منذ حوالي عامين شنّ النائب الحاج محمد رعد هجوماً حادّاً على رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع(دون أن يُسميه)، وطالبه بالاعتذار بعد أن أخطأ بحقّ "سيّدنا"، يقصد بالطبع السيد حسن نصرالله أمين عام حزب الله، وكال له المزيد من الشتائم مخاطباً إياه بالقول: أنت تكذب، وأنت كلامك خراب، تتطاول على سيدنا، بل تتطاول على البلد ( باعتبار السيد نصرالله هو البلد)، ثمّ أعاد الكرّة من على أبواب القصر الجمهوري بعد استشارات نيابية بقوله: نحن أسياد البلد، وبالأمس أعاد السيد نصرالله تكرار مقولة السيادة والإستعلاء، وذلك عندما قال: نحن أسيادٌ لدى السيد الخامنئي(دام ظلّه)، وغيرنا في منزلة العبيد عند أسيادهم "الأميركيّين"، وغالباً ما يتردّد في وجه المعارضين لسياسة حزب الله وأمينه العام: أنتم تتطاولون على سماحة السيد، وهذا إثمٌ عظيم، ولعلّه في منزلة الإفك عند البعض.

ولعمري لو كانوا يدرون أو يفقهون ما يعني "السّؤدد" في تراث العرب وحضارتهم وأعرافهم، لأقلعوا عن نعت أنفسهم بالسادة النجباء، ولأيقنوا أنّهم لا يستحقونها من أيّ وجهٍ من الوجوه، فعن عدي بن حاتم: السيد هو الذليل في نفسه، الأحمق في ماله، المُطّرحُ لحقده، المَعنيُّ بأمر عامته، وقال عبدالله بن عباس: سادة الدنيا الأسخياء وفي الآخرة الأتقياء، وقيل لِقيس بن عاصم المنقري، بمَ سُدتَ قومك؟ فقال: بِبَذل القِرا وترك المِرا ( يقصد المُراءات)، وعن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: السيد هو الجوادُ حين يُسأل، والحليم حين يُستجهَل، والبارُّ بمن يُعاشر، وفي الحديث المرفوع: من بذل معروفه وكفّ أذاه، فذلك هو السيد، وقيل: لا سؤدد مع انتقام، والعرب تقول: "سيّد مُعمّم"، يريدون أنّ كلّ جنايةٍ يجنيها أحدٌ من أفراد عشيرته، معصوبةٌ برأسه، وقيل لإبن هبيرة: من سيد الناس اليوم؟ قال: الفرزدق، هجاني ملكاً، ومدحَني سُوَقة، وقيل لعرابة الأوسي: بمَ سدتَ قومك؟ قال بأربع: أنخدعُ لهم عن مالي، وأذلُّ لهم في عرضي، ولا أُحقّر صغيرهم، ولا أحسد رفيعهم، وقال المُقنّع الكندي، وهو محمد بن عميرة:

ولا أحمل الحقد القديم عليهم

وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا 

وليسوا إلى نصري سراعاً وإن هم

دعوني إلى نصرٍ أتيتُهمُ شدّا

إذا أكلوا لحمي وفرتُ لحومهم 

وإن هدموا مجدي بنيتُ لهم مجدا

يُعيّرني بالدَّين قومي وإنّما 

ديوني في أشياء تُكسبُهم حمدا.

هكذا يكون السؤدد في أعراف العرب وطبائعهم وضمائرهم يا "سادة يا كرام".