طغى كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المتسرّع، لدرجة التهور، والذي اطلقه من ارفع منبر دولي (الأمم المتحدة) بشأن توطين النازحين، في أقرب دول لبلدهم، ومنها بالطبع لبنان، على النشاط السياسي اللبناني من ساحة التشريع في ساحة النجمة إلى ساحة نيويورك، حيث يستعرض رؤساء الدول وممثلوها مواقف بلدانهم من المسائل والمشاكل الدولية والإقليمية.
وتجاوز اللبنانيون، الاشتباك الداخلي حول اجراء الانتخابات النيابية، تقصيراً لمدة التمديد، أو البطاقة الممغنطة أو البيومترية أو الهوية والباسبور وما شاكل، للوقوف صفاً واحداً بوجه الموقف الأميركي، الذي قال عنه الرئيس نبيه برّي انه لا يجوز ان يُقابل «بالمزاح»، وهو الموقف الذي دفع بالرئيس ميشال عون إلى مقاطعة العشاء التقليدي، الذي يقيمه الرئيس ترامب على شرف الرؤساء والشخصيات المشاركة في الدورة السنوية للأمم المتحدة، فيما قلّل الرئيس سعد الحريري من كلام ترامب مؤكداً في مجلس النواب، بعد اللقاء الذي جمعه مع الرئيس برّي ان ما قيل في الأمم المتحدة هو موقف سياسي لا يجبر أحداً على العمل به ولا يلزمنا، وليس هناك قرار دولي بهذا الشأن، وفي رأيي لن يصدر قرار دولي يلزم بتوطين السوريين في اماكنهم، ولا داعي لإعطاء الموضوع أكثر من حجمه..
وبكلمة، لبنان رفع الدستور بوجه الرئيس ترامب، وذكّر بالفقرة «ط» من مقدمته: «أرض لبنان واحدة لكل اللبنانيين، فلكل لبناني الحق في الإقامة على أي جزء منها، والتمتع به في ظل سيادة القانون، فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان، ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين».
وهذا الموقف القاطع والحازم هو ما سيبلوره الرئيس عون في خطابه امام الجمعية العامة اليوم.
جلسة التوطين
ولولا اللقاء الذي جمع الرئيسين برّي والحريري في مكتب الأوّل، وفي حضور عدد من النواب، ولم يستغرق أكثر من نصف ساعة، في أعقاب انتهاء الجلسة التشريعية الثانية والقصيرة أمس، ولولا «تأنيب» برّي للنواب في بداية الجلسة احتجاجاً على تقلص عدد النواب ما انعكس سلباً على تأمين النصاب متأخراً لـ20 دقيقة، قائلاً لهم: «وتسألونني عن أسباب اقتراحي لتقصير الولاية»، لكان اقتراح رئيس المجلس بتقصير الولاية ودعوته لاجراء انتخابات نيابية مبكرة قبل نهاية السنة الحالية، قد غاب كلياً عن واجهة الاهتمامات النيابية، على الرغم من ان الاقتراح في حدّ ذاته قد أحدث خلطاً للاوراق السياسية، مع انه كانت له مبرراته الداخلية والخارجية، وبات يحتاج لاقراره إلى توافق الكتل السياسية الكبيرة، بحسب ما أكّد أحد النواب الذين شاركوا في اللقاء لـ«اللواء»، والذي بحسب ما أشار هذا النائب لم يسحب من التداول، لا على الصعيد السياسي، ولا على صعيد طرحه امام الجلسة التشريعية المقبلة، والتي ينتظر ان يُحدّد موعدها الرئيس برّي خلال الأسبوعين المقبلين، أي بعد عاشوراء، وبالتالي سيكون الوقت الذي تحتاجه الداخلية لاعداد البطاقات سقط نظراً لعدم توفّر التمويل للبدء بالتلزيم.
وكشف مصدر نيابي لـ«اللواء» ان خلوة برّي - الحريري احتوت التصعيد، لكنها لم تعالج أساس المشكلة.
والظاهر ان الذي خرق جدول أعمال الجلسة، كانت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ما يتصل بتوطين اللاجئين في الدول التي تستضيفهم، ذلك ان خطورة الموقف الأميركي على المستوى الوطني، حجبت كل مضاعفات التصعيد السياسي الذي خلفه اقتراح رئيس المجلس الذي سارع إلى تلقف «استهزاء» النائب عباس هاشم بتصريحات ترامب، قائلاً: «هذا الموقف لا يحتمل المزاح»، لافتاً إلى ان الرئيس عون موجود على كل حال في نيويورك، وبالتأكيد هو سيرد عليه».
وعقب الرئيس فؤاد السنيورة قائلاً كلام ترامب مرفوض.
ورد النائب عمار حوري: لكن ترامب لم يأت على ذكر لبنان، فقال النائب سيرج طورسركيسيان: «الرئيس عون موجود في نيويورك وهو سيخوض هذه المعركة هناك».
وهنا، أعاد برّي، باسم النواب، التذكير بما ورد في الفقرة (ط) من مقدمة الدستور.
وتقاطعت هذه التوصية، مع تأكيد الرئيس الحريري من داخل المجلس، على رفض التوطين من قبل جميع اللبنانيين، وهو أمر سيادي ودستوري لن نتهاون به أكان يتعلق باللاجئين الفلسطينيين أو أي جنسية أخرى، والطرف الأميركي يعلم ذلك.
في هذا الوقت، كان لافتاً للانتباه، ان الرئيس عون قاطع حفل العشاء والاستقبال الذي أقامه الرئيس الأميركي على شرف رؤساء الوفود المشاركة في اجتماعات الدورة 72 للأمم المتحدة في نيويورك.
ونفت مصادر الوفد اللبناني المرافق، ان يكون موقف عون بمقاطعة الحفل قد اتخذ بعد الكلمة التي ألقاها الرئيس ترامب في الأمم المتحدة، وتناول فيها مسألة توطين اللاجئين في دول مجاورة، موضحة بأن الرئيس عون لم يكن متحمساً اساساً لحضور الحفل، فغاب أو ربما تغيب عنه، ثم جاءت كلمة ترامب فكانت دافعاً ثانياً له للتغيب.
وبالنسبة للكلمة التي سيلقيها الرئيس عون اليوم امام الجمعية العامة للأمم المتحدة، فقد أكدت المصادر ان العناوين العريضة لهذه الكلمة باتت معروفة، لا سيما بالنسبة إلى النزوح السوري والتوطين، واعتماد بيروت مقراً دائماً لحوار الحضارات والاديان، مشيرة إلى ان الموقف اللبناني معروف من عودة النازحين إلى مناطق مستقرة داخل سوريا، وأن استمرار وجود النازحين على أراضيه بات عبئاً على لبنان، إلا أن هذا الكلام لن يكون في موقع الرد أو المساجلة مع الرئيس الأميركي.
اقتراح برّي
وفي تقدير مصادر نيابية، ان اقتراح برّي بتقصير ولاية المجلس، لم يغب عن اللقاء مع الرئيس الحريري الذي عكست تصريحاته ان هذا الموضوع قابل للنقاش ولم يقفل، بمعنى انه ما زال قيد التداول، سواء في لقاءات ثنائية، أو داخل أروقة المجلس، وفي الجلسة النيابية المقبلة، وأن كان التزام الحكومة بقانون الانتخابات وباجرائها في الموعد المحدد لها، يعني ضمناً ان الرئيس الحريري كفريق سياسي لا يحبذ اجراء انتخابات مبكرة، طالما انه في الإمكان إنجاز البطاقة البيومترية، والاتفاق في الحكومة على التسجيل المسبق للمقترعين.
وكان الحريري أشار بعد الاجتماع إلى ان هناك امورا بحاجة إلى توضيحات في شأن القانون الانتخابي، فثمة خوف على القدرة على إنجاز «البيومترية» ومن التسجيل المسبق، ونحن كحكومة نحاول الإجابة على هذه التساؤلات، ونحن مجبورون على تنفيذ القانون، اما انا كفريق سياسي فلدي موقفي الخاص، والرئيس برّي ينطلق في اقتراحه من منطلق توقع الأسوأ، وهذا الموضوع قابل للنقاش».
وختم مطمئناً الجميع إلى ان «الوضع الأمني في البلاد ممسوك من قبل كل الأجهزة الأمنية، والتي هي على أكبر استعداد واستنفار فلا تخافوا».
«امل» و«حزب الله»
وكان برز في هذا السياق، موقف مشترك عن قيادتي حركة «امل» و«حزب الله» في بيروت، اعتبر ان اجراء انتخابات نيابية مبكرة بات ضرورة ملحة ما دامت البطاقة الممغنطة بعيدة المنال، وأكّد ان ارتباط شعار التأجيل بمبررات تقنية وغيرها أصبح من الماضي، باعتبار ان إنتاج سلطة جديدة بات حاجة وطنية لكل اللبنانيين المتعطشين للخلاص من الأزمات التي يعيشون وخاصة الاقتصادية منها.
ونوقشت خلال الاجتماع المشترك للقيادتين التحضيرات الجارية لاحياء عاشوراء في مناطق الضاحية الجنوبية وبيروت، حيث اتفق الطرفان على خطوات عدّة من شأنها جعل هذه المناسبة محطة لابراز الوحدة وتجلياتها في كل أبناء الوطن، كما جدّدت القيادتان تمسكهما بالمعادلة الذهبية الجيش والشعب والمقاومة التي كانت وما تزال قادرة على الوقوف سدا منيعا في وجه كل من يحاول ضرب وزعزعة الأمن والاستقرار، وكذلك في وجه المحتل الإسرائيلي.
محطة متواضعة
اما الجلسة التشريعية، فاقتصر انتاجها أمس على التصديق على اقتراحين: معادلة شهادة البكالوريا الدولية بالشهادة اللبنانية للبنانيين، ومنح الحكومة حق التشريع في الحقل الجمركي، ليصبح عدد الاقتراحات ومشاريع القوانين التي أقرّت في يومين 15، بينما ردّ عدد آخر إلى اللجان بينها 16 مرتبط بسلسلة الرتب والرواتب، في انتظار القرار النهائي الذي سيصدر عن المجلس الدستوري والمرجح ان يكون غدا الجمعة، في شأن الطعن بقانون الضرائب الممولة للسلسلة، على ان تحدد جلسة تشريعية للنظر في اقتراحات تصحيح بعض الثغرات في قانون السلسلة فور صدور هذا القرار برد الطعن أو قبوله جزئياً أو مكياً، علما ان «الدستوري» سيطلب، كما أفادت معلومات، إدخال تعديلات على بعض بنود قانون الضرائب وأبرزها الازدواج الضريبي، كما يمكن ان يرد القانون لاعتبار بعض أعضائه ان جلسة إقرار القانون غير دستورية وفقا لطريقة التصويت التي اعتمدت وايضا لعدم دستورية تخصيص قانون لتحصيل ضرائب في موضوع معين من دون إدخاله في الموازنة.
واستنادا لهذا الربط، لم يتم البحث في الاقتراحات الثلاثة المقدمة من النواب: عمار حوري، وعماد الحوت وخالد ضاهر حول «تعطيل يوم الجمعة» بعد تثبيت يوم السبت عطلة رسمية في قانون السلسلة، رغم بعض التناقض في مضمونها، ما اثار حفيظة النائب ضاهر فاعتبر ان معالجة الموضوع أفضل من تركه، وحصل سجال بينه وبين الرئيس برّي على الامر، فرد برّي قائلا:«لا أحد يهددني ولا أحد يزايدن عليي في اسلاميتي»، الأمر فسّر على غير ما قصد به وخلق بلبلة وجو إسلامي عام وأخذ بحساسية معينة، وسيؤجل البحث بالإقتراحات بعد دمجها وتبحث في الجلسة المقبلة بهدوء.