عندما تكثر الضغوطات الحياتية والإقتصادية والمعيشية، نُصاب بالخيبة.. عندما تدور الدنيا على أحلامنا وطموحاتنا، نستسلم للواقع.. عندما تشتدّ الحياة قساوة، نفقد الأمل.. عندما نرسب أم نفشل في المدرسة، الجامعة، أو العمل، قد نعود للمحاولة. ولكن مهما عَصَفَت بنا المصائب، قد نصمد وعلى الأقلّ نبقى أحياءً، غير أن ما يمكنه أن يقضي علينا بشكل نهائي هو المرض، كما ينسف، ولو بشكل غير مباشر، أيامنا وأيام كل من يحيط بنا. وما أسوأ من القاتل الصامت: السرطان!


نقل هذا الواقع ليس لنشر اليأس وفقدان الإرادة بالعيش، بل لفتح طاقة أمل جديدة، مليئة بالتفاؤل، فالسرطان لم يعد قاتلًا!! كيف ذلك؟ إليكم ما توصلت إليه آخر الأبحاث السريرية على البشر مع علاجات جهاز المناعة (Cancer Immunotherapy).

شفاء السرطانات

طبيب الأمراض السرطانية وأمراض جهاز المناعة والباحث في علم جهاز المناعة والسرطانات في المركز السويسري لأمراض للسرطان وجهاز المناعة، الدكتور اللبناني ميشال عبيد يؤكد من جنيف، في حديث لـ"لبنان 24" أنه "مع علاجات جهاز المناعة أصبحنا قادرين على شفاء عدة أنواع من السرطانات المتقدمة جداً والقاتلة والتي لا تتجاوب مع العلاجات التقليدية".

ويضيف الدكتور عبيد: "أصبحنا، مثلًا، قادرين على علاج سرطانات الجلد الأكثر تقدماً والشفاء منها، وذلك بنسبة 40 إلى 50%، وفي مراحل الإنتشار الكامل يشفى المريض منها بشكل تامّ"، مشددًا على أن "هذه النتائج لا تقتصر فقط على سرطانات الجلد، بل هي واقعٌ في كثير من الحالات (الرئة، الأعضاء التناسلية، سرطان الدم...). ولهذا السبب، أصبحت علاجات الـCancer Immunotherapy، تشكّل العلاج الأول المعتمد من قبل FDA (إدارة الدواء والغذاء) وEMA (وكالة الأدوية الأوروبية)، لهكذا أنواع من السرطانات، كما أنه سيتم اعتماد هذه العلاجات للعديد من أنواع السرطانات خلال الأشهر والسنوات القادمة".

"وبالرغم من أن هذه العلاجات لديها بعض الآثار السلبية"، يوضح عبيد أنها "أخف من تلك التي تحصل مع العلاجات التقليدية"، ويشير إلى "ضرورة الإشراف عليها من قبل فريق متخصص بجهاز المناعة"، معتبرًا أن "هذه ثورة طبية حقيقية، وهي الأهم منذ ما لا يقلّ عن 50 سنة".

Next Generation

في المقابل، يرى الطبيب أنه "ما زال هناك الكثير من الجهود والأبحاث المطلوبة للتوصل إلى فهم كامل لأسباب تجاوب بعض المرضى بشكل مذهل مع علاجات جهاز المناعة، في حين أن الفرق واضح مع أولئك الذين لا يتجاوبون جيدًا"، مضيفًا: "لهذا السبب بالتحديد، أُطوّر أبحاثي حاليًا لإنتاجNext Generation (الجيل القادم) من Cancer Immunotherapy، عبر عقار (دواء)، يُمكّن معظم المرضى من التجاوب مع العلاجات".

ويكشف عبيد أن "الأهم على الصعيد العالمي لإنتاج هكذا عقار يؤدي الى السيطرة الكاملة على الخلل النوعي في قدرة جهاز المناعة في القضاء على السرطانات، هي القدرة في إخفاء السرطان عن جهاز المناعة"، ويقول: "هذا العقار الذي أعمل على تطويره حاليًا، وهو في مراحل متقدمة من التجارب السريرية، قد يكون الحلّ للكثير من العوائق المناعية".

مستشفى متخصّص

في السياق ذاته، لا يخفي الدكتور عبيد أن أحد أحلامه هو المساعدة في إنشاء مستشفى متخصّص للسرطان في لبنان، بالتوازي مع مركز أبحاث ودراسات للغاية ذاتها، قادر على تأمين أحدث علاجات جهاز المناعة وخصوصاً العلاج بحسب الحالة (Traitement Personnalisé)"، موضحًا أن "هناك أنواع مختلفة للـCancer Immunotherapy، فتُشكّل في بعض الحالات الحلّ الأنسب للسرطانات التي لا تتجاوب مع الخط الأول من علاجات جهاز المناعة، التي تحتاج إلى مختبرات متخصصة جداً وفريق عمل قادر على إنتاجها".

أمّا عن أهميّة هذا المستشفى، فيقول الدكتور عبيد، إن "وجود هكذا مركز متخصّص سيُكسب لبنان، من دون أدنى شك، موقعًا عالميًا متقدمًا في هذا المجال، كما سيسمح للبنانيين بتلقي أفضل وأحدث العلاجات"، آملًا "أمام هذه النتائج الواعدة جداً وانتشار مرض السرطان بشكل سريع، أن يُنجز هكذا مشروع في لبنان قريباً".

إذًا، أمام هذه الإرادة القوية والقدرة الطبية الإستثنائية على منح الإنسان سنوات إضافية للعيش وشفائه، نأمل أن يتمكن عبيد من تحقيق طموحه عبر مشروع المستشفى المتخصص الذي يقضي على المرض الخبيث، ويعيد لبنان إلى الساحة العالمية بخطى ثابتة ومبهرة علميًا، فيبدأ من هنا التغيير في الصورة السلبية التي رَسَمَت لبنان بالخطوط العريضة لسنوات عديدة.