الجريمة، صاروا يبحثون عن مخرج يقي الحكومة شرّ عدم عقد الجلسات، ويوافق عليه ارسلان.

 

كتلة الوفاء للمقاومة سارت أمس بهذا الطريق، فأكدت أن «التصالح شأن داخلي في صلب تقاليد اللبنانيين وممارساتهم الحياتية وهو أمر نحبذه دائما ونشجع عليه، ونشد على أيدي من يسعى إليه بين الاطراف المتنازعين». وأملت الكتلة «التوصل في اطار القانون إلى حل تصالحي يعزز الالتزام بالسلم الاهلي وباحكام الدستور ووثيقة الوفاق الوطني».

في ظل دعوة بري إلى مناقشة الموازنة ابتداءً من الثلاثاء المقبل، برزت إشكالية جديدة ناتجة عن تعطيل مجلس الوزراء. فعدم انعقاد المجلس وبالتالي عدم إرساله مشاريع قوانين قطوع الحسابات، سيضع مجلس النواب أمام معضلة عدم القدرة على إقرار الموازنة. ولذلك، بدأت تتكثف مساعي إنهاء الأزمة السياسية، تمهيداً لانعقاد مجلس الوزراء وإقرار قطوع الحسابات. علماً أنه لم يعرف بعد كيف سيعالج بري هذه المعضلة، وينقل عنه أن الأمور ستبقى تحت السيطرة حتى لو تأخر انعقاد مجلس الوزراء حتى يوم الأبعاء، أي حتى ثاني أيام مناقشة الموازنة. أما في حال عدم انعقاد الحكومة، فسيجد المجلس صعوبة في إقرار الموازنة، خاصة أن المادة 118 من النظام الداخلي لمجلس النواب تنص بوضوح على أن «يصدق المجلس أولاً على قانون قطع الحساب، ثم على موازنة النفقات ثم قانون الموازنة وفي النهاية على موازنة الواردات». أي أن تصديق قطع الحساب يقع في المرتبة الأولى في التصديق.

في سياق البحث عن المخارج، طرحت أمس فكرة الفصل بين تصديق الموازنة وتصديق قطع الحساب، في تفسير، على الطلب، للمادة 87 من الدستور، التي تشير إلى أن «حسابات الإدارة المالية النهائية لكل سنة يجب أن تعرض على المجلس ليوافق عليها قبل نشر موازنة السنة التالية التي تلي تلك السنة». أي أن أصحاب هذه النظرية يعتبرون أن الدستور يمنع نشر الموازنة قبل تصديق قطع الحساب، ويمكن مناقشتها وإقرارها قبل تصديق قطع الحساب. حتى مع افتراض صحة هذا الرأي، والتغاضي عن فكرة أن النظام الداخلي لمجلس النواب هو القانون الذي ينظم آلية تطبيق تلك المادة الدستورية، فإن عدم القدرة على نشر الموازنة لا يختلف عملياً عن عدم إقرارها. وبالتالي، الحل الوحيد يكمن في تحويل قطوع الحسابات من مجلس الوزراء، قبل أن يضغط الوقت أكثر، إن كان على صعيد انتهاء مفعول القاعدة الاثني عشرية (نهاية تموز) أو صعيد الإجراءات الحكومية المنتظرة لمواجهة الأزمة المالية والاقتصادية الخانقة.

 

 

صحيح أن انعقاد مجلس الوزراء هو المبتغى حالياً، إلا أن مجرد عقد الجلسة لن يكون كافياً لحل معضلة قطوع الحساب. رئيس لجنة المال ابراهيم كنعان قال أمس إنه ليس المطلوب قطع الحساب بل قطوعات الحسابات. كلامه جاء رداً على تسويق فكرة الاكتفاء بإرسال قطع حساب 2017، بحجة أن قطوعات الحساب الأخرى تحتاج إلى وقت طويل لتدقيقها من قبل ديوان المحاسبة. وهو أعاد التأكيد على تنفيذ المادة 65 من قانون موازنة 2017، التي تشير إلى أن على الحكومة إنجاز عملية إنتاج جميع الحسابات المالية المدققة منذ 1993 وحتى سنة 2015 ضمنا وإحالتها على مجلس النواب، وليس تحويل قطع حساب 2017 فقط. وهو إذ تكلم باسم لجنة المال التي تضم كل الأطراف السياسية، فإن ذلك لا يلغي حقيقة أن اتفاقاً ما تمت بلورته، بغض النظر عن موقف لجنة المال، يقضي بإبعاد شبح قطوعات الحسابات ومئات المخالفات التي كشفتها عن النقاش السياسي. وبالتالي الذهاب مباشرة إلى ما يسمح بإقرار موازنة 2019، عبر تصديق قطع حساب 2017 الذي أنجز ديوان المحاسبة تدقيقه.

إذا لم ينجح هذا المسار الملتوي، فإن مساراً آخر أشد التواءً سيكون جاهزاً. جدول أعمال جلسة مجلس الوزراء في 2 تموز الحالي، التي تأجلت إلى حين «يروق الجميع»، تضمن بنداً (143) يشير إلى «مشاريع قوانين قطع حساب الموازنة العامة والموازنات الملحقة للأعوام 2004 لغاية 2017 ضمناً». ويبدو هذا البند، بحسب مصادر معنية، لغماً يسعى الرئيس سعد الحريري إلى تمريره، في حال لم يمر لغم قطع حساب 2017. مجرد وجود هذا البند يبين أن معدّ المشروع يتعامل مع الجهد الذي أنجزته وزارة المال على مدى ثماني سنوات، وأسفر عن إعادة تكوين كل الحسابات، كأنه لم يكن. بالنسبة له، آخر قطع حساب أرسل إلى مجلس النواب كان قطع حساب 2003، ولذلك فإن ما يجب أن يُرسل هو القطوعات التي تلي ذلك التاريخ، وما على مجلس النواب سوى أن يقرها «مع التحفظ، كما أقر ما سبقها من حسابات غير مدققة. ويتبين أن هذه الخطوة إنما تعتمد على عبارة أخيرة وردت في المادة 65 من موازنة 2017، تشير إلى «إحالة مشاريع قوانين قطع الحساب عن السنوات التي لم تقر فيها الى مجلس النواب، عملا بالاصول الدستورية والقانونية المرعية». أي أن الحكومة فسرت عبارة «لم تقر» بحرفيتها، متجاهلة الشق الأول من المادة الذي يشير بوضوح إلى «عملية إنتاج جميع الحسابات المالية»، وكذلك متجاهلة عبارة «عملاً بالاصول الدستورية والقانونية».