تخيلوا أن يمرّ إلى جانبكم شخص ترونه، لكنه ليس موجودا. أن يموت طفل لم يتجاوز عمره ستة أشهر لأنه لا يملك أوراقا ثبوتية. تخيلوا مجتمعا يتنقل فيه أكثر من 80 ألف إنسان، ـ حسب دراسات غير دقيقة ـ وكأنهم يرتدون "طاقية الإخفاء" فقط لأنهم مكتومو القيد، بعضهم بالوراثة وآخر بالولادة.

لا يجد الباحثون وسيلة لإحصاء أرقام من لا يملكون قيدا في النفوس، ولا يملك القيمون على متابعة قضايا هؤلاء أمام المحاكم أية أرقام.

مكتومو القيد، هم الخاسرون، إذ يحلمون بإثبات ورقي لهوياتهم، لأنهم قد لا يجدون مكانا لهم في هذه الدنيا بلا هذا الاثبات. هؤلاء لا يتمتعون بالحقوق المنصوص عليها في القوانين والاتفاقيات الدولية. محرومون من الاسم والجنسية والتعليم والعمل وحتى الرعاية الصحية أو الانتساب إلى الضمان الاجتماعي، من التملك والانتخاب، من الزواج والوفاة... والأخطر ربما من الانتماء.

ليست قضية مكتومي القيد بجديدة على اللبنانيين، هي تكاد أن تكون الغائبة ـ الحاضرة على طاولات منظمات المجتمع المدني، وفي الندوات كتلك التي نظمت أمس في بيت المحامي بدعوة من "لجنة الأسرة في نقابة المحامين" و"منظمة عدل بلا حدود" برعاية نقيب المحامين وبمشاركة ممثلين عن الأجهزة الأمنية المختلفة وهيئات المجتمع المدني ومحامين مهتمين.

ركز المحاضرون، أمس، على ما يتعرض له مكتوم القيد من عنف أسري ومجتمعي، كالاتجار بالبشر والملاحقة القضائية والاسترقاق والعمل القسري وارتكاب الجرائم والتورط القسري في الأعمال الإرهابية، فبدا الأمر وكأنه استسلام لواقع معين وبالتالي محاولة التكيف معه من خلال توفير منظومة حماية بالحد الادنى.

مكتومو القيد في لبنان موزعون، بحسب المحاضرين، بين لبنانيين لا يجري تسجيلهم قبل انقضاء سنة على تاريخ ولادتهم، وأجانب مولودون في لبنان ولم يسجلوا في سجلات وقوعات الأجانب في لبنان، فبقوا مجهولين. وبما أن هذه الحالات معروفة بدت "الورشة" وكأنها استذكار واستعراض للقوانين ليس أكثر.

في مداخلات ممثلي الأجهزة الأمنية كان الحديث واضحا عن غياب الإجراءات الموحدة في التعامل مع مكتومي القيد. فالقانون (17) منح قوى الأمن حق طلب الهوية (استجلاء)، وهنا تكمن المشكلة، إذ يمنح القانون أيضا هذه القوى حق اللجوء إلى التوقيف الوقائي، أو الإداري عندما يشكل شخص ما خطرا على نفسه أو الغير (حالات السكر مثلا)، على أن لا تتجاوز مدة التوقيف الـ 24 ساعة، واللافت للانتباه أنه يتم تطبيق هذا القانون على الأشخاص الذين لا يملكون هوية، من دون أن يكون هذا الأمر متصلا بالنيابة العامة إطلاقا إذا لم يتجاوز المدة المذكورة، وفي هذا مشكلة لمكتومي القيد.

لم ينسَ ممثلو القوى الأمنية التمييز بين من هم لاجئين أو مهاجرين، فالسوري وعلى قاعدة الالتزام بعدم ترحيله يمنح مهلة تبلغ العشرين يوما لترتيب إقامته، لكن المشكلة تكمن في أن هؤلاء يتجاوزون المدة من دون العودة، فتصدر بحق المتخلف مذكرات بحث وتحر، لكن المشكلة الأخرى أنه من الممكن أن يكون قد أدلى بمعلومات غير صحيحة عن هويته ما يشكل معضلة من نوع آخر.

هذه القضية لا تحتاج الى ندوات ولقاءات تكتفي بالسرد لا بتقديم مساعدة لمكتومي القيد. القضية تحتاج إلى حلول جذرية لأنها مرتبطة بشريحة كبيرة من البشر يعيشون في الظل ويموتون فيه، لا لشيء إلا لاعتبارات متعلقة بالتجاذبات الطائفية والسياسية والتجنيس والتوطين!