العجز. لا توجد عبارة أدق لوصف الحالة التي وصلت إليها السلطة في معالجة أزمة النفايات التي تسببت فيها. العقدة لا تزال في مكانها: النائب وليد جنبلاط يتكفل بنقل 2000 طن يومياً إلى كسارات ضهر البيدر، مشترطاً تأمين مكان لرمي 500 طن في جبل لبنان الشمالي. لكن حتى ليل أمس، عجزت اتحادات البلديات في كسروان والمتن عن الاتفاق على مكب للنفايات في القضاءين. كلما وافقت بلدة على رمي النفايات في مقلع في خراجها، اعترضت بلدية قرية مجاورة، فينتقل البحث إلى مكان آخر.

وعلى هذه النقطة يراهن القيّمون على إدارة الأزمة. يقول أحد أعضاء اللجنة الوزارية المكلفة بحل أزمة النفايات: «في غضون أيام قليلة، ستعلو صرخة المواطنين في كسروان والمتن، ليشكلوا رأياً عاماً يضغط على القوى السياسية الرئيسية (التيار الوطني الحر والكتائب والقوات اللبنانية)، ما يدفعها إلى تأمين مكب يفتح ثغرة في جدار الكارثة». والرهان مبني على أن نفايات بيروت باتت تُرفع من الشوارع وتنقل إلى أماكن تجميع مؤقتة في الكرنتينا وقرب سن الفيل، فيما نفايات الضاحية الجنوبية تُجمع في المريجة قرب جدار المطار. لكن هذه المواقع المؤقتة لن تستوعب نفايات إلى ما لا نهاية، بل إن قدرتها الاستيعابية تنتهي أيضاً في غضون أيام قليلة.


من استثمر مليارات النفايات لـ30 عاماً عليه تحمل المسؤولية اليوم


هي إذاً معركة عضّ أصابع: «الاحزاب المسيحية» ترفض طمر النفايات في جبل لبنان الشمالي، فيراهن تيار المستقبل والنائب جنبلاط على هبة شعبية تفرض حلاً، قبل تفجّر الازمة مجدداً في بيروت والضاحية. حتى اليوم، مواقف الاحزاب الثلاثة موحدة. التيار الوطني الحر يرفض في اللجنة الوزارية تأمين مكب في المتن أو كسروان. حزب الكتائب رفع الصوت بالرفض. أما القوات اللبنانية، ورغم صمتها الرسمي، فإنها تتبنى الموقف نفسه. وقال مصدر قواتي لـ»الأخبار» إن من «استثمر مليارات النفايات لثلاثين عاماً عليه أن يتحمل المسؤولية اليوم ويجد حلاً للنفايات، فلا يرمها على سواه».
معركة أخرى تدور بين القوى السياسية تحت عنوان المناقصات. وقد اجتمعت أمس اللجنة المكلفة من مجلس الوزراء بإدارة مناقصات النفايات، في مقر مجلس الإنماء والإعمار. وبحسب مصادر في اللجنة، ثمة توجه لعدم فض العروض التي تقدمت بها شركات لجمع النفايات وفرزها وطمرها (أو معالجتها) في المناطق (لم تتقدم أي شركة للمناقصة في قطاع بيروت والضاحيتين). وتشير المصادر إلى أن بعض أعضاء اللجنة يريدون العودة إلى مجلس الوزراء، علماً بأن من واجب اللجنة إعلان نتائج المناقصة في السابع من آب المقبل. يُذكر أن النائب وليد جنبلاط عبّر عن رفضه فوز أيّ من الشركتين اللتين تقدمتا للمناقصة في قطاع الشوف ــ عاليه ــ بعبدا. وفيما تعجز القوى الممثلة في اللجنة الوزارية المكلفة بحل الأزمة عن تقديم أي ملامح لحل جذري أو مؤقت، باستثناء رمي النفايات من دون أي إجراءات وقائية للمياه الجوفية، يجري التداول باقتراح تقدّم به رجل الاعمال غسان غندور، نيابة عن شركة فيوليا الفرنسية، يقضي بتأمين باخرتين لإحراق النفايات في البحر، سعة كل واحدة منهما 30 ألف طن من النفايات. ورغم أن اللجنة الوزارية أطاحت هذا الاقتراح بعد نقاش غير مستفيض بشأنها، تلفت مصادر إلى أن هذا العرض قد يحظى لاحقاً بنقاش جدي، تماماً كاقتراح تصدير النفايات إلى الخارج لقاء بدل مالي يُدفع للمستورِد (أكثر من 100 دولار للطن، عدا عن كلفة جمع النفايات وتوضيبها ونقلها).
وكان مجلس الوزراء قد ناقش أمس أزمة النفايات، لكن بطريقة غير جدية، بحسب وصف أكثر من وزير، ومن دون التوصل إلى أي نتيجة. كذلك ناقش مجلس الوزراء «بهدوء» آلية العمل الحكومي «والمشاركة»، ومن دون اتخاذ أي قرار أيضاً.