سياسياً، صورة جورج زريق طغت على كل المشهد، واستجلبت فقط مواقف سياسية متعاطفة، مع وعد بالمعالجة، ووعيد بالمحاسبة، لكن ما النفع والرجل قد مات؟ وهي صورة يبدو أنها ستلفح الاحتفال اليوم بعيد مار مارون، في الكلام الذي سيقال في المناسبة، كما ستطغى على مداخلات العديد من النواب في الجلسة العامة لمجلس النواب التي ستعقد الثلثاء المقبل لمناقشة البيان الوزاري للحكومة والتصويت على الثقة.

إقتراح بالاختصار

الاجواء عشيّة جلسة الثقة توحي بشهية نيابية مفتوحة على الكلام، مع بدء تسجيل أسمائهم لحجز ادوارهم على منبر الهيئة العامة وأمام الاعلام المرئي والمسموع الذي سينقل وقائع الجلسة مباشرة على الهواء.

وبحسب معلومات «الجمهورية»، انّ توجّهاً يجري العمل على تثبيته من الآن وحتى موعد الجلسة لكي تأتي الجلسة مختصرة ليوم بدل ان تكون ليومين، وذلك عبر محاولة لإقناع الكتل النيابية الكبرى بأن تنتدب خطيباً واحداً يتحدث باسمها خلال الجلسة، خصوصاً انّ هذه الكتل ممثلة في الحكومة، وبالتالي لا طائل من الكلام.

وهذا الامر لم يحسم بعد، علماً انه قد لا يكتب له النجاح، باعتبار انّ التجارب السابقة كانت مماثلة ولم يتم الاتفاق على الاختصار، خصوصاً انّ هذه الجلسة تعتبر الفرصة الاولى لنواب المجلس النيابي للاطلالة المباشرة على الناس من خلف المنبر المجلسي.

واللافت للانتباه عشيّة جلسة الثقة، تَعالي بعض الأصوات بانتقاد بعض الاصوات الوزارية التي أدرجت الانتهاء بسرعة من البيان الوزاري في خانة الانجاز، فيما هو صورة قد تكون طبق الاصل عن البيان الوزاري للحكومة السابقة. وبالتالي، الوقت الذي استغرقه كان طويلاً جداً.

واللافت في هذا المجال هو إجماع قوى سياسية مختلفة على اعتبار هذا البيان مجرّد «فيزا» للعبور الى الثقة. وامّا الباقي فيحدده أداء الحكومة، إن في اتجاه العمل الجدي والمجدي، او في الاتجاه الآخر والعودة الى المراوحة في الدائرة ذاتها التي كان من نتائجها إضرام جورج زريق النار بنفسه.

موغيريني الى بيروت

وفي وقت ينتظر ان تتلقى الحكومة جرعة دعم عربية يحملها اليها الامين العام لجامعة الدول العربية احمد ابو الغيط، ينتظر ان تتلقى جرعة أوروبية مماثلة تحملها فيديريكا موغيريني، الممثل الاعلى لسياسة الامن والشؤون الخارجية في الاتحاد الاوروبي، التي ستزور بيروت في 25 شباط الجاري، بعد انتهاء اعمال المؤتمر الاورومتوسطي الذي سيعقد في شرم الشيح في 23 و24 الجاري.

عون وبري

وفيما اعربت مصادر رئاسية لـ«الجمهورية» عن الامل في «ان تكون انطلاقة الحكومة الجديدة مقرونة بإنتاجية ينتظرها منها كل اللبنانيين، وانّ رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ينتظر منها ان تحقق إنجازات على طريق معالجة كل الملفات المطروحة»، قالت اوساط رئيس المجلس النيابي نبيه بري لـ»الجمهورية»: لطالما شكّل رئيس المجلس الرافعة للحكومات، ويرفدها بالدعم المجلسي المطلوب لتتمكن من تحقيق المطلوب منها، ولكن مع تفعيل الرقابة المجلسية على عمل الحكومة، وهذا ما سيجري التعبير عنه في جلسات المناقشة والمحاسبة التي قرر رئيس المجلس أن يعقدها دوريّاً.

العلاقات

في هذا الوقت، يبدو انّ مرحلة ما بعد الثقة ستكون حبلى بالاشكالات الداخلية، خصوصاً حول الملف السوري، حيث علمت «الجمهورية» انّ موضوع العلاقات اللبنانية السورية سيكون حاضراً على المشهد الداخلي في الفترة المقبلة بصورة اكبر مما كانت عليه قبل تشكيل الحكومة.

وبحسب المعلومات انّ توجهاً لدى قوى سياسية موالية لسوريا لاعادة إثارة هذا الموضوع، من زاوية ضرورة التنسيق في هذه المرحلة، وخصوصاً في ملف النازحين الذي يشهد تعقيدات على المستوى الدولي وسط معلومات أكيدة بتوجّه لدى الدول الكبرى، وفي مقدمها الولايات المتحدة الاميركية، لتوطين اللاجئين في اماكن لجوئهم.

العقوبات

هذه الخطوة التي تعتبر استفزازية لشريحة واسعة من اللبنانيين، تتزامن مع مشاورات بين أوساط حليفة لـ«حزب الله» لدراسة القيام ببعض الخطوات الوقائية لاحتواء ما يُحكى عن سلة عقوبات أميركية قاسية ستفرض على الحزب وحلفائه.

وعلمت «الجمهورية» انّ هناك فكرة يجري تداولها، من دون ان تبتّ بعد، وتقضي بإيفاد وفد لبناني الى واشنطن للاستفسار و«القيام بما يلزم»، على غرار الزيارة السابقة التي قام بها وفد نيابي عشية الاجراءات التي كان الكونغرس بصدد اتخاذها حيال لبنان.

مهمات وأولويات

أكدت مصادر وزارية لـ«الجمهورية» انّ امام الحكومة بعد جلسة الثقة مجموعة من المهمات والاولويات الصعبة، التي ينبغي ان يسبقها فتح دورة استثنائية لمجلس النواب تمتد حتى 17 آذار المقبل الذي يصادف مع بداية العقد العادي الاول للمجلس الذي يمتد بدوره حتى آخر أيار. وثمّة اتفاق رئاسي على فتح هذه الدورة بما يمكن من إقرار اقتراح قانون بات جاهزاً يجيز الصرف على القاعدة الاثني عشرية حتى إقرار الموازنة العامة للعام 2019.

وامّا هذه المهمات التي تنتظر الحكومة، فتحددها المصادر بالآتي:

- إعداد سريع للموازنة العامة. وفي هذا السياق تؤكد أوساط وزارة المالية لـ«الجمهورية» انّ الوزارة عاكفة على إعداد مشروع الموازنة من دون أي إبطاء، ما يعني انه على نار حامية وسيكون مُنجزاً في فترة ليست بعيدة. ونَفت المصادر ما يتردد في بعض الاوساط عن توجّه لفرض ضرائب ورسوم على الفئات الشعبية.

- التصدي السريع لملف النفايات، الذي بات يتطلب علاجاً جذرياً، وإخراجه من بازار المزايدات السياسية والمناطقية، وكذلك عن السمسرات والصفقات، والعلاج يتطلب بالضرورة الاستعانة بالخبرات الخارجية، ولا بد من علاج سريع، ذلك انّ المطامر و«المكبّات» صارت محتقنة الى حد أنها صارت تشبه قنابل موقوتة يمكن ان تنفجر في اي لحظة، ناهيك عن آثارها الكارثية على المستويين البيئي والصحي.

- الانصراف الى العلاج الجذري لملف الكهرباء، بدل الحلول الترقيعية التي اعتمدت في السابق وأدّت الى تفاقم أزمة الكهرباء وتحولها الى نزيف دائم لخزينة الدولة. فلا البواخر كانت الحل، ولا العدادات التي كانت فضيحة، وأوّل ما ينبغي الذهاب اليه هو إجراء التعيينات الضرورية في هذا القطاع ووضعه على سكة الحل ووقف النزف.

- إطلاق حركة ديبلوماسية خارجية وفي اتجاه الامم المتحدة، لتأكيد تمسّك لبنان بسيادته على حدوده البرية والبحرية (وأيضاً الجوية) وحقه في ثروته من النفط والغاز. وعلى الحكومة اللبنانية واجب ان تتحرك فوراً مع الشركات المنقّبة ضمن الحدود البحرية اللبنانية، ان توسّع نطاق تنقيبها حتى آخر بقعة بحرية يعتبرها لبنان ضمن حدوده البحرية الخالصة.

«القوات»: أولويّتان

الى ذلك، حددت «القوات اللبنانية» أولويتين أساسيتين: الاولوية الاولى من طبيعة وطنية سياسية، الهم فيها أن يكون الموضوع الوطني حاضراً دائماً على جدول أعمال مجلس الوزراء وعلى جدول اعمال الوطن الذي هو الحفاظ على سياسة النأي بالنفس، وإبعاد لبنان عن المخاطر الخارجية، وتوسيع هامش حضور الدولة، والحرص على الاستقرار والانتظام المؤسساتي، وعلى الحفاظ على الجو السائد اليوم واستبعاد كل ما من شأنه ان يوتّر العلاقات السياسية، فالمنطقة تمر بمرحلة تحولات كبرى والأولوية ان يبقى لبنان في هذه المرحلة بحالة استقرار سياسي وأمني واقتصادي. وبالتالي، «القوات» ستبقى العين الساهرة من اجل الحرص على تطبيق سياسة النأي بالنفس والدستور وتوسيع حضور الدولة اللبنانية ودورها، وان تكون هي المرجعية في القرار الاستراتيجي بالدفاع عن لبنان وفي سياسته الخارجية.

امّا الاولوية الثانية فتتعلق بالجانب الاقتصادي والشفافية ومكافحة الفساد، وكما «القوات» رأس حربة على المستوى الوطني بالدفاع عن سيادة لبنان وتثبيت مشروع الدولة وقيام الدولة الفعلية، فإنها ستكون العين الساهرة من خلال متابعة جدول اعمال مجلس الوزراء والعمل على مكافحة الفساد، ومواصلة المشروع الذي بدأت به خلال الحكومة الماضية عبر النهج الجديد على مستوى إدارة الدولة في لبنان، وستحرص على ان تكون هذه الادارة شفافة ونظيفة وبعيدة عن الفساد وتستظلّ القوانين فقط لا غير، وتُجرى مناقصات وفق دفتر شروط شفّاف المعالم بعيد عن كل سياسات الاستنساب وتقوية جسم الدولة الاداري من خلال تعاون وثيق مع المجتمع الدولي لتنفيذ مؤتمر «سيدر» وتطبيق توصياته ومقرراته.

«الكتائب»

وقال مصدر كتائبي مسؤول لـ«الجمهورية» انّ موضوع الاولويات يفرض نفسه على الحكومة خصوصاً، وعلى كل من هم في موقع المسؤولية السياسية عموماً، وهو يمكن اختصاره بمنع تكرار «مأساة جورج زريق» لأنّ الاوضاع الاقتصادية والمعيشية التي دفعت بـ«الشهيد» جورج زريق الى إحراق نفسه هي أوضاع تعانيها عشرات ألوف العائلات اللبنانية نتيجة لسوء الادارة والهدر والفساد والمحاصصات، وغيرها من الموبقات التي تضع لبنان على شفير الانهيار الاقتصادي والانفجار الاجتماعي».

واضاف المصدر: «إنّ مضي مكوّنات السلطة قدماً في المناورة والالتفاف على القوانين والاصلاحات وفقاً لِما شهدته السنتان الماضيتان يهدّد الامن الاجتماعي والاستقرار، والأمور لم تعد تتحمّل اللعب على الوقت بل هي تتطلب قراراً حازماً وخطوات حاسمة وجدية يتخلى فيها أركان السلطة عن أنانياتهم ومصالحهم، ويركّزون جهودهم على تأمين أبسط مقومات العيش الكريم للمواطن اللبناني، ويستعيدون أبسط القواعد السيادية لقيام الدولة».

واشنطن

من جهة ثانية، جددت واشنطن اتهام «حزب الله» بوجود خلايا له في فنزويلا، وقال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إنّ «حزب الله» اللبناني لديه نشاط في فنزويلا وفي جميع أنحاء أميركا الجنوبية. وأضاف، خلال تصريحات لـ Fox Business، انّ «الناس لا يدركون أنّ «حزب الله» لديه خلايا ناشطة في فنزويلا».

وقال: إنّ الإيرانيين «يؤثّرون على الشعب الفنزويلي وعلى جميع أنحاء أميركا الجنوبية». مضيفاً: «لدينا المسؤولية لمواجهة ذلك الخطر من أجل أميركا».

مادورو

من جهته نفى الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، وجود أي علاقات لسلطات بلاده مع «حزب الله». وقال رداً على سؤال عقب كلمة ألقاها أمس حول التطورات الجارية في بلاده: «لا علاقة تربطنا بـ«حزب الله»، لكنّ فنزويلا تستضيف كثيراً من اللبنانيين الذين يقيمون هنا».

وأضاف: «انّ فنزويلا قادرة على حماية نفسها، وهي لا تحتاج إلى أي مجموعات مسلّحة للدفاع عنها».