عاد الحراك الداخلي ليأخذ زخماً جديداً بعدما كان قد خفت بعض الشيء مقابل تسارع وتيرة المتغيرات الإقليمية والدولية التي تطال بتداعياتها إلى هذا الحد أو ذاك الداخل اللبناني .


العنوان الرئيسي للحراك الداخلي الآن هو ممانعة الأحزاب المسيحية لانتخاب مرشح الثنائي الشيعي سليمان فرنجية رئيساً للجمهورية، خصوصاً بعد زيارته الأخيرة لباريس التي أكدت أن صفحة ترشيحه لم تطوى، بل على العكس فهو ما يزال متقدماً بين المرشحين ما دام الحزب متمسكاً به ولم يعطي أي إشارة جدية توحي باستعداده لتبني أي مرشح سواه .

 

على الرغم من عدم نجاح فرنسا في تحقيق أي خرق جدي في جدار الأزمة اللبنانية منذ زيارة الرئيس ماكرون لبيروت في 6 آب 2020، ما تزال الطرف الدولي الأكثر قدرة على التحرك بين الأطراف الداخلية والخارجية المعنية بالانتخابات الرئاسية. وإذا كانت علاقاتها مع إيران قد تأثرت سلباً نتيجة دعم الأخيرة لروسيا في حربها على أوكرانيا وبسبب موقف باريس من الاحتجاجات داخل إيران، فلم تظهر في المقابل أي إشارات جدية إلى تراجع وتيرة العلاقة بين الدبلوماسية الفرنسية والحزب في لبنان، وهذا مع الأخذ في الاعتبار أن مستوى التشنج الفرنسي ، الإيراني انخفض في الفترة الاخيرة .


والأساس أن دعم فرنسا لأي مرشح رئاسي مرتبط بموافقة الحزب على انتخابه، أي أن استبعاد باريس ترشيح فرنجية يحصل في حال استبعده الحزب لا بسبب موقف فرنسي منه، أو نتيجة رغبة الأم الحنون في الوقوف على خاطر الأكثرية المسيحية .

 

وهذا سبب الاندفاعة المتزايدة في الوسط المسيحي لرفض فرنجية بعد زيارته باريس، لأن الاتفاق السعودي الإيراني يعزز الطموح الفرنسي لإنتاج مسودة تسوية بشأن الرئاسة اللبنانية، وإن لم تكن قادرة لوحدها على صياغة تسوية متكاملة وإقناع جميع الأطراف بالسير بها، لكن دورها اكتسب الآن زخماً إضافياً، وهو ما يزيد من أهمية زيارة فرنجية للعاصمة الفرنسية .

 

 بالموازاة يعيد الرفض المسيحي لانتخاب فرنجية إلى الواجهة الخلافات الطائفية بشأن تركيبة الحكم التي تظهر أكثر فأكثر، مع استمرار الفراغ الرئاسي وفي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة، استعداداً مسيحياً أكبر للتمرد على النظام السياسي، بغض النظر عن قدرة الأطراف المسيحية على ترجمة هذا التمرد . 


في هذا السياق راهن العديد على ان مسار الانفراج السعودي الايراني سيقود حتماً الى تسوية في لبنان ايضاً ولكن السؤال الذي يفرض نفسه ، ما هو الحد الادنى ، الذي تقبل به السعودية بالحصول عليه في لبنان ، وما هو الحد الاقصى الذي تقبل ايران بالتنازل عنه في المقابل . 


وهنا لا بد من التذكير بالعودة الى تاريخ 23 كانون الثاني 2022 يوم وصل وزير خارجية الكويت الى بيروت ،كاسراً جدار الازمة الدبلوماسية بين لبنان ودول الخليج ‘ وكان الضيف الكويتي جازماً في طرحه ، جئت اليكم بورقة من 12 بنداً ، وهي ليست ورقة كويتية فحسب بل خليجية وعربية ودولية ايضاً . 

 

الورقة حملت عنوان انقاذ لبنان وترتيب العلاقات الخليجية اللبنانية ، فقد تضمنت دعوة الحكومة اللبنانية الى التزام الطائف وقرارات الشرعية الدولية وجامعة الدول العربية وتأكيد مدنية الدولة ، وتطبيق سياسة النآي بالنفس قولاً وفعلاً كما طالبت بوضع اطار زمني لتنفيذ القرارين 1559 الخاص بنزع سلاح الميليشيات و1701 وسيطرة الدولة على ارضها ، كما اشترطت الورقة وقف تدخل الحزب في الشؤون الداخلية ، والحصول على تعهد من الحكومة بملاحقة أي طرف لبناني يشترك في اعمال عدائية ضد دول مجلس التعاون ،والتدقيق في الصادرات اللبنانية الى هذه الدول لضمان خلوها من الممنوعات ، لا سيما المخدرات . 

 

وبالعودة الى موضوع الاستحقاق الرئاسي في لبنان فمما لاشك فيه انه في العمق تشكل ورقة 2022 الخلفية الحقيقية للحراك السعودي والخليجي عموماً بالاضافة الى بيان نيويورك واللقاء الخماسي ، فلا دعم للحكومة اللبنانية ولا مساعدات ما لم تلتزم الدولة اللبنانية ببنود تلك الورقة ، التي تعني عملياً نقل الحكومة اللبنانية من صف ايران وحزب الله الى صف متوازن ومحايد على الاقل ، والتفاصيل واضحة في بنود الورقة .


والهدف السعودي لم يتبدل على رغم التوصل الى اتفاق بين الرياض وطهران وعلى العكس يعتقد السعوديون ان التوافق مع ايران يجب ان يشكل الغطاء المناسب لضبط نفوذ حزب الله في لبنان وعدم ثقتها في الوعود التي يقطعها . 

 

الايرانيون من جهتهم لن يقبلوا بالطبع خسارة مواقعهم الاستراتيجية في اطار راس الهلال الشيعي ولن يتخلوا عن بوابة البحر الابيض المتوسط والتماس مع اسرائيل ، من دون مقابل وبالتاكيد هم سيدعمون حزب الله ليصمد في وجه الضغوط ، ولكن على الارجح وضمن الصفقة الشرق اوسطية الكبرى قد يوافق الايرانيون في لبنان على تسوية يمكن ان تطمئن المملكة العربية السعودية . 


وسيكون عنولن الحراك المقبل ، بين السعودية وايران ، هو ايجاد الصيغة السحرية التي ترضي الرياض ولا تزعج طهران ، من اليمن الى لبنان ، فهل سينجح الصينيون ، البارعون بالعاب الخفة في تحقيق هذا الهدف .

 

ختاماً في ظل هذه المعطيات ، يبقى الترقب سيد الموقف في انتظار بلورة الصورة الاقليمية والدولية بعد الاتفاق السعودي الايراني .