بجرأة التحلّي بالمسؤولية والإقرار بتحمّلها تجاه أي فعل خاطئ ومشين يرتكبه أي موظف أو مرؤوس، تصدى وزيرا العدل والداخلية أمس لقضية الشريط المسرّب حول تعرّض بعض الموقوفين في سجن روميه لممارسات وارتكابات لا أخلاقية ولا إنسانية على أيدي عناصر أمنية غير منضبطة. وإذا كان بعض المصطادين في مستنقعات الفتنة والتجييش قد بادروا إلى اقتناص الشريط المسرّب للضرب على وتر التحريض والتأليب الأهلي لحسابات سياسية لا تخلو من الخسّة والخبث، فقد سارع المسؤولون المعنيون في المقابل إلى تطويق القضية عدلياً ومؤسساتياً من خلال إحكام قبضة القانون على المرتكبين وإحالتهم إلى التحقيق لإنزال أشد العقوبات بحقهم وسط تأكيد مرجع أمني لـ«المستقبل» أنّ «كلّ من ضرب وسرّب وثبت تورطه في التعذيب سيكون مصيره الحبس في سجن روميه». وهو ما شدد الرئيس سعد الحريري عليه مؤكداً «ضرورة محاسبة كل المتورطين والمسؤولين عن هذه الارتكابات اللا إنسانية»، مع إبداء ثقته بأنّ وزيري العدل والداخلية لن يكترثا لبعض المزايدين من أصحاب «المآرب السياسية الضيّقة».

وأوضح المكتب الإعلامي للحريري مساء أمس أنه أجرى اتصالين هاتفيين بالوزيرين أشرف ريفي ونهاد المشنوق واطّلع منهما على نتائج التحقيقات الجارية بشأن الأشرطة التي نشرتها مواقع التواصل الاجتماعي حول تعرض بعض الموقوفين في سجن روميه لممارسات وارتكابات مهينة وغير مقبولة من ضرب وشتم وإهانة على يد عناصر أمنية مولجة بحراستهم، وتبلّغ منهما بأن التحقيقات بهذه القضية مستمرة حتى النهاية لكشف كل المتورطين فيها وملاحقتهم واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.

وعبّر الرئيس الحريري عن استنكاره الشديد لما حصل، مشدداً على ضرورة محاسبة كل المرتكبين والمتورطين والمسؤولين عن هذه الارتكابات والممارسات اللا إنسانية، وإنزال أشد العقوبات بحقهم، لأنهم بممارساتهم وتصرفاتهم هذه يسيئون للدولة والحكومة وقوى الأمن الداخلي بقدر ما يسيئون إلى حقوق الموقوفين وكرامتهم التي يكفلها القانون.

وفي حين أعرب عن تقديره لسرعة تحرك وزيري العدل والداخلية لملاحقة هذه القضية وكشف ملابساتها، قال الحريري: «إنني على ثقة بأن الوزيرين ريفي والمشنوق لن يكترثا لبعض الأصوات المزايدة التي تحاول استغلال قضية محقة لتحقيق مآرب سياسية ضيقة في هذه الظروف».

وكان المشنوق قد عبّر، في مؤتمر صحافي استهله أمس بعرض المشاهد المسربة التي تظهر لقطات تعذيب بعض سجناء روميه، عن إدانته هذه الارتكابات، مؤكداً عزم وزارة الداخلية على اتخاذ الإجراءات القانونية والمسلكية اللازمة بحق المرتكبين ومذكّراً في الوقت عينه بأنّ لبنان الدولة الوحيدة التي «حوّلت عسكريين إلى القضاء العسكري والتي سمحت بدخول لجنة للصليب الاحمر الدولي إلى السجن والاستماع الى المساجين». وإذ أكد تحمّله مسؤولية الأخطاء التي حصلت خلال مداهمة المبنى «د» في السجن، شدد المشنوق على أن لا فرق لديه «بين سجين اسلامي وآخر غير اسلامي، فالسجين صاحب حق انساني أياً كانت هويته وأياً كان ارتكابه وأياً كان انتماؤه»، واضعاً الاستغلال السياسي لهذه القضية في خانة «قلة الأخلاق»، ومشيراً إلى أنه سيزور سجن روميه اليوم لمواكبة القضية والاستماع إلى السجناء الذين تعرضوا إلى التعذيب.

بدوره، أوضح مرجع أمني لـ»المستقبل» أنّ شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي بدأت منذ يوم السبت التحقيق في القضية وأوقفت عنصرين على ذمة التحقيق أحدهما الذي سرّب الشريط المصوّر، لافتاً إلى أنّ تاريخ تسجيل الشريط يعود إلى فترة التمرّد الأخير الذي حصل في المبنى «د» في سجن روميه، وأنّه بمجرد انتهاء التحقيقات سيصار إلى إحالة المرتكبين والمتورطين في القضية على القضاء المختص لإنزال العقوبات العادلة بحقهم.

ولاحقاً، أصدرت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي بياناً أكدت فيه «تحديد هوية عنصرين من العناصر المتورطة وتوقيفهما، فيما التحقيقات جارية ومستمرة لكشف هوية باقي المتورطين وإحالتهم أمام القضاء»، مشددةً على أنّ المديرية تمتلك «الجرأة الكافية للاعتراف العلني بالخطأ المرتكب الذي يشكل جرماً واعتداءً على كرامة الإنسان من قبل قلة قليلة من عناصرها خلال تنفيذ عملية أمنية ضخمة حفاظاً على أمن الوطن والمواطن، وهي ستحاسب بشدة المتورطين وستعلن التدابير المتخذة بحقهم أمام الرأي العام».

ريفي

توازياً، وبينما أعلن وزير العدل أنه بحلول ليل أمس بلغ عدد الموقوفين من العناصر الأمنية المتورطة في هذه القضية 5، كشف ريفي لـ«المستقبل» أنه سيعمد اليوم إلى «تشكيل لجان قضائية في المحافظات تُعنى بمناهضة التعذيب في أماكن التوقيف وأثناء التحقيق وفي السجون».

وعن تهجّم وزير إعلام النظام السوري عمران الزعبي عليه رداً على اعتباره أنّ ما حصل في سجن روميه هو من «بقايا عقل بشار الاسد»، قال ريفي: «هذه عقلية خبرناها جيداً ولدينا الجرأة لنقول إنها تركت آثاراً سلبية على لبنان وسوريا، والزعبي نفسه يعرف كم أنّ هذه العقلية فاقدة للأخلاق ولا تشبهنا كلبنانيين».

بري يقلل من جدّية «الفدرالية»

سياسياً، نقل زوار رئيس مجلس النواب نبيه بري لـ«المستقبل» تأكيده أنه لن يقبل استمرار مسلسل تعطيل عمل المجلس النيابي، معرباً عن عزمه «تطبيق الدستور والدعوة إلى عقد جلسات تشريعية» مع التأكيد في الوقت عينه على الحاجة إلى اكتمال «النصاب التشريعي» لانعقاد مثل هذه الجلسات.

وإذ قلّل من جدية التلويح بإقامة «فيدرالية» في البلد قائلاً: «هيدا مجرد حكي»، أشار الزوار إلى أنّ بري الذي لا يعارض فكرة إجراء استفتاء مسيحي لتحديد «الأحجام الحقيقية» على الساحة المسيحية، يرفض في المقابل اختصار المسيحيين برئيس «التيار الوطني الحر» النائب ميشال عون ورئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، من منطلق تشديده على وجود قوى مسيحية أخرى وازنة على الساحة السياسية سواءً على المستوى الحزبي كـ«الكتائب» و«المردة» وغيرهما أو على مستوى المستقلين والشخصيات المسيحية ذات التمثيل المناطقي والوطني.

ولدى سؤاله عن سياسة «الحشود الشعبية» التي ينتهجها عون للضغط في الملفين الرئاسي والحكومي، ينقل الزوار أنّ بري يكتفي في إجابته بالتوقف عند استخدام مفردة «حشود»، ملمّحين في هذا المجال إلى الفارق الجماهيري بين ما كانت عليه الصورة نهاية الثمانينات في قصر بعبدا وبين ما أصبحت عليه الصورة اليوم في دارة الرابية.

اعتداء إسرائيلي

أمنياً، برز أمس اعتداء إسرائيلي جديد على الاراضي اللبنانية تمثل بإطلاق المقاتلات الإسرائيلية صاروخاً باتجاه جرود جبل الباروك بين قريتي صغبين وعين زبدة في البقاع الغربي. وأوضحت مصادر أمنية لـ«المستقبل» أنّ الاعتداء الإسرائيلي استهدف تدمير طائرة استطلاع معادية كانت قد سقطت في المنطقة الحرجية فجر الأحد. وعلى الأثر حضرت القوى الأمنية إلى المكان لمعاينة الأضرار وتوثيق الاعتداء وضبط بقايا الطائرة الإسرائيلية المستهدفة.