كان الطفل النازح يحاول اجتياز الطريق من جهة إلى أخرى، في تعنايل، علّه يقنع أحد السائقين بشراء علبة محارم. أسرع من دون الالتفات إلى يمينه أو يساره. لم تسعفه سرعته. قبل أن يصل إلى نافذة مبتغاه، عاجله الموت إذ صدمته سيارة مسرعة لم يتوقف سائقها بل تابع سيره وكأن شيئا لم يكن.  

هكذا قضى الطفل في محاولته للحصول على ألف ليرة، كان يأمل أن تسد بعضا من جوع، ليتحول إلى جزء من مشهد يتكرر يوميا على طرق البقاع. يكاد يكون المشهد نفسه بكل تفاصيله مع فارق في الأسماء فقط. مشهد يلعب فيه النازحون دور البطولة، فازدياد أعداد النازحين، زاد من نسبة الوفيات على الطرق، خصوصا أن الغالبية من أطفال النازحين تعمل في البيع على الشوارع، فيما يرافقهم كبار يبيعون أيضا.. ويشحذون، في ظاهرة تنتشر أمام المؤسسات التجارية على امتداد بلدات البقاع.  

يكاد لا يمر يوم على طرق البقاع من دون دماء. دماء العابرين والقاطنين. أطفال ونساء، ورجال، حتى صارت المعادلة مختصرة: «قتيل في الأسبوع»، من مواطنين وغير مواطنين، فالموت على الطرق لا يقتصر على النازحين بل يتعداه إلى أبناء البقاع، من طلاب في كليات الفرع الرابع الواقعة على الأوتوستراد الرئيسي في زحلة، إلى مراجعي مركز الضمان الاجتماعي في المدينة. ومن هؤلاء كانت زليخة الحاج حسين، امرأة قضت على مدخل ما كانت تظن أنه «ضمان»، صدمتها سيارة عابرة عندما كانت تهم بقطع الطريق من جهة إلى أخرى.   زليخة واحدة من عشرات قضوا في المكان نفسه، هي لن تكون الأخيرة حتما، خصوصا أن المئات من أبناء المنطقة يقصدون المركز المذكور للمراجعة. هكذا قد يتحول أمل الحصول على استشفاء أو استيفاء بدل فاتورة دواء لأكثر من داء.. إلى موت، فلا جسر مشاة ليعبره المراجعون بأمان إلى المركز، ولا دولة تهتم، ولا بلديات فكرت بذلك، على الرغم من الخطورة البالغة على حياة المواطنين.

  لكل شارع في البقاع قصة مع وفاة طفل هنا وامرأة هناك، وبينهما رجال وكهول، وهنا قد لا يكون الموت صنيعة السائقين المتهورين وحدهم، فبعض الأمنيين يحمّلون المسؤولية للمشاة أنفسهم، والذين يعبرون الطرق أحيانا من دون أن يقوموا بتأمين خط سيرهم وبالتالي تقع الفاجعة.

ويصف بعض رجال شرطة السير المتواجدين على تلك الطرق، بعض مشاهد عبور المشاة بـ «الإجرامية»، مشيرين إلى أنها أصبحت اعتيادية، وهي تختلف من أطفال يسرعون في تجاوز الطرق الدولية وآخرون يقودون دراجات نارية تحمل إضافة إلى سائقها أربعة أطفال وزوجة، وفي بعض الأحيان أكثر، ويضاف إلى هذا تهور السائقين الذين يبالغون في سرعتهم عند المفارق والمراكز التي تشهد اكتظاظا في حركة العبور.

  استخدام الدراجات كوسيلة نقل بهذه الطريقة ساهم في ارتفاع الوفيات الناجمة عن حوادث السير، فسليمان. م، فقد اثنين من أطفاله على طريق زحلة ـ الدلهمية حين فقد السيطرة على دراجته، التي سقطت في حفرة وعلى متنها أربعة من أولاده إضافة إليه، وقد فقد سليمان السيطرة على دراجته وكانت النتيجة حادث أدى إلى مصرع طفلين عمرهما أقل من عشر سنوات.  

تصنف طرق تعنايل وجديتا والمصنع وسعد نايل وزحلة، من أكثر الطرق التي تُسفك عليها دماء المشاة من لبنانيين وسوريين جلهم من الاطفال النازحين.

  وفي محاولة لضبط ظاهرة الدراجات المكدسة بالركاب خصوص قامت مفرزة سير طرابلس خلال الأشهر الأخيرة بإتلاف أكثر من دراجة نارية غير مستوفية لشروط السلامة. وذلك بعدما تم ضبط نحو 700 دراجة في حين تشير تقديرات شرطة السير إلى أن السلامة تقتضي مصادرة نحو 1500 دراجة مخالفة لكن ما يعيق ذلك قلة عديد عناصر القوى الأمنية اللازم للعملية المطلوبة.

  بلغ عدد قتلى حوادث السير والصدم في البقاع نحو 26 قتيلا و111 جريحا من إجمالي 96 حادث سير وصدم. وهذا رقم مرتفع لا يمكن معه تحميل المسؤولية لقلة الوعي لدى المشاة كما يحلو لمصدر أمني أن يروّج، ذلك أن المسألة في حقيقتها من مسؤولية الدولة وبلديات المنطقة التي يحتم عليها الواجب الإسراع في حل هذه المشكلة من خلال خطوات تتعلق بإنشاء عدد من الجسور الخاصة لعبور المشاة، وأيضا إشارات خاصة تمكن المواطنين من عبور الطرق بسلامة وأمان.

السفير