"الأولاد جاؤوا وأخبروني عنها". عبارة صادمة قالتها المعلمة بياريت سلابا لـ"النهار"، قاصدةً بها لعبة blue whale التي تنتشر الأحاديث عنها عالمياً كالنار في الهشيم، في الأسابيع الأخيرة، والتي أجمعت التحذيرات على أنها تدفع الأطفال الى الانتحار بعد الوصول الى المستوى الأخير منها. أول التحذيرات أرسلته الى الأهل مدرسة premier international school في أبوجا بنيجيريا، تحضهم على التنبه للعبة يتم تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي في أكثر من اسم منها blue whale، a silent house، a sea of whale، وأكثر.

في لبنان التحذيرات واجبة، في ظل انخراط الأولاد في عالم الانترنت، وقد باتوا على علمٍ بها، وتالياً قد يقدمون على تجريبها بدافع الفضول، ولأنهم أصلاً باتوا يعيشون في اطار العالم الافتراضي، وهو واقعٌ عبّرت عنه سلابا في قولها إن 60% من الاولاد الذين عاصرتهم في المرحلة الابتدائية خلال السنوات الأخيرة يدمنون الالعاب الالكترونية ولا يتخالطون بشكلٍ فاعل مع اصدقائهم، بل يكوّنون علاقة خاصة مع هواتفهم.

ومن النتائج المؤسفة التي تعبّر عنها سلابا ان "الأولاد باتوا يتنافسون في الالعاب لا في التحصيل العلمي، ويجدون ان معيار النجاح يقاس من خلال العالم الكتروني والافتراضي ولا يعتمد على معايير الحياة الشخصية والتعليمية". حتى أنهم خلال تصفحهم الكتب الكترونياً في الصفوف عبر الآيباد، يبادرون الى الاستعاضة عن متابعة النص الكترونياً، بتنزيل تطبيقات الألعاب داخل الصف وخوض التحديات الافتراضية، رغم مبادرة الأساتذة دورياً الى مراقبة محتوى الآيباد الخاص بهم ومحو كلّ التطبيقات التي لا علاقة لها بالدراسة. ويتأرجح موقف الأهالي بين اللجوء الى المدرسة ومطالبة الأساتذة بمساعدتهم لتنظيم حياة أبنائهم والابتعاد عن فوضى الألعاب الالكترونية، ومن لا يهتمون بالمسألة في الأصل.

ما هي blue whale؟

للخوض في تفاصيل اللعبة الغامضة وخباياها، أجرت "النهار" حديثاً مع المحاضرة في جامعة اوكسفورد الدكتورة في علم النفس الاجتماعي والعيادي كريستينا الرياشي، التي سبق لها أن درست مضمون التطبيق الالكتروني المذكور. تقول إن ما جذب الاولاد الى هذه اللعبة هو انها تؤمن لهم مجتمعاً افتراضياً نخبوياً يطمحون الى العيش في كنفه. فهم يمتلكون الحرية في اختيار المجموعة المجتمعية التي يرغبون في الانتماء اليها من خلال اللعبة. وبعد أن تشعرهم بأنهم أشخاص مهموّن وذوو سلطة، تحضّهم أكثر على البحث عن التميّز. المرشد الافتراضي في اللعبة يطلب منهم تحقيق مطالب معينة في كلّ مستوى من مستوياتها، فيتبعون التعليمات حتى يصلوا الى مرحلة إشباع أحلامهم والأهداف التي رغبوا في تحقيقها ووجدوها في العالم الافتراضي. وهنا يشعرون افتراضياً بأن حياتهم باتت مملة بعدما حققوا كلّ ما أرادوه.

 

في هذه المرحلة يبدأ السعي افتراضياً الى الانتحار، كما يحصل عادةً مع بعض المشاهير الذين يقدمون على الفعل نفسه بعد أن يشبعوا حياتهم، اذ يقول المرشد لهم إنهم سيصعدون الى الجنة بعد الموت، وسيكونون مميزين عند الرب. ويشجعهم على كتابة رسالة معيّنة تعبّر عنهم، مما يعني أنهم تركوا أثراً في المجتمع الذي عاشوا فيه. بادئ الأمر، يزرع المرشد الفكرة في ذهنهم على شكل أمنية. والأمنية تتحوّل في المستويات اللاحقة من اللعبة الى فكرة عن الموت. والفكرة بدورها تتحوّل الى تهديد بقتل النفس. والايعاز يصير في المستويات اللاحقة اقتناعاً. والاقتناع يحتاج الى تخطيط تنفيذي (plan) لا يلبث ان يتحول الى تفاصيل مخططُ لها مسبقاً.

وتضيف الرياشي: "تلي هذه المرحلة فكرة المقاومة والتخلي عن قرار تنفيذ خطوة الانتحار، نظراً الى صعوبته، كما يتخلى الراغب في الانتحار واقعياً عن تنفيذ فكرته، تمسكاً بأملٍ معين، قبل ان يبادر الى المحاولة أكثر من مرّةٍ جديدة، وهو عندما يفقد الأمل كلياً يعود لينفّذ مسعاه جدياً. بعد مرحلة المقاومة، يعود المرشد ليشجع الأولاد على الانتحار في المستوى الجديد من اللعبة. ويتفق والطفل على يومٍ ينفّذ فيه العملية افتراضياً، وهكذا يحصل في المستوى رقم 50 من اللعبة التي تشهد انتحار اللاعب بعدما حقّق كل ما يريده".

وتفسّر الرياشي أن كلّ هذه الأحداث الافتراضية، تدرّب دماغ الطفل على التفكير بالطريقة نفسها التي عايشها في اللعبة، وهو ما يزيد احتمال ان يعرّض سلامته الجسدية للخطر والتفكير ملياً في الانتحار بعد الانتهاء منها.

دور المدرسة

تسمح بعض المدارس للأولاد باقتناء الهواتف في حرمها، فيما تمنع نسبة كبيرة منها استخدام هذا الجهاز الا في الصفوف المتوسطة. كما تلجأ نسبة منها الى استخدام استراتيجية توضيب الهواتف في خزانة خاصة، خلال الحصص الدراسية، لكن ذلك لا يمنع الطلاب من استخدام أجهزتهم خلسةً. "في النهاية، لا يمكننا تكليف حارس يومي تفنيش مقتنيات التلاميذ"، يقول رئيس المركز الكاثوليكي للاعلام الأب عبده ابو كسم. وفي حديثٍ الى "النهار"، يشير الى أن "الانخراط في العالم الافترتضي يعزل الاولاد عن العالم الخارجي. وهذا ما أدى الى انعدام التواصل بنسبة 80%".

وعن دور المدارس في الحدّ من هذه الظاهرة يقول: "ننبّه الى مخاطر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ونشرح عن فوائدها، خصوصاً ان أغلبية المدارس لم تعد تعلّم بشكل تقليدي، بل تعتمد الألواح الالكترونية. الدور الذي تؤديه المدرسة لا بدّ ان يستكمل مع الأهالي. في اجتماعات مجالس الأهل نحرص على ضرورة مواكبة الأولاد، ولكن تجاوب الأولاد مع العائلة ضعيف في سن المراهقة، اذ نجد انهم يعيشون في عالمهم الخاص وفي اغلبيتهم لا يكترثون". ويدق ناقوس الخطر، معتبراً ان "ظواهر الانتحار بين الأطفال الى ازدياد يومياً نتيجة الألعاب او غيرها. المواقع الالكترونية تدخل الانسان في المجهول بعد أن يكون دخلها لاكتساب معرفة، لكنه يصل الى مكان يخال فيه ان الحياة انتهت واكتفى، فينتحر. وعن تشارك المسؤولية بين المدرسة والعائلة، يضيف: "ايّاً تكن الاسباب، المعالجة تتم على صعيدين. مسؤولية الأهل بالدرجة الأولى تربوية عائلية، ومسؤولية المدرسة التي لا بد ان تقوم بدورها، تربوية تثقيفية".

 


الجمعيات الأهلية

فضلاً عن دور المدرسة، بدأت الجمعيات الأهلية التنبه لضرورة نشر الوعي في صفوف الأولاد والمراهقين وطلاب الجامعات، وعلى رأسهم جمعية Embrace التابعة للمركز الطبي في الجامعة الأميركية في بيروت AUMC التي بدأت التواصل مع البلديات بغية التوعية لكيفية مناهضة ظواهر الانتحار ومساعدة الأولاد على التخلص من مظاهر اليأس ومن خلال التواصل مع المعلمات في المدارس لتلقينهم كيفية التصرف مع التلاميذ. وفي هذا الصدد، تقول الباحثة المساعدة في جمعية Embrace سناء مغربل لـ"النهار" إن المشروع يستغرق سنتين بدعم من وزارة الداخلية والبلديات، "سنجول خلاله على كل البلدات اللبنانية ونقيم حلقات التوعية على كيفية تخطي حالات الاكتئاب واليأس ومناهضة مظاهر الانتحار". الخطوة الأولى بدأتها الجمعية يوم السبت الماضي من خلال محاضرة قدّمتها، فيما وجهتها المقبلة تتلخص في أربع مناطق لبنانية هي على التوالي: بتلون، الشوف، روميه والمتين. على أمل أن ينتصر الأمل!