لا تخرج أزمة النفايات التي تعيشها البلاد، عن سياق الأزمات التي يعيش لبنان في خضّمها منذ انتهاء الحرب الأهلية. فعقلية الحلول المؤقتة و«تمشاية الحال» التي أوصلت آلاف أطنان النفايات إلى التكدّس في الشوارع، وإعلان القوى السياسية والحكومة الحالية إفلاسها في إيجاد الحلول، هي نفسها تلك التي لم تجد حلّاً لأزمة الكهرباء والمياه والصرف الصحي والاتصالات والمهجرين وقوانين الانتخاب والضرائب وتنظيم شؤون النازحين السوريين، وغيرها من الأزمات المالية والاجتماعية، فضلاً عن تلك المصيرية، في الحرب والسلم ومكافحة الإرهاب وتحديد الأعداء والأصدقاء. والفارق بين أزمة النفايات والأزمات الأخرى، هو أن النفايات لها «رائحة» كريهة لدرجة لا يمكن تخدير الناس لتجاهلها كما يتجاهلون المصائب الأخرى، وسوقهم خلف القوى السياسية التي تحتكر تمثيلهم.

أسبوعان على الأزمة التي يدرك «من بيدهم الأمر» منذ أشهر أن البلاد مقبلة عليها، و«لا حلّ حتى الآن»، يقولها الوزراء بلا خجل، يصرّح بها السياسيون، فيتناقلون كرة النار من يدٍ إلى يدٍ، من زعامة إلى زعامة، من طائفة إلى طائفة.
يوم أمس، ظهرت مؤشرات جديّة على نية رئيس الحكومة تمام سلام، طيّ صفحة إنشاء مطامر للنفايات على أي بقعة من الأرض اللبنانية. والإقلاع عن فكرة المطامر لا علاقة له بعبقرية الحكومة، بل جاء لعجز القوى السياسية عن إيجاد بقعة أرضٍ واحدة لإنشاء مطمر «صحي»، من بيروت إلى الشوف وعاليه، إلى المتن الشمالي وكسروان وجبيل، إلى النبطية وصور، إلى الحدود مع سوريا في عكار، وسط غليان في الشارع، تعبّر عنه سرعة انتقال أهالي القرى إلى الاعتراض بقطع الطرقات واتهام زعاماتهم السياسية بالتآمر عليهم. إلّا أن الأهالي الذين يعترضون على إقامة مطامر في خراج بلداتهم أو البلدات المجاورة، لعدم ثقتهم بأن المطمر سيكون «صحياً»، لا يعترضون على المكبات التي ترمي بها البلديات نفاياتها بطريقة عشوائية ومن دون طمر، ومن دون معرفة المصير الذي ستؤول إليه المزابل، كلما تراكمت النفايات، في ظلّ دولة «التسويف». وبدورها الدولة، التي لا يلام المواطن على فقدانه الثقة بها، وصلت إلى حالة الإفلاس، ضمن حالة العجز التي وصل إليها النظام اللبناني برمته.


مصير فضّ العروض في مناقصات تلزيم جمع النفايات لا يزال مجهولاً

 


غير أن أزمة النفايات سرعان ما ثبّتت العصبيات الطائفية والمناطقية في «فدرالية زبالة» نافرة، ووضعت النائب وليد جنبلاط في مواجهة شارِعَي إقليم الخروب والشوف، وتيار المستقبل في مواجهة أهالي الإقليم وبيروت وصيدا والبقاع الأوسط، وقريباً، ستضع التيار الوطني وحزبي الكتائب والقوات في مواجهة أهالي المتن وكسروان وجبيل.
وسط كل هذا الجنون، والمصير المتوقّع بعدم قدرة المكبات الحالية على استيعاب تراكم النفايات في فترة زمنية قريبة، لم يعد أمام الحكومة سوى البحث باقتراحات ترحيل النفايات إلى الخارج.
مصادر وزارية في خلية أزمة النفايات قالت أمس لـ«الأخبار» إنه «يجب السير اليوم قبل الغد في خطة نقل النفايات إلى الخارج. الكرانتينا عمّا قريب سيمتلئ، والمكب قرب سور المطار في المريجة أيضاً، والمكبات العشوائية في قرى جبل لبنان ستصبح أزمة مزمنة من دون حلّ، ولا أحد من اللبنانيين يقبل بالمطامر، والمحارق تحتاج ما لا يقلّ عن خمس سنوات لتصبح جاهزة، وبكلفة باهظة لا تستطيع الخزينة تحملها الآن. الحل بالترحيل».
وبحسب أكثر من مصدر، فإن الحديث عن الاقتراح الذي عرضه رجل الأعمال غسان غندور نيابة عن شركة «فيوليا» الفرنسية بتوفير باخرتين لنقل النفايات وحرقها في عرض البحر، بات طرحاً جدياً يدرسه رئيس الحكومة تمام سلام. إلّا أن المصادر أكدت أن «فكرة نقل النفايات هي صلب النقاش، بصرف النظر عن مصيرها أو حرقها في البحر». وبحسب المصادر، فإنه «يمكن أن توضع سفينة في البحر تنقل النفايات إليها، وعندما تمتلئ تنطلق إلى وجهتها وتحل مكانها سفينة أخرى، مع كلفة إضافية تبلغ 100 دولار للطن الواحد تُدفع للجهة التي ستستورد النفايات، مع بحث مسألة تجميعها وفرزها فرزاً أولياً على الأراضي اللبنانية، مع استمرار سوكلين بعملية التجميع لأنها لا تستطيع أن تعطّل مرفقاً عاماً». وتضيف المصادر أن «تكلفة الطن الواحد الآن هي 150 دولاراً (للجمع والنقل والتوضيب والطمر)، وفي حال اعتماد مبدأ الترحيل، يذهب 100 دولار من الكلفة الحالية إلى بدل النقل، ويُزاد على الـ 50 دولاراً الباقية نحو 25 دولاراً كلفة للجمع والفرز الأولي». وتشير المصادر إلى «ضرورة مواكبة أي حل مقبل، توعية اللبنانيين على عمليات الفرز المنزلي، لتسهيل العمل وتوفير الوقت والجهد والتلوث والمال». وخيار التصدير لن يكون محصوراً بنفايات بيروت والضاحيتين، بل سيشمل، في حال السير به، نفايات المناطق كافة.


الأسعد دفع رسوم تسلم دفتر الشروط لمناقصة جمع نفايات بيروت الكبرى ومعالجتها



وتكشف المصادر عن وجود بحث جديد يقوم به تجمع من أربع شركات، مركزها في هولندا، وبينها شركة ألمانية وأخرى برتغالية، لنقل النفايات إلى الخارج، لفرز ما يمكن إعادة تدويره، وتحويل الجزء الباقي بالحرق إلى طاقة في معامل أوروبية. إلّا أن تجمّع الشركات لم يتقدم بعرض حتى الآن لحين اكتمال دراسة المشروع وتجميع المعلومات وإعداد دراسة حول الأمر.
وحتى الآن، لا يبدو مصير مناقصات تلزيم جمع النفايات ومعالجتها أو طمرها واضحاً، مع احتمال تأخير فضّ العروض ــ المقرر في السابع من آب ــ بذريعة إعادة تحديد شروط المناقصات في ظلّ الواقع المستجد. إلا أن الرئيس سلام أكّد لمراجعيه أمس أن عملية فضّ العروض ستجري في موعدها. وبالنسبة إلى مناقصة بيروت التي لم يتقدّم أحد لها في السابق، «تبرّع» صاحب شركة «الجنوب للإعمار» رياض الأسعد، أمس، بدفع رسوم الحصول على دفتر الشروط من مجلس الإنماء والإعمار تمهيداً للتقدم بعرض للمناقصة لتجميع النفايات ومعالجتها في بيروت الكبرى، أي بيروت الإدارية والضاحيتين الجنوبية والشرقية. وينص مشروع الأسعد على تجميع النفايات وإنشاء معملين لمعالجة النفايات وإنتاج الـ«آر دي أف» لاستخدامها كوقود لمعامل الترابة ومعامل أخرى. وبحسب الأسعد، الذي أقام شراكة مع شركة إسبانية مختصة بمعالجة النفايات، تحتاج شركته إلى 6 أشهر للانتهاء من إنشاء أول معمل، وإلى شهرين إضافيين لإنشاء المعمل الثاني. كذلك يتضمن مشروعه إقامة معمل لإنتاج الكهرباء بعد 3 سنوات من بدء العمل، على أن يستخدم الوقود العضوي الناتج من معالجة النفايات.