إستمرار النفخ في أبواق الخلافات السياسية، والتي بدأت تأخذ طابعاً طائفياً بغيضاً، ليس من شأنه أن يضاعف الصعوبات والأزمات التي يتخبط فيها البلد وحسب، بل قد يفتح أبواب جهنم على الوضع الأمني، الذي بقي بمثابة خط الدفاع الأخير عن بقايا إستقرار وطن تُحيط به العواصف من كل حدب وصوب .
 

يزداد الانقسام في المشهد اللبناني الداخلي في ضوء المقاربات المختلفة للقوى السياسية حول الاستحقاق الرئاسي والتسوية، ففي وقت لا يهتم الخارج أو لا يضغط للخروج من دوامة الفراغ باستثناء بيانات ومواقف تدعو الى إنجاز الاستحقاقات الدستورية والشروع في الاصلاحات، تتجه الأمور إلى مزيد من الاصطفافات ترفدها الخلافات الحادة والعجز عن الالتقاء على قواسم مشتركة والحوار لإخراج البلد من أزمته. وقد بات واضحاً أن الجميع يراهنون على الحل الخارجي طالما أن التسويات القائمة على المحاصصة لم تعد تجدي في ظل الانهيار والوصول والافلاس. 

 

وإذا كان حزب الله يركز في هذه المرحلة على رفض تدويل الأزمة، وفق الكلام الأخير لرئيس مجلسه التنفيذي، هاشم صفي الدين الذي أعلن رفض معادلات الخارج التي تأتي لتحقق مصالحه، وسوف تنتهي حينئذٍ مصلحة لبنان أمام مصالح الخارج إلا أن هذه المقاربة فيها الكثير من التناقض إذ أن ممارسات الحزب نفسها ترهن لبنان للخارج من زاوية واحدة مرتبطة بمصالح مرجعيته الإيرانية . تلامس تفاعلات تعطيل انتخاب الرئيس الجديد، بالتزامن مع المزيد من التدهور المخيف للوضع المعيشي درجة من الخطورة. إضافة إلى الاحتقان المسيحي، أطلق اعتصام النواب التغييريين في البرلمان صرخة مدوية، تهدف إلى إبقاء الجلسات مفتوحة حتى يصدر الدخان الأبيض. وهذه سابقة في العمل البرلماني تحرج رئيسه نبيه بري وحليفه الحزب. وتلويح الحزب التقدمي الاشتراكي بالامتناع عن حضور الجلسات الممجوجة لرفضه الغرق في لعبة إضاعة الوقت، في وقت دخلت بكركي على الخط وبقوة، بتأكيد مجلس المطارنة الموارنة أنه لا يحق لرئيس حكومة تصريف الأعمال، الدعوة لعقد جلسات للحكومة، في ظل عدم وجود رئيس للجمهورية، ما يزيد من احتدام المشهد السياسي الذي يبدو أنه بات مفتوحاً على كل الاحتمالات بعدما أكد حزب الله وعلى لسان أمينه العام السيد حسن نصرالله، قانونية عقد جلسات لحكومة تصريف الأعمال، ما يعكس بوضوح اتساع الشرخ بشكل كبير مع التيار الوطني الحر الذي لم يعد يربطه بـتفاهم مار مخايل سوى خيط رفيع، بعدما بلغت العلاقة بين الحليفين مستوى اللاعودة. وهو أمر تنظر إليه أوساط العوني، بأنه في منتهى الخطورة، بالنظر إلى كونه يشكل استخفافاً بقسم كبير من اللبنانيين، عدا عن أنه طعن للشراكة في الصميم .

 

وفي حين بدت مواقف البطاركة الموارنة بمثابة رد على خطاب السيد نصرالله ورفضاً لسياسة حزبه من الملف الحكومي ، في ضوء هذه التطورات، ترتفع اصوات داخلية لبنانية تدعو إلى تدخل دولي فاعل يضغط لانجاز الاستحقاقات، فيما تتجه الامور إلى اصطفافات سياسية وطائفية جديدة تتجاوز التحالفات القائمة بين محوري المواجهة في لبنان.

 

 معارضو حزب الله يرون أن دعوته للحوار ورفض التدخل الخارجي لا ترفدها مبادرات جدية حول التسوية، وهو غير مستعد لتقديم تنازلات لترتيب الأوضاع الداخلية، طالما ينطلق من معادلة أن لبنان يتعرض لحصار خارجي تقوده الولايات المتحدة الأميركية، وهو لا يزال يتمسك بمرشح رئاسي لمحور الممانعة هو سليمان فرنجية وليست هناك من بوادر جدية للتخلي عنه والوصول إلى مرشح توافقي، المخاوف أيضاً تعزز الاصطفافات خصوصاً في ظل تعاطي دولي مختلف مع الوضع اللبناني، حيث تأتي تحقيقات الوفد القضائي الأوروبي في لبنان وكأنها تضع البلد دولة خارجة عن النظام المالي العالمي وهو ما قد يشكل مدخلاً لسياسة أوروبية وأميركية جديدة ضاغطة لفرض شروط قاسية على لبنان. 

 

ويبدو أن هذه التطورات تؤدي إلى اطالة أمد إمكان التوافق على اي تسوية أو حل، طالما أن الأوضاع الداخلية اللبنانية غير ناضجة وهناك عجز واضح عن التوافق وانجاز الاستحقاقات. فيما الدول غير مستعدة للانخراط في عملية سياسية أو رعايتها من دون تحديد الوجهة السياسية لأي تسوية.

أمام هذا الواقع الذي سيطول معلقاً كل الملفات.

ختاماً إستمرار النفخ في أبواق الخلافات السياسية، والتي بدأت تأخذ طابعاً طائفياً بغيضاً، ليس من شأنه أن يضاعف الصعوبات والأزمات التي يتخبط فيها البلد وحسب، بل قد يفتح أبواب جهنم على الوضع الأمني، الذي بقي بمثابة خط الدفاع الأخير عن بقايا إستقرار وطن تُحيط به العواصف من كل حدب وصوب .