هل تندرج المحادثات الموسعة، التي بدأها نائب مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد ساترفيلد مساء أمس الأوّل في إطار التحضير لزيارة وزير الخارجية الأميركي مارك بومبيو إلى بيروت بعد عشرة أيام، كما أعلن الوزير بعد يوم طويل من محادثات موفده مع مسؤولين وقيادات حزبية؟
وتزامنت زيارة ساترفيلد، التي تحضّر لزيارة بومبيو إلى لبنان، وهي الأولى لوزير خارجية أميركي في عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب، مع إطلاق الورشة الحكومية المترافقة مع ورشة تشريعية في المجلس النيابي، الذي يعقد ثلاث جلسات هذا الأسبوع، احداها مخصصة لانتخاب المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، فضلاً عن النظر بجملة من مشاريع قوانين واقتراحات قوانين، بينها ما اتفق على ان يقدمه عشرة نواب من «تكتل لبنان القوي» ويقضي برفع السرية المصرفية عن حسابات من يعمل في الشأن العام، وبالطبع هو لن يكون على جدول أي من الجلسات الثلاث، هذا الأسبوع، فضلاً عن «متغيرات في المنطقة» ذات صلة بالوضع في سوريا.
وكشف مصدر دبلوماسي ان لقاء السفير ساترفيلد بحضور السفيرة ايزابيللا ريتشارد مع الرئيس سعد الحريري استمر ساعتين، وتناول الإصلاحات ومسار «سيدر» والوضع في المنطقة، في ضوء الكلام المتكرر عن انسحابات شبه كاملة للقوات الأميركية من هذا البلد.
وقالت صحيفة «ذا ناشيونال» نقلا عن الوزير الأميركي، الذي كان يتحدث في ولاية «أيوا» ان جولته ستقوده الى إسرائيل والكويت.
وتوقعت الصحيفة ان يُؤكّد بومبيو مجددا دعم الولايات المتحدة لمؤسسات الدولة اللبنانية، بما في ذلك الجيش اللبناني. كما انه من بين القضايا المتوقع طرحها خلال الزيارة التي تعتبر الأولى له إلى لبنان منذ توليه منصبه في نيسان الماضي، تدهور الوضع الاقتصادي في لبنان، وضع اللاجئين والعلاقات مع دمشق.
وكان ساترفيلد قال بعد زيارة رئيس حزب الكتائب سامي الجميل ان بلاده لديها الرغبة في ان ترى «استقرارا وامنا حقيقيين في لبنان، وهذا يتوقف على خياراته الوطنية وليس على خيارات تملى عليه» (في إشارة إلى الضغوطات الإيرانية من خلال حزب الله).
وأشار ساترفيلد إلى ان «لبنان عانى طويلا جرّاء صراعات وايديولوجيات روّجت على أرضه من الخارج» داعياً الاحزاب لاتخاذ قرارات جدية، من أجل «خيارات لبنان الوطنية»، الأمر الذي فهمته أوساط حزب الله بأنه تحريض على الحزب..
ولاحظت المصادر الدبلوماسية المتابعة ان جولة ساترفيلد على المسؤولين والقيادات السياسية برفقة ريتشارد حملت إشارات سلبية عكست امتعاضاً اميركياً مما وصفه «اختلال التوازن في الحكومة وتراجع الفريق السيادي» ومن سيطرة «حزب الله» على مفاصل الدولة، معتبراً ان الاستقرار الذي يشهده لبنان حالياً هش ولا يمكن التسليم باستمراره، مستغرباً الانكفاء الذي حصل امام اكتشاف انفاق حزب الله في الجنوب، حيث كاد الوضع هناك يتدهور لولا التدخل الدولي لمنع ذلك.
وعكست التصريحات المقتضبة التي أدلى بها ساترفيلد بعد اللقاءات التي شملت الرئيس الحريري ووزير الخارجية جبران باسيل، ورئيسي حزبي الاشتراكي وليد جنبلاط والكتائب النائب الجميل بعضاً من هذه الإشارات، حيث أكّد التزام الإدارة الأميركية الوقوف إلى جانب لبنان، لكنه لم يخف خشيته من تكبيل قدرة الحكومة على العمل في ظل استفحال نفوذ حزب الله.
وأوضح ان الولايات المتحدة ملتزمة مع لبنان بشكل كبير وتود ان تراه يتقدّم وان يواجه خياراته، لكنه لاحظ ان التعامل من قبل واشنطن ودول أخرى سيكون بحسب الطريقة التي سيتبنى من خلالها لبنان هذه الخيارات، مشدداً على ان تكون هذه الخيارات لمصلحة الشعب اللبناني وليس لصالح أطراف خارجية، في إشارة إلى إيران و«حزب الله».
ولم تستبعد بعض المصادر ان تكون مواقف ساترفيلد موضع تعليق في الكلمة التي سيلقيها الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله بعد ظهر الجمعة في مجمّع سيّد الشهداء في ذكرى تأسيس هيئة دعم المقاومة الإسلامية.
تجدر الإشارة، إلى ان زيارة ساترفيلد تتزامن مع زيارة موفدين اوروبيين آخرين، من بينهم وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا الستر بيردت الذي سيلتقي الرئيس عون غداً، وكذلك نائب وزير الخارجية الالماني نيلس انين الذي وصل أمس، وستكون له محادثات عالية المستوى مع ممثلين عن الحكومة اللبنانية الجديدة، بحسب ما أعلنت السفارة الالمانية في بيروت، والتي أكدت استمرار الدعم الالماني للبنان عبر مؤتمر «سيدر».
تعيينات في مجلس الوزراء
ووفقاً لما كان متوقعاً، فقد تمّ أمس ادراج موضوع التعيينات في المجلس العسكري وأمين عام مجلس الوزراء، على جدول أعمال جلسة مجلس الوزراء، التي تقرر ان تعقد بعد ظهر غد الخميس في بعبدا، ويتضمن الجدول الذي وزّع أمس على الوزراء 33 بنداً أكثر من نصفه تقريباً هبات وسفر.
وادرج إلى جانب بندي التعيينات رقم 4 و5 بند سادس يتضمن تعيين العميد الياس البيسري مديراً عاماً للأمن العام بالوكالة لمدة سنة، والبند رقم 7 بتشكيل لجنة الوقاية من التعذيب، والذي بحسب معلومات «اللواء» قد يكون موضوع تجاذب نظراً لاعتراض رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط عليه، علماً ان توافقاً تمّ على تعيين المجلس العسكري، بحيث سيتم تعيين كل من العميد الركن أمين العرم رئيساً للاركان، والعميد الركن محمود الأسمر أمين سر المجلس الأعلى للدفاع، والعميد ميلاد اسحق مفتشاً عاماً، والعميد الركن الياس الشامية عضواً متفرغاً، كما تمّ التوافق على تعيين القاضي محمود مكية أميناً عاماً لمجلس الوزراء.
ومن البنود المهمة، طلب وزارة الاتصالات الموافقة على تمديد عقدي إدارة شبكتي الهاتف الخليوي «الفا» واوراسكوم لمدة سنة تنتهي بتاريخ 31/12/2019، وهو مؤجل من جلسة 28/2/2019.
وبالنسبة للجنة الوقاية من التعذيب، فقد علمت «اللواء» ان الرئيس الحريري سيعرض على مجلس الوزراء تشكيل لجنة وزارية تكون مهمتها اعداد خطة وطنية لمناهضة التعذيب والوقاية منه، انفاذاً للتوصيات الصادرة عن لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة واستناداً إلى القانون رقم 62 الصادر عام 2018 القاضي بتشكيل الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، والذي يتضمن إنشاء لجنة مستقلة للوقاية من التعذيب.
لكن جنبلاط اعترض على تشكيل اللجنة الوزارية، معتبراً انها أوّل خطوة باتجاه نسف الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، باعتبار ان القانون ينص على ان تكون اللجنة مستقلة، مشيراً إلى ان قرار رئيس الوزراء محاولة للقول للمانحين في مؤتمر سيدر ان لبنان يكافح التعذيب، ولكن ذلك يجب ان يكون عبر هيئة مستقلة وليس عبر الوزارات.
وقال: «اذا أقرّ هذا الاقتراح يعني ان المسمار الأوّل في نعش القانون 62 قد وضع».
ومهما كان من امر، فقد توقعت مصادر وزارية لـ«اللواء» ان تكون جلسة مجلس الوزراء سلسة تمر فيها التعيينات من دون اشكالات تذكر، خصوصا ان هذا الملف مدرج على جدول الاعمال ولن يطرح من خارجه، لافتة الى ان هذه التعيينات في الاصل لا تباين حولها وبالتالي  من اراد من الوزراء الاستفسار لن يجد اي مشكلة.
وقالت المصادر ان الجلسة ستسير على ايقاع بحث بنود جدول الاعمال في البداية ومن ثم الانتقال الى البحث السياسي.
وكان الرئيس الحريري ترأس قبل الظهر في السراي الحكومي جانباً من الاجتماع التنسيقي للوفد التقني المؤلف من مدراء عامين وممثلين عن كافة الوزارات المعنية الذي يزور المملكة العربية السعودية في 10 و11 اذار الحالي من اجل التحضير لاجتماع اللجنة العليا المشتركة اللبنانية-السعودية التي يترأسها عن الجانب السعودي وزير المالية محمد الجدعان وعن الجانب اللبناني وزير الاقتصاد والتجارة منصور بطيش.
وأوضحت مصادر رسمية ان الهدف من زيارة الوفد التقني هو بحث مواضيع التعاون بين البلدين والبت بصورة نهائية لمشاريع  الاتفاقيات ومذكرات التفاهم المطروحة من قبل الجانبين تمهيدا لعقد اللجنة المشتركة العليا وزيارة الرئيس الحريري الى المملكة لرعاية توقيع الاتفاقيات في وقت لاحق.
وطلب الرئيس الحريري من المجتمعين تحضير مشاريع الاتفاقيات المطلوبة لتطوير وتقوية العلاقات بين لبنان والمملكة، لما فيه مصلحة لبنان.
وترأس الحريري ايضا اجتماعاً للجنة الوزارية الاقتصادية التي تضم نائب رئيس الحكومة غسّان حاصباني والوزراء: علي حسن خليل ووائل أبو فاعور، حسن اللقيس، محمّد شقير، منصور بطيش وحسن مراد، حيث تركز البحث على موضوع  حماية بعض الصناعات الوطنية والمنتجات الزراعية من الاغراق والمضاربة الخارجية، في ضوء النقاش الذي جرى مؤخراً في مجلس الوزراء بخصوص حماية منتجات زراعية من المزاحمة التركية خصوصاً.
تشريع ومحاكمة الرؤساء
ويعقد المجلس النيابي اليوم وغداً، جلستين ضمن الدورة الاستثنائية التي تستمر حتى 18 آذار الحالي، وتخصص الجلسة الأولى اليوم لتشكيل هيئة المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، والتي ينص الدستور على تشكيلها من قبل المجلس النيابي بعد كل انتخابات عامة له، من مختلف الطوائف والكتل، وهو كان فعل ذلك بعد انتخابات العام 2009، لكن الهيئة لم تعقد أي اجتماع لها، كما لم يكن لها أي دور، نظراً لصعوبة صدور أي اتهام والذي يحتاج إلى أكثرية ثلثي أعضاء المجلس، بحسب قانون إنشائه، الا ان تسليط الضوء عليه في هذه المرحلة، يأتي في خضم الكلام العالي السقف حول الحرب على الفساد، بغرض ان يكون للمجلس وظيفة ما في هذه الحرب.
وبحسب الدستور، فإنه يفترض ان يلجأ المجلس إلى انتخاب 7 نواب أعضاء في المجلس الأعلى، بالإضافة إلى ثلاثة آخرين بصفة رديف، فيما يعين المجلس الأعلى للقضاء ثمانية آخرين من رؤساء الغرف لدى محكمة التمييز، وهؤلاء تمّ تعيينهم بالفعل، بحسب ما كشفت «اللواء» أمس، واحال رئيس مجلس القضاء القاضي جان فهد محضراً بهذه التعيينات إلى الرئيس نبيه برّي.
وكشفت مصادر نيابية لـ«اللواء» ان الرئيس برّي طلب قبل سفره إلى عمان، من سائر الكتل النيابية، تسمية نائب منها ليكون عضواً في المجلس الأعلى، على أساس ان يتم اختيار هؤلاء بالتوافق، والا فإنه سيُصار إلى انتخابهم عبر صندوقة الاقتراع.
والمعروف ان المجلس الحالي يضم ثماني كتل كبيرة، بما في ذلك كتلة نواب الأرمن، وبإمكان هذه الكتل ان تختار أعضاء هيذة المجلس الأعلى السبعة ويصار إلى تعيينهم بالتوافق، الا إذا اعترضت الكتل الصغيرة، والتي يمكن ارضائها بأن يكون من بينها الأعضاء الرديفين الثلاثة.
أما في التشريع، فيتضمن جدول الاعمال 36  بندا متبقية من جلسة تشريع الضرورة التي عقدها المجلس منذ اسابيع اضافة الى بنود جديدة قد تضاف الى جدول الاعمال.
ويتميز الجدول ببعض البنود المرتبطة بشكل او بأخر بمؤتمر «سيدر» لجهة الاصلاح وخفض النفقات في الموازنة ومنها الصرف على القاعدة الاثني عشرية التي ينتهي مفعولها في نهاية الشهر الاول من كل عام ، والسماح للحكومة اصدار سندات خزينة لضرورات مالية مهمة تعود لسداد بعض الدين او لتمويل مشاريع حيوية اضافة الى اعطاء سلفة طويلة الاجل للكهرباء، واقتراح يتعلق بالموارد البترولية على الأراضي اللبنانية، وغيرها من المشاريع الملحة.
مع الإشارة ايضا، ان الكلام النيابي في الاوراق الواردة والتي سيختصر وقتها الرئيس بري، سيطال كل الملفات السياسية المحتدمة، وان كانت لن تتخطى سقف التهدئة المسموح به والذي ظهرت مفاعليه في جلسة الثقة.
«المستقبل»
وفي ملف الفساد، أكدت كتلة «المستقبل» النيابية وقوفها إلى جانب الرئيس فؤاد السنيورة، وادانتها الحملات التي تستهدف النهج الاقتصادي والسياسي الذي يمثله مع كافة الذين ندروا أنفسهم لخدمة لبنان والدولة إلى جانب الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ونوهت بالمطالعة المالية والإدارية والسياسية التي قدمها الرئيس السنيورة في مؤتمره الصحفي، ودعت إلى التعامل مع ارقامها ووقائعها بعيداً عن المزايدات والاصطفافات المعروفة، كما دعت إلى الكف عن السياسات الكيدية، وإلى مقاربة الاختلافات في وجهات النظر من منطلق الحرص على المصلحة الوطنية.
وفي هذا الإطار، رفض اتحاد العائلات البيروتية، بعد اجتماعه أمس التعرّض للرئيس السنيورة أو استهدافه.
وادان اتحاد جمعيات العائلات البيروتية التعرّض للرئيس السنيورة، وقال رئيس الاتحاد محمّد عفيف يموت في تصريح له ان الحملة العبثية الظالمة التي استهدفت الرئيس السنيورة لم تكن يوماً بريئة أو شريفة، بل تخفي في طياتها نوايا سيئة وشريرة، تبدأ بشق الصف الوطني، مرورا بتشويه سمعة طائفة أساسية لا تزال تتصدَّر الصفوف الامامية للعمل النضالي، واصفاً مظلة مكافحة الفساد بأنها كلمة حق يراد بها باطل».
تكتل «لبنان القوي»
اما تكتل «لبنان القوي»، فقد أعلن رئيسه الوزير باسيل عن تقديم اقتراح قانون برفع السرية المصرفية، من ضمن ثلاثة قوانين يعدها التكتل، تقضي برفع السرية المصرفية ورفع الحصانة واستعادة الأموال المنهوبة، موضحاً بأن المعنيين من اقتراح رفع السرية المصرفية والذي وقعه عشرة نواب من التكتل هم كل المسؤولين في الدولة من رئيس الجمهورية إلى أصغر اجير في الدولة، مع ازواجهم واولادهم القاصرين»، مشدداً على ان لا مقاومة للفساد الا بالتشريع وكسر حالة الاستلام. ووصف القوانين الثلاثة بأنها تعطينا ذراعاً «قوية لمقاومة الفساد»، الا انه استدرك بأن اقتراح رفع السرية لا يشمل كل النّاس، حتى لا يخسر لبنان ميزة أساسية لديه، بل هو محصور بالذين يتولون ادارة الشأن العام، وان تحريك هذا الموضوع لا يتم الا بناءً على دعوى واثبات وكفالة مالية كي لا يتسلى الواحد بالآخر، آملاً بطرحه على الجلسة التشريعية اليوم.