يحل الأول من آب هذه السنة بمجموعة مفارقات ومحطات تُكسب العيد السبعين لتأسيس الجيش اللبناني دلالات ومعطيات بالغة الاهمية، وخصوصا وسط تعمّق الأزمة السياسية التي يشهدها لبنان، والتي لم توفر الجيش في الكثير من تداعياتها وانقساماتها وصراعاتها. حتى ان أحد هذه الوجوه المباشرة لهذه التداعيات طاردت الجيش عشية عيده من خلال مراسيم ترقية الضباط في الاسلاك العسكرية والامنية المختلفة التي لم تقترن بتواقيع الوزراء الـ 24 وظلت رهن أزمة آلية عمل مجلس الوزراء. لكن تطورا حصل بعد ظهر امس وتمثل في توقيع جميع وزراء قوى 8 آذار ولا سيما منهم وزراء "تكتل التغيير والاصلاح" و"حزب الله" مرسوم ترقية التلامذة الضباط الذين سيتخرجون اليوم من الكلية الحربية بما يسمح باكتمال اجراءات تخريجهم فيما لم تكتمل التواقيع على مراسيم الترقيات العادية للضباط والتي تصدر في الاول من تموز من كل سنة.
تحل ذكرى عيد الجيش اذاً للمرة الثانية وسط استمرار الفراغ الرئاسي ولذا فان الضباط المتخرجين لن يتسلموا سيوفهم من رئيس الجمهورية وسط تفاقم الازمة السياسية. كما تتزامن والذكرى السنوية الاولى للاعتداء الاول الذي شنته التنظيمات الارهابية على مواقع الجيش في عرسال واختطاف عدد من العسكريين لا تزال قضيتهم تثقل الوضع الداخلي ناهيك بآثار الحملة السياسية التي يخوضها فريق سياسي في ملف التعيينات الامنية والعسكرية والتي تتركز على استهداف القيادة العسكرية بدعوى أنها "غير قانونية وغير شرعية".
وفي المقابل، أبرزت المعارك الدفاعية على الحدود الشرقية التي خاضها الجيش طوال العام الماضي، بالاضافة الى العمليات الامنية الاستباقية التي نجح فيها في ضرب أعداد كبيرة من الخلايا الارهابية في الداخل، الدور المتنامي للجيش في حماية البلاد ووسعت رقعة التأييد العارم لهذا الدور والتعاطف الشعبي والسياسي معه وكذلك زيادة الدعم الدولي والعربي له.
ولعل الكثير من المواقف التي صدرت امس عكست هذه المعاني وكان أبرزها لرئيس الوزراء تمام سلام الذي وجه "التحية الى قيادة الجيش والى ابنائنا العسكريين جنودا ورتباء وضباطا، تقديرا لدورهم في خدمة الوطن وحمايته وتفانيهم في صون وحدته واستقراره" مجددا الدعوة الى انتخاب رئيس للجمهورية "في أسرع وقت، لإعادة التوازن الى مؤسساتنا الدستورية وبث الروح في حياتنا السياسية ودورتنا الاقتصادية". وإذ حيا "ذكرى شهداء الجيش الذين سقطوا دفاعا عن الارض والسيادة على كامل التراب الوطني، توجه بالتحية ايضا "الى العسكريين المحتجزين لدى الجماعات الارهابية الذين نأمل في إنهاء مأساتهم في أقرب وقت".
كذلك أسف الرئيس سعد الحريري لحلول عيد الجيش ولبنان بلا رئيس للجمهورية، ونوه باظهار الجيش "قدرة لافتة في تماسكه وترفعه عن الانقسامات والتجاذبات السياسية الحادة، وبقائه أمينا على رسالته في الحفاظ على الأمن والاستقرار ومحاربة الإرهاب أينما وجد". وقال: "نكرر دعمنا القوي للجيش اللبناني في مهماته، وكلنا أمل أن يشكل عيد الجيش هذا العام بمعانيه الوطنية ووحدة المؤسسة وتضحية أفراده الغالية، مثالا للبنانيين جميعا كي يتجاوزوا انقساماتهم وخلافاتهم ويعملوا على إعادة العافية الى مشروع الدولة، وذلك من خلال انتخاب رئيس جديد للجمهورية بأسرع وقت".
أما قائد الجيش العماد جان قهوجي، فشدد مجددا في "أمر اليوم" على الثوابت التي تحكم مسار المؤسسة العسكرية مخاطبا العسكريين بقوله: "انكم تصنعون في كل يوم عيد الشرف والكرامة والعنفوان، وضعوا نصب العيون ان قوة مؤسستكم تكمن في وحدتها وتماسكها وفي بقائها على مسافة واحدة من الجميع كما في التفاف الشعب حولها والتزامها مبادئ وثيقة الوفاق الوطني". وفي ذكرى معركة عرسال الاولى دعا قهوجي العسكريين الى "أتم الاستعداد لمواجهة الارهابيين كما الاطماع الاسرائيلية"، مشيرا الى ان الجيش "بلغ في مواجهته التنظيمات الارهابية وبشهادات العالم مستوى من الاحتراف يرقى الى مستوى الجيوش الكبرى".
وأبلغت مصادر وزارية "النهار" أن توقيع وزراء "التيار الوطني الحر" و"حزب الله" أمس المراسيم المتعلقة بالتلامذة الضباط عشية تخريجهم بعدما امتنعوا عن ذلك في جلسة مجلس الوزراء أول من امس، جاء نتيجة مشاورات بين الفريقين وخصوصا أن التيار له أصول في المؤسسة فيما يعاني الحزب إلتباسا في العلاقة معها فكان لا بد من تدارك الاحراج من خلال توقيع هذه المراسيم.

السفير الاميركي
ولاحظت المصادر الوزارية أن موقف السفير الاميركي ديفيد هيل امس من السرايا قبل سفره الى واشنطن لمدة عشرة أيام والذي اتسم بأهمية بارزة يمثل أول موقف رسمي أميركي من لبنان غداة الاتفاق النووي بين الغرب وإيران بما يحسم الجدل حول التعامل الاميركي مع إيران في شأن اوضاع المنطقة ومنها لبنان.
وقد نقل هيل الى سلام "رسالة أساسية وحاسمة هي التزام الولايات المتحدة الدائم للبنان وان التطورات الاقليمية لم تغير سياسة الولايات المتحدة تجاه لبنان". وبعدما أعرب عن تقديره للجيش اللبناني والقوى الامنية في عيد الجيش، شدد على "التزامنا ضمان قدرة الجيش على تحمل مسؤولياته في الدفاع عن الحدود وحمايتها"، لافتا الى ان "لدى الجيش اللبناني ما ليس موجودا في أي جيش آخر وهو الجندي اللبناني ومدربونا هم أفضل من يدرك ذلك". واسترعى الانتباه في بيانه اعرابه عن "القلق لاتخاذ قادة سياسيين أيا كانت دوافعهم اجراءات او مواقف تضر بمؤسسات الدولة ".

 

أزمة النفايات
على صعيد آخر، تدخل أزمة النفايات اسبوعها الثالث وسط استمرار تعثر المعالجات وتمادي عجز اللجنة الوزارية المكلفة ملف النفايات الصلبة، عن اعتماد أي خيار ولو مرحليا للتخلص من عشرات الألوف من أطنان النفايات المكدسة في بيروت والمناطق. وفيما لم تجتمع اللجنة امس ولم يطرأ جديد في المسار المتأزم، ارتفعت اسهم خيار شحن النفايات المكدسة في بيروت الى الخارج. غير ان "النهار" علمت أن سفير دولة اوروبية في لبنان أبلغ مسؤولا كبيرا اتصل به امس في شأن شحن النفايات من لبنان، أن بلاده ليست لديها حاليا مساحة خالية لإستقبال النفايات، كما أنها لا تستقبل نفايات من حيث المبدأ إذا لم تكن مفروزة، واضافة الى ذلك تشترط هذه الدولة على أي بلد يريد أن يتعامل معها على هذا الصعيد، أن يكون موقّعا وثيقة بال التي تشدد على خلو النفايات من أي مواد نووية وهذه الشروط لا تنطبق على لبنان.

درباس
وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس ربط عبر "النهار" بين أزمة النفايات والتعيينات العسكرية وقال: "بعدما عجز اللسان القويم تحدث لسان القمامة. وستتوقف لغة الزبالة بعدما تخنق أصحابها". وكشف أن هناك من يحرّك الشارع قبل ان تتحرك شاحنات النفايات لعرقلة عملها. ولفت الى ان مطمر الناعمة خلال 17 عاما استقبل 15 مليون طن من النفايات منها 5 ملايين من المتن وكسروان ومليون ونصف المليون طن من جبيل. ورأى ان الحل يكون بأن يدفن كل قضاء نفاياته في أراضيه. واستشهد بزميله نبيل دو فريج عندما قال في آخر جلسة لمجلس الوزراء "أن وحدة الوطن من وحدة قمامته الاسلامية والمسيحية والتي يحاول البعض ان يفرّق بينهما".