من قبيل الصدفة أو انها جرعة حريرية سنحت للشارع أن يتحرك بعد جمود قاتل رغم إستفحال الأزمة المعيشية وصعود الدولار إلى أعلى الدرجات وبطريقة مجنونة أدّت إلى غلاء فاحش في كل السلع والخدمات .


ربما زيارة سعد الحريري لوضع إكليل على ضريح والده الشهيد أفاقت نائمين على أطلال المستقبل فاشتعلت نيران الطرقات في شوارع بيروت وخاصة في مناطق كانت درعاً لتيّار الحريري على خلفية وصول الدولار إلى ما فوق الثمانين ألف ليرة في رقم غير مسبوق وغير معهود في تاريخ لبنان وهو على عتبة الوصول إلى المائة ألف ليرة لبنانية إذا ما قامت قيامة اللبنانيين الطاعنين بالخوف وإذا ما استمروا في الركون والخضوع لجلاوزة السلطة .


في الزمن الجميل كانت تسقط حكومات اذا ما إرتفع الدولار ليرة أو ليرتين آنذاك كان لبنان محكوماً من قبل الإقطاع السياسي الذي تاق اللبنانيون للخلاص منه والتفوا حول أحزاب الخراب وخاضوا حروباً أسقطت إقطاع الزمن الجميل وأوصلوا البلاد إلى حكم الميليشيات فعصفت بنا رياح سمومها من كل جهات إنتماءاتها وهذا ما جعل لبنان جُثة في ثلاجة مشفى الأحزاب .


بين الأمس الماروني السياسي الإقطاعي المجحف بحق الأطراف دولة متقدمة على العرب وبعض الغرب وبين اليوم التقدمي السيادي الممانع الميلشياوي مزرعة مملوكة لأمراء الحروب وبين دولة الأمس ومزرعة اليوم شعباً كان حاضراً للدفاع عن حقه في الحياة من العمل إلى التعليم إلى الطبابة إلى الحضور الدائم في الساحات الوطنية دفعاً ودفاعاً عن الحريات والحقوق وبات عاجزاً عن الصراخ بعد أن فقد ما ربحه من ماء وكهرباء وخدمات عامة وحقوق وحريات وكرامة في رغد الحياة لا في الإنشاء الحزبي كما هو حال اليوم حيث تحولت الكرامة إلى ضرورة مسكتة وكامة للأفواه بعد تحويلها إلى أغنية بطرسية وأناشيد هلوسية وترفاً خطابياً وطريقة سهلة لسلطة همّها علفها وعلف حاشيتها دون أن تتحسّس بؤس الناس من ألم وجوع  .


زار الحريري ضريح أبيه على موعد مع ذكرى إغتياله ويبدو أنّه مازال على عهده بوعيه السياسي السيء الصيت والذكر ولم يتعلم بعد مما خسره من دور وموقع وهذا ما يؤكد إستحالة أن يتغيّر من لا يملك قابلية التغيير وما رهان البعض على عودته إلاّ من قبيل الفرج لأزمته التي لا تنفك إلاّ بتمنيات قد تجاوزتها الظروف والمرحلة وما عاد بيد سعد الحريري ما يدركه أو ما يتمناه هذا البعض طالما أن قراره ليس بيده .


لم تكن حرائق بعض البنوك سوى إفتعالات مشبوهة لأنّها تصبّ لصالح السلطة ويبدو تقاسم قطع طرقات بين أطراف في السلطة وخارجها إضافات مفتعلة أيضاً لإخفاء أشياء وإظهار أشياء أخرى ومن ثمّ إستكمال لعبة الضغط بالدولار من خلال لعبة الشارع .


ثمّة مظاهر إعتراضية جدية يحتاجها اللبنانيون المفقرون لإسقاط وكلاء السلطة في عملية الإفقار وهذا ما يطال اللاعبين الكبار بأقوات وأرزاق اللبنانيين وطالما أن أكثرية ما قد باعت نفسها للسلطة من خلال مبايعتها لها في الإنتخابات الأخيرة فلا جدوى من الرهان على يقظتها وتبقى الأقلية الفرقة الوطنية الوحيدة المأمول منها وعليها العمل على تجديد نضالها الإجتماعي والسياسي رغم قسوة السلطة وبأسها وفأسها وصليل سيوفها .