مرَّت الدهون الغذائية بالكثير من التمحيصات على مر السنين، فبعد أن تجنَّبها الناس باعتبارها تسبب ارتفاعاً في معدلات السمنة والسكري من النوع الثاني عقوداً (تبين فيما بعد أنَّ السكر هو سبب ذلك)، وأصبحت الدهون الآن إشارة إلى أنَّ الجسد سليم ومعافىً.

وأصبحت المكسرات والبذور تحل محل الزبادي قليل الدسم كوجباتٍ خفيفة، وازداد عدد الأشخاص الذين يتجهون إلى الوجبات الغذائية ذات الدهون العالية ومنخفضة الكربوهيدرات؛ لمحاولة التعامل مع السمنة والأمراض المرتبطة بها.

وإذا وضعنا ما يتداوله الناس عن الدهون جانباً، نجد أنَّ الدهون في واقع الأمر من المغذيات الكلية الأساسية لصحتنا، ومن دون ما يكفي من الدهون في نظامنا الغذائي، يمكن أن يعاني الجلد، والشعر، والهرمونات، ومستويات الطاقة، والوظائف الأيضية.

لفهم المزيد عن الدهون، ولماذا نحن بحاجةٍ إليها، وما يحدث عندما لا نأكل ما يكفي من الدهون، تحدَّثت النسخة الأسترالية من "هاف بوست" إلى ريبيكا غاوثورن، وهي أخصائية تغذية ممارِسة ومعتمدة.

لماذا نحتاج إلى تناول الدهون؟

نقلت النسخة الأسترالية عن ريبيكا غاوثون قولها: "الدهون جزءٌ أساسي من نظامنا الغذائي وضروري لنحظى بصحةٍ جيدة، وللدهون العديد من الأدوار الحيوية، بما في ذلك المساعدة على امتصاص ونقل الفيتامينات القابلة للذوبان بالدهون (أي فيتامين أ، وفيتامين د، وفيتامين هـ، وفيتامين ك) إلى جميع أنحاء الجسم، ما يحمي أعضاءنا، ويعمل كعازلٍ للحفاظ على حرارة أجسادنا".

وأضافت: "تمد الدهون أجسادنا أيضاً بالأحماض الدهنية الأساسية المطلوبة لبناء أغشية الخلايا والحفاظ عليها، وهو أمرٌ مهم للبشرة، والشعر، والعينين، والقلب، والدماغ، وأكثر من ذلك. وتساعد الدهون على تكوين بعض الهرمونات، وعلى الشعور بالشبع".

ما هي أنواع الدهون الصحية وغير الصحية؟

عندما نتحدث عن الدهون الغذائية، فمن المهم ملاحظة أنَّه لا يجري تكوين كل الدهون بالشكل نفسه، ونحن بحاجة للتركيز على الدهون "الصحية" وتقليل مقدار ما نتناوله من الدهون الأخرى.

وقالت ريبيكا: "هناك أنواع مختلفة من الدهون تُصنَّف وفقاً لتركيبها الكيميائي، وبعضها صحي أكثر من غيره".

الدهون غير المشبعة (الأحادية والمتعددة)

وقالت ريبيكا: "الدهون غير المشبعة هي الدهون الصحية، وهي جزء مهم من اتباع نظام غذائي صحي".

وهناك نوعان رئيسيان من الدهون غير المشبعة: الدهون المتعددة غير المشبعة، والدهون الأحادية غير المشبعة. وتشمل الدهون غير المشبعة:

الأحماض الدهنية أوميغا 3، التي توجد في الأسماك الزيتية؛ مثل: سمك السلمون، والتونة، والسردين، والأنشوجة، والجوز، وزيت الكانولا، ومنتجات الصويا، وبذور الكتان، والبيض الغني بالأوميغا 3.

الأحماض الدهنية أوميغا 6، التي توجد في بعض الزيوت؛ مثل: نبات القرطم، وزيت فول الصويا، إضافةً إلى بعض المكسرات والبذور؛ مثل بذور السمسم، وبذور الكتان، وبذور القنب، وحبوب الصنوبر.

وتابعت ريبيكا: "تُعتَبر الدهون الأحادية غير المشبعة دهوناً (صحية) أيضاً، وتوجد في الأطعمة النباتية؛ مثل الأفوكادو، وزيت الزيتون، والمكسرات مثل الكاجو واللوز".

وتُخفِّض كلٌ من الدهون غير المشبعة الأحادية والمتعددة نسبة الكولسترول منخفض الكثافة في الدم عندما تحل محل الدهون المشبعة في النظام الغذائي. وأظهرت الدراسات أنَّ استهلاك الدهون الصحية مرتبطٌ بانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب، وتحسين صحة الأمعاء.

الدهون المشبعة

وقالت ريبيكا: "لا تُصنَّف الدهون المشبعة ضمن الدهون (الصحية)؛ لأنَّ الدراسات أشارت إلى أنَّ تناول كميات كبيرة من الدهون المشبعة مرتبطٌ بارتفاع نسبة الكولسترول في الدم، ويُمثِّل أحد عوامل الخطر للإصابة بأمراض القلب".

وفي حين أنَّ الأدلة حول الدهون المشبعة وأمراض القلب غير حاسمة، يتفق معظم خبراء الصحة في الوقت الراهن على أنَّ استبدال الدهون المشبعة بالدهون غير المشبعة هو خيارٌ أكثر صحة.

وتتسم الدهون المشبعة بأنَّها تكون في الحالة الصلبة بدرجة حرارة الغرفة، وتوجد في:

منتجات الألبان؛ مثل: الزبدة، والكريمة، والآيس كريم، والحليب، والجبن.

اللحوم؛ مثل: اللحوم الحمراء، واللحوم المصنَّعة، والدجاج.

بعض المنتجات المشتقة من النباتات، مثل: زيت وكريمة جوز الهند، وزيت النخيل، وسمن الطهي.

الأطعمة المصنّعة، مثل: الأطعمة المقلية جيداً (مثل الرقائق، والفطائر، والأطعمة المدهونة بالزبدة) والأطعمة الخفيفة الدسمة، والكعك والبسكويت المُغلَّف، والمعجنات، والفطائر.

الدهون المتحولة

من بين جميع أنواع الدهون الغذائية، علينا أن نتجنب الدهون المتحولة أكثر من غيرها.

فقالت ريبيكا: "الدهون المتحولة مصنفة على أنَّها (دهون غير صحية)؛ لأنَّها تزيد من مستوى الكولسترول السيئ (منخفض الكثافة) وتقلل من مستوى الكولسترول الجيد (مرتفع الكثافة) في الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب".

وتابعت: "الدهون المتحولة هي دهون غير مشبعة في الأصل، لكنَّها معالجة صناعياً، وتتصرف مثل الدهون المشبعة داخل الجسم، وتوجد الدهون المتحولة في الأطعمة المصنّعة؛ مثل: الأطعمة المقلية جيداً، والفطائر التجارية المخبوزة، والمعجنات، والكعك، والبسكويت، ويمكن أن تحتوي المأكولات المُعجَّنة (مثل زبدة الفول السوداني والزبدة والمربى) والمارغرين على دهون غير مشبعة".

كم من الدهون علينا أن نأكل يومياً؟

قالت ريبيكا: "الدهون ضرورية في نظامنا الغذائي، ويُفضَّل أن يكون إجمالي كمية الدهون التي نتناولها بين 25 و30% من إجمالي استهلاكنا للطاقة".

وتابعت: "يجب ألا تزيد نسبة الدهون المشبعة على 10% من إجمالي استهلاكنا للطاقة، مما يترك النسبة الباقية للدهون غير المشبعة، ويُفضَّل أن نستبدل الدهون المشبعة والدهون المتحولة بالدهون غير المشبعة في نظامنا الغذائي بقدر ما نستطيع".

ولتلبية متطلباتنا اليومية التي يُنصَح بها من الدهون، علينا أن نركز على تناول المكسرات، والبذور، والأفوكادو، وزيت الزيتون، والأسماك الدهنية.

وأضافت ريبيكا: "يُنصَح بتناول البالغين من 250 إلى 500 ملغم من الأطعمة البحرية التي تحتوي على أوميغا 3 يومياً؛ للحد من خطر الإصابة بأمراض القلب، ويمكن تحقيق ذلك بتناول وجبتين أو ثلاث (150 غراماً لكل منها) من الأسماك الزيتية في الأسبوع، وكذلك تناول غرام واحد من أوميغا 3 من مصادر نباتية".

هل تزيد الدهون وزنك؟

لا يزال كثيرٌ من الناس يتجنَّبون المكسرات، والبذور، والأفوكادو؛ خوفاً من أنَّ هذه الأطعمة "تزيد الوزن". لكن هل هذا صحيح؟

قالت ريبيكا: "عندما تؤكل الدهون بكميات كبيرة (بما في ذلك الدهون الصحية) يمكن أن تُسهم في زيادة الوزن".

وبعبارة أخرى، الأمر متعلق بكمية الدهون الغذائية التي تتناولها.

وتابعت: "الدهون تمد الجسم بنسبة أكبر من الطاقة مقارنةً بالمغذيات الكلية الأخرى، (الكربوهيدرات والبروتين)؛ لذلك يُرجَّح أن يساعد تناول نسبة قليلة من الدهون عموماً على فقدان الوزن، لكنَّ تضمين الدهون غير المشبعة بكمياتٍ معتدلة في وجباتنا الغذائية ضروري لصحتنا، وفقدان الوزن بصورة صحية أو الحفاظ على وزن صحي".

وأضافت ريبيكا: "إذا كنت تحاول إنقاص وزنك، فيجب ألا تتبع نظاماً غذائياً خالياً من الدهون أو ذا دهون قليلة، لكنَّ بدلاً من ذلك حاول الحد من تناول الدهون المشبعة والمتحولة، واستبدالها بكميات معتدلة من الدهون غير المشبعة".

9 علامات تشير إلى أنَّك لا تأكل ما يكفيك من الدهون

أوضحت ريبيكا أنَّه مثلما تساعد الدهون الصحية أجسادنا على بناء أغشية الخلايا والحفاظ عليها، وامتصاص الفيتامينات ونقلها، فإنَّ تناول كميات غير كافية يؤدي إلى إضعاف وظائف هذه العمليات.

وتشمل العلامات التي تشير إلى تناول كميات غير كفاية من الدهون التالي:

جفاف وتقشُّر البشرة

جفاف العينين

الشعور بالبرد باستمرار

جفاف الشعر و/أو تساقطه

المشاكل الهرمونية، بما في ذلك انقطاع الدورة الشهرية

عدم القدرة على الشعور بالشبع/الشعور الدائم بالجوع

صعوبة في التركيز و/أو التعب العقلي

نقص في الفيتامينات القابلة للذوبان بالدهون

إرهاق مستمر

(هافينغتون)