في إطار سعيه، للبحث عن مواطن بديلة لما بات يفقده، يسعى «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) إلى نقل الصراع نحو غرب إفريقيا، بعد تصاعد خسائره على الصعيدين العسكري والأيديولوجي عقب معارك مدينة الموصل العراقية.
 

إلى القارة السمراء، حيث الجماعات المسلحة في انتظار الجديد من المنضمين إليها، صوبت أعين التنظيم نحو المنطقة لتكون وطنًا جديدًا؛ بعد تراخي قبضته على مناطقه في سوريا والعراق؛ جراء الهجمات التي يتلقاها من التحالف الدولي والقوى المسلحة المحلية.

«تنظيم الدولة» يشد الرحال إلى غرب إفريقيا

«أنهيت تعليمي الثانوي منذ ثلاثة أعوام، ومنذ ذلك الحين لم أتمكن من العمل، ولا أملك النقود لدخول الجامعة، اتصل بي هذا الغريب على صفحتي بالفيسبوك ووعد بمليون دولار إن عملت لصالحه، فكيف لي أن أرفض عرضه؟» كان هذا جزءً مما قاله شاب غاني في الحادية والعشرين من العمر، تمكن تنظيم الدولة من تجنيده.

 

 يشكل الشباب في غانا ودول غرب إفريقيا بشكل عام، هدف سهل للتنظيمات المتطرفة، هناك حيث ينتشر الفقر وترتفع نسب البطالة، وتزيد المشاكل الطائفية، والتهميش الاقتصادي والسياسي، فيسعى تنظيم الدولة للتغلغل، وينشط عبر استخدام الإنترنت لتجنيد الشباب الغرب إفريقي.

وتجمع العوامل السابقة في جعل غرب إفريقيا أرضًا وبيئة ووجهة حاضنة لـ«داعش»، الذي يمنى منذ أكثر من عام بخسائر فادحة بسبب ضربات التحالف الدولي والقوى المسلحة المحلية في كل من سوريا والعراق.

وتذكر صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية في تقريرها المعنون بـ«إفريقيا هدف جديد لداعش» أن: «تنظيم الدولة الإسلامية على حافة الانهيار في سوريا والعراق، ولذا فإنه يسعى للحصول على موطئ قدم في القارة الإفريقية لتصدير إرهابه»، وقد تحدثت مصادر عسكرية فرنسية أن التنظيم أرسل 15 مدرّبًا عراقيًا في العام الماضي إلى نيجيريا، قام هؤلاء بتدريب عناصر «بوكو حرام» على تقنيات القتال والتّعامل مع المتفجّرات وتصنيع أسلحة يدوية بما في ذلك قاذفات الصواريخ.

وتدرك دول غرب إفريقيا وأجهزة الاستخبارات فيها خطر وصول التنظيم إلى مناطقهم، وفي يونيو (حزيران) الماضي، أعلن عن البحث بشكل جدي عن تشكيل قوة إقليمية لمكافحة الإرهاب، وقال رئيس مفوضية المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا «البنيني مارسيل آلان دو سوزا»: «تصاعد الأعمال الإرهابية في منطقتنا يجبرنا على تقاسم المعلومات حول أنشطتهم وتنسيق جهودنا وتعبئة مواردنا لمواجهتهم»، حسب وكالة أنباء السنغال.

يقول الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة مصطفي زهران: «إن تنظيم الدولة سينتشر رأسيًا وأفقيًا بمعنى أنه سينتشر في أماكن مختلفة في إفريقيا، ملتصقًا بتكويناته في غرب إفريقيا ممثلة في جماعة «بوكو حرام» وغيرها»، مضيفًا لـ«ساسة بوست»: «التنظيم سيكون له محاولاته في الانتشار، كالاعتماد على الخلايا النائمة، فضلًا عن العودة إلى الصحراء مرة أخرى كما بدأ، وفي المجمل فإن حالة التصدع التي يتعرض لها التنظيم تجعله مشتتًا في تحديد خياراته».

ويشدد «زهران» على أن تنظيم الدولة في حالة مرتبكة جدًا، وفي أسوأ حلقاته يريد إعادة التموضع، ليس من أجل القوة، بل من أجل الحفاظ على ما تبقي من كيانه، ويختم بالقول: «سيكون المشهد محاولة من التنظيم للبقاء أطول وقت ممكن بالتموضع حتى يتشكل من جديد».

«بوكو حرام» تمهد طريق «تنظيم الدولة» في غرب إفريقيا

مهد تواجد ومبايعة العديد من الجماعات المتطرفة في غرب إفريقيا الطريق والملاذ الآمن لـ«تنظيم الدولة»، وقد عمل التنظيم على نيل مبايعة هذه التنظيمات له، في خطة إستراتيجية يطلق عليه المراقبون اسم: (بقعة الحبر)، بحيث يتسع كل فرع مثل بقعة الحبر على ورق نشاف.

 

نيجيريا/ اضطرابات بوكو حرام

واحدة من أهم هذه التنظيمات في غرب إفريقيا هي جماعة «بوكو حرام»، التي أعلنت في السابع من مارس (آذار) 2015 مبايعتها وولاءها لـ«تنظيم الدولة» ولقائدها الخليفة أبي بكر البغدادي، فأصبح اسم الجماعة «الدولة الإسلامية.. ولاية غرب فريقيا». تنشط «بوكو حرام» في نيجيريا التي تصدرت مؤخرًا قائمة الدول الإفريقية الأكثر عرضة للهجمات الإرهابية، فحسب تقرير «إفريقيا في مرحلة حاسمة.. إفريقيا عند نقطة اللاعودة» الذي أصدرته مؤسسة «مو إبراهيم السنغالية» أودت هذه الهجمات بحياة 17930 شخصًا خلال عامين (2014، 2015)، والأهم أن الجماعة بعد مبايعة «تنظيم الدولة» تسعى إلى توسيع نطاق نفوذها وارتكاب عمليات مسلحة على نطاق أوسع خارج نيجيريا.

لكن لا يمكننا إغفال حقيقة الأزمة التي وقعت مؤخرًا بين جماعة «بوكو حرام» و«تنظيم الدولة»، بسبب قيام الأخير بتعيين قائد جديد للجماعة هو «أبو مصعب البرناوي»، فالبرناوي الذي وضع خلفًا لـ«أبي بكر شيكاو» زعيم التنظيم منذ العام 2009 لم يفرح كثيرًا بخلافته؛ إذ ظهر له «شيكاو» بشكل مفاجئ بعد الإعلان عن تنصيبه، وقال شيكاو الذي تمت مبايعة البغدادي على لسانه في العام 2015، معقبًا على تعين «البرناوي»، إنه تعرض لـ «خديعة من جانب تنظيم الدولة» رافضًا هذه الولاية.

وينبئ هذا الخلاف بتطور الأمور – ربما – نحو قتال داخلي على الزعامة، خاصة أن «شيكاو» يبدو مصرًا على عدم جعل أمر البيعة لـ«البغدادي» صك يبيح له التدخل في الجماعة، وقد تحدى بالفعل أوامر «تنظيم الدولة» الإسلامي، في سعي للانفصال عن التنظيم كما يقول المحلل الأمني النيجيري المتخصص في دراسة «بوكو حرام» فولان نصر الله، مضيفًا : «أعتقد أن الخلاف الأخير الذي دب بين (داعش) والجماعة المسلحة في نيجيريا يتجاوز نطاق القيادة، ويعد الخلاف الأكبر في تاريخ بوكو حرام».

وقد أكدت صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية على أن «إقدام داعش على تنصيب أبي مصعب البرناوي زعيمًا لـ«بوكو حرام» من شأنه أن يُعجل بانقلاب الجماعة الواقعة غربي إفريقيا على التنظيم المتشدد الأخطر في العالم»، وأضافت الصحفية في تقريرها المعنون بـ «الخلاف بين داعش وجماعة بوكو حرام النيجيرية يخرج للعلن»: «لم يتضح بعد أي من الجماعتين الإرهابيتين سيعلو كعبها على الأخرى، لكن الخلاف يجيء في الوقت الذي تمر فيه «بو كو حرام» بحالة من الضعف؛ جراء الهجمات التي يشنها الجيش النيجيري ضدها منذ العام الماضي».

أسباب صعوبة مواجهة تنظيم الدولة في غرب إفريقيا

تعاني دول غرب إفريقيا من انقسامات عرقية وقبلية وخلافات دينية ومشاكل حدودية وصراعات داخلية مع الأنظمة الحاكمة.

 

امرأة من نيجيريا تحاول الحصول على طعام

ما سبق يجعل المحلل السياسي «وائل علي» يرجع السبب الرئيس في ضعف مواجهة «تنظيم الدولة» إذا ما تغلغل واستقر أكثر في إفريقيا إلى كونها منطقة مليئة بالاضطرابات، ومؤسسات الدولة فيها ضعيفة، كما أن جيوشها غير قوية، ويضيف «علي»: «هذا ما يجعل التنظيم خطرًا كبيرًا في إفريقيا، كما أن النفوذ الأمريكي في إفريقيا ليس كبيرًا كالنفوذ الصيني والفرنسي، والصين وفرنسا ليست من الدول التي تتدخل لقتال التنظيمات بشكل مباشر وعاجل، وسياساتهم تقوم على مبدأ الاحتواء الاقتصادي والسياسي، وهذا ما يجعل التنظيم خطيرًا جدًا».

 ويتابع وائل علي القول لـ«ساسة بوست»: «المشاكل الاجتماعية والطائفية والقبيلة في إفريقيا عميقة جدًا، الكاميرون ونيجيريا وتشاد فيها أزمة عميقة جدًا، أزمة الشمال والجنوب، مشاكل دينية وعرقية كبيرة تجعل منها بيئة مناسبة جدًا لتنظيم».

ويؤكد «علي» أن تحالف «تنظيم الدولة» مع جماعة «بوكو حرام» مكنه من أن يجد له موطئ قدم في إفريقيا السوداء، ومن ثم تكوين خلية وولاية في غرب إفريقيا، حيث الضغوط في إفريقيا أخف منها في الشرق الأوسط.

ويوضح «علي» أن التنظيم مثلما استطاع النمو في المنطقة العربية في إطار الخلاف الشيعي السني، وفي إطار الخلاف العربي الكردي، وتصدير نفسه بمظهر حامي الإسلام والهوية السنية، يمكنه ذلك من أن ينشأ لذات الأسباب في غرب إفريقيا، تلك البيئة التي تساعد على التمرد، أرض الغابات التي ستكون بمثابة المقابر لأي قوة تحارب التنظيم، حسب «علي» الذي ختم بالقول: «لا يمكن القضاء على التنظيم في إفريقيا إلا بحل الإشكاليات الثقافية والمشاكل الطائفية والدينية، فالآن هناك أزمة عميقة في نيجيريا بين المسلمين والمسيحيين، والأسباب التي دفعت الشباب النيجيري للانضمام إلى بوكو حرام للدفاع عن الهوية ما تزال قائمة».

كما يشكل انتشار التنظيم في غرب إفريقيا خطرًا على تأمين تدفّق النفط الإفريقي الذي يتمتّع بأمان نسبي في طريقه إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية، فكما يشير أستاذ العلوم السياسية المصري «عمار علي حسن» في مقاله (داعش في القارّة السمراء … على خُطى القاعدة وأعوانها) أنه «يمكن لتنظيمات مُتطرّفة تابعة لداعش أن تندمج في عملية استهداف وسائط نقل الطاقة في إفريقيا، سواء النفط أو الغاز، فتفجّرها إن لم تتمكّن من الاستيلاء عليها وتستغلها إن تمكّنت، على غرار ما جرى في العراق وسوريا، حيث حوّلت آبار ومصافي نفط في البلدين إلى مصدر رئيس لدخلها من خلال بيعه في السوق السوداء».

في غرب إفريقيا .. صراع نفوذ بين القاعدة و«داعش»

في الخامس من يناير (كانون الثاني) 2017، شن زعيم تنظيم «القاعدة» أيمن الظواهري هجومًا حادًا على زعيم «تنظيم الدولة» أبي بكر البغدادي، وحملت رسالته التي تزامنت مع العمليات العسكرية التي يتعرض لها «تنظيم الدولة» في كل من العراق وسوريا، دلالة على أن القاعدة تحاول استغلال تراجع نفوذ «تنظيم الدولة» على المستويين التنظيمي والعملياتي.

 

جندي صومالي بالقرب من حافلة اخترقت في عملية لحركة الشباب المتطرفة

في غرب إفريقيا، المنطقة التي يهيمن عليها تنظيم القاعدة، عاد نجم القاعدة يصعد مرة أخرى؛ فقد شن التنظيم العديد من الهجمات في أكثر من مكان، ووثق تقرير نشرته وكالة أنباء الشرق الأوسط في يناير (كانون الثاني) الماضي ١٠١ هجوم العام2016، وتؤكد خريطة العمليات الإرهابية، كاقتحام منتجع ساحلي في ساحل العاجل، أو  تمرد منخفض المستوى في شمال مالي، على أن «تنظيم الدولة» والقاعدة يخوضان حرب مواقع للسيطرة على القارة الإفريقية انطلاقًا من منطقة غرب إفريقيا.

ويؤكد الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة مصطفى زهران على أن القاعدة تحاول ملء الفراغ في دول غرب إفريقيا مع إدراكها لأهمية محاربة التنظيم بعد تصريحات قوى غربية بضرورة إيلاء اهتمام أكبر لمواجهة «تنظيم الدولة»، حيث أعلن قبل يومين وزير الدفاع الأمريكي «جيمس ماتيس» وهو يتحدث عن جهود التحالف الدولي في ضرب لـ«تنظيم الدولة»، أن «هناك عمليات جارية ضد تنظيم الدولة في غرب إفريقيا، وهناك خططًا توضع لتسريع القضاء عليه»، ويوضح زهران أن «تبني القاعدة في مناطق نفوذها لقضايا السكان هو ما يميزها عن تنظيم الدولة، الذي يعني أكثر بتنفيذ سياساته بمنأى عن مصالح القبيلة».