الشيخ الحايك يرى صورة مختلفة عن أي صورة في أسواقنا العربية والإسلامية
 

شدني كتاب "سموم النص "لمؤلفه الشيخ "عباس حايك"لقراءته وأغرتني مقدمة الشيخ علي حب الله للكتاب خاصة في تعامله مع النص من خلال قراءة التراث والوقوف عند مسألة المقدس وقوله :"اعتقدنا أن عقيدتنا مقدسة وفوق التساؤل ،لأنها نطقت بالحقيقة المطلقة والنهائية ،لأن الله حسب دعوانا ،قد اصطفانا ليختم دعوته ".
فالشيخ الحايك يرى صورة مختلفة عن أي صورة في أسواقنا العربية والإسلامية ،فنحن نتحدث كأننا نملك علم ما كان وما يكون وما سيكون ونتحدث عن نص أسطوري لا مثيل له في الكون جعلنا نعيش خارج واقعنا ومستقبلنا ،وليست المرة الأولى يتم فيها نقد النص المقدس وسبق للمفكر حسين مروه في كتابه النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية حيث أراد أن يفكك بنية التراث ونزع قشرته المثالية الغيبية اللاهوتية لإظهار الجوانب ذات النزوع المادي الاجتماعي وما تنبغي الإشارة له. أن المفكر المخضرم والذي خلع عباءة الدين ليرتدي ثوب الماركسية,قارب النص من زاوية مغايرة .
وبالعودة الى الشيخ الحايك الذي قرر أن يتحرر من أي خطاب ديني ومن أي نص ديني على اصراره على أن يبقى مسلما مستسلما لبيئته التي نعتها باللعنة المستمرة وهنا تسجل نقطة ليست في صالحه ،رغم تقريره بأن لا يوجد بين الأديان كافة خيال ديني أطنب في وصف شهوات الجنة بمثل سحر خيالنا الجامح ،حيثما الشهوات بلا حسبان .وشيخنا يحمل النص كل مانحن عليه من تخلف وحروب ناتجة عنه كالجهاد وهو فرض عين وهو المشروع الأصولي الذي قسم الناس الى كفرة ومؤمنين ،وإلى مسلم حقيقي ومسلم ظاهري وهذا الأمر دفع بشيخنا الى القول بحفظ النظام في أي بلد عربي إسلامي هو من مسؤولية الدولة والجيش والسلطات الأمنية وليست التيارات والأحزاب الدينية المرتبطة بالفقهاء ورجال الدين .من أجل ذلك يدعو الى استعمال العقل مصدرا أساسا للتشريع وتكمن أهمية العقل عندما ينجح في اكتشاف الكثير أو القليل من الحقائق الوجودية أو الفكرية أو التربوية وهي من شأنها أن تغني القرآن فالعقل يغني كتاب الله .فالفقهاء والمفسرين لم ينجحوا بحسب رأي شيخنا في تفكيك مفهومي التشابه والإشتباه .
ويولي المرأة اهتمامه الذي حولته فحولية الرجل الى سلعة ويتساءل شيخنا مستغربا الذين يصرون على مواجهة ثقافة العصر بمنطق أيديولوجي يستوحي مقوماته من قوالب ثقافية ونصوص دينية جاءت لمعالجة حالات اجتماعية ومشاكل خاصة في ذلك المجتمع .

إقرأ أيضا : سموم النص ... أول كتاب للشيخ عباس حايك في معرض البيال
وبين دور النص في حالات الزواج والطلاق وحمل النص رغم جعجعة السلفين الموقف من المرأة فالإسلام لم يأتِ بجديد .بل اقتبس عادات قديمة للعرب وأولى مسألة حور العين اهتمامه واعتبرها المصيدة التي يسفك الأغبياء والأوغاد أرواحهم وأرواح غيرهم على مطبخها ،في مسلسل لاينتهي في مجتمعات لا تزال تعيش مرحلة الكبت الجنسي .
بعد تصويب شيخنا سهامه على النص والفقهاء لينتهي الى التقرير بأن الفقه ليس الدين بل نوع من الفهم للدين ورحلة شيخنا مع النص وتأويله من قبل الفقهاء لم تخرج عن المألوف رغم الجرأة في مقاربة المقدس من دون سبر أغواره كتعامله مع مسألة العدل وهو من الأصول فهو ثابت من ناحية المعيار إلا أن مصاديقه عرضة للتبديل والتغيير وهذا الأمر قاده للحديث عن الدولة الدينية التي لا تقوم الا بأمرين اما الترغيب الروحي والأجر والثواب ويستطرد ليقول :لنخرج من هذه الفتاوى القاتلة والأفكار الدموية ،والتصورات الوهمية ...لنتلحق بتلك القوانين التي جعلت الانسان يعيش تحت القانون الذي يحفظ حياته كإنسان ....أم نظل منذ أكثر من أربعة عشر قرنا ونحن نريد أن نبني تلك الدولة الدينية التي لم تتحق .
ان تحميل النص المسموم كل مانحن عليه من تخلف والبعد عن سلطة العقل ،كلام مهم لكن لم يخرج شيخنا من براثن النص وشباك الفقهاء أصحاب الفتاوى التي ما أنزل بها الله من سلطان.
تكمن المشكلة في تاريخ الاسلام الأولي أو البدائي وهو الذي خرب وأفسد الى الْيَوْمَ بسبب احتدام الظروف الإجتماعية والسياسية والثقافية التي تكون منها وروي ثم دون وسجل ،بحيث نجد القصاصين والمؤلفين قد ظهروا في مجتمع الفتوحات على هيئة الممثلين الفاعلين من أجل تشكيل. جماعة العلماء (رجال الدين )ونلاحظ أن هؤلاء كانوا يناضلون آنذاك من أجل السيطرة على المشروعية الدينية وممارستها والحفاظ علها في مواجهة السلطات السياسية الدنوية التي اقتنصت السلطة عن طريقالقوة. 
من هنا نشأة العقل الديني المتزمت الأمين على تعاليم محفوظة في النصوص المقدسة ،ولكن تواجه هذا الزعم الثيولوجي وتكشفه كل التحريات والدراسات التاريخية واللغوية والاجتماعية التي لا يمكن للعقل المتشدد أن يقر ويعترف بعقول منافسة من أجل ذلك جرى قمع وكبح جماح أي تفكير خارج تلك الأطر فكان هذا الكم من الفتاوى والتفاسير التي تكرر نفسها من أجل ذلك طالب المفكر محمد أركون باللامفكر فيه .وطالب المفكر حسن حنفي بلاهوت التحرير والتنمية والحفاظ على البيئة والتقدم والثورة والأرض 
لابد من غلبة العقل المعرفي على العقل الخرافي كيف يمكننا إصلاح المجتمع بعقل غير صالح ؟وكيف نحدث تاريخنا بعقل غير محدث ؟وهل تقوم النهضة بعقل غير ناهض ؟أسئلة لا بد من الإجابة عليها ,لأن من دون الإجابة العلمية المعرفية بعيدا عن الطوباوية ,لا يمكن من وضع حد لصراع دائر منذ عصر النهضة ما بين أنصار التراث وبين أنصار الحداثة ,قد تكون هذه المسألة في نظر البعض مجرد صفصطة كلامية ,في زمن سطوة السلفيات الدينية المتطرفة والتي تريد العودة بالمجتمعات العربية الإسلامية إلى زمن القرون الوسطى ,إذا ماالعمل ؟لا أجد مخرجا آنيا مما نحن فيه ,إلا بمواجهة العقل الخرافي بالعقل المعرفي ,على أن تتشكل الكتلة التاريخية ,لبث روح التنوير في وسط شعوب عمل الفقهاء لعقود من السنوات على تسطيح العقول ,وإلا ما معنى التأيد والإلتفاف الشعبي حول تلك الفرق المتطرفة في أي وسط وجدت فيه ,لا بد من دور تنويري لطليعة منفتحة في أوساط الجامعات والمواقع التربوية والثقافية تمهيدا لولادة من يقوم بالإصلاح الديني الذي لا بد منه للخروج من أزمتنا الحضارية ,ووضع حد لتخلفنا ,إسوة بما فعلته غيرنا من الأمم .أما عن العقل والدولة فالخلافة نظرا لكثرة الحديث عن الدولة والخلافة وموقف الإسلام من ذلك ,خاصة من قبل الخطاب السلفي ,المنطلق من الماضي ,أي حول الخلافة والإمامة وأصول الحكم في الإسلام ,دون أن يغوص في القضايا التفصيلية والمتعلقة بالدولة والسلطة ..نلمس مدى هشاشة وهزالة ما خرجت به السلفية المعاصرة بمختلف تلاوينها من قراءتها للتاريخ الإسلامي , وبكلمة أخرى ,من تأويلها للشرع الإسلامي .إذ تقرأ السلفية التاريخ في الشرع وتقرأ الشرع في التاريخ ,تماما مثلما تقرأ الدولة في الدين والدين في الدولة ,ومن الملاحظ أن الفكر الجديد للحركات السلفية ,ساده الإنقسام : بين توجيه الإهتمام على فكرة النظام الإسلامي وبين توجيهه على فكرة الدولة الإسلامية ,ومثالنا على ذلك كتابات الإمام الخميني في موضوع الحكم الإسلامي وولاية الفقيه .واقع الأمر ,ان جل التغيرات التي أدخلها النظام الإسلامي ,لاتتعدى نظام الأسرة والأخلاق والعلاقات الإجتماعية ,أما على صعيد الدولة ,فقد حافظت على كثير من التقاليد والمؤسسات الموروثة عن الدولة الأوروبية المقتبسة ,فإيران الجمهورية لها دستور وفيها نظام انتخابي وأحزاب ووزراء وغير ذلك من مؤسسات ومفاهيم لا علاقة لها بمصادر التشريع الإسلامي ..أضع هذا الكلام في رسم القراءات وهي قراءة عن قراءة ,لنصوص فسرت وأولت بناء لحاجات عصرهموليس لحاجات ومستجدات عصرنا .