هل الانهيار غير المسبوق الذي يشهده لبنان هو نتيجة طبيعية للتغييب المتواصل للدولة، أم أنّ هناك مَن تعمّد دفع البلد إلى الانهيار، أم ان ثمّة من استثمر في هذا الانهيار تحقيقاً لمشروعه بتغيير ديموغرافية البلد تمهيداً لتغيير هوية لبنان؟

 

عندما حكم الرئيس حافظ الأسد بيروت من دمشق كان همُّه إقناع المجتمع الدولي بأهمية وجود جيشه في لبنان ووصايته السياسية على قراره انطلاقاً من ثلاث حجج أساسية ساقَها تبريراً لهدفه بتصحيح خطأ تاريخي ربطاً بعقيدته السياسية:

الحجة الأولى انّ اللبنانيين مجموعة طوائف وقبائل غير قادرة على إنشاء دولة موحدة، وان وجود جيشه أوقَف الحرب الأهلية وأعاد الاستقرار، وأن خروج هذا الجيش يعيد هذه الحرب وينسف الاستقرار.

One minute around the Atlantis - The Palm - Dubai 00:00

Previous PauseNext

00:01 / 01:31 Unmute Settings Fullscreen Copy video url Play / Pause Mute / Unmute Report a problem Language Share Vidverto Player  

الحجة الثانية ان وصايته السياسية على القرار اللبناني أدت إلى دخول لبنان في مرحلة من الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي والسياحي.

 

الحجة الثالثة ان وجود جيشه في لبنان يؤدي إلى إبعاد إيران عن التدخُّل في الشؤون اللبنانية وضبط إيقاع ذراعها في لبنان المتمثِّل في «حزب الله»، أي انه الأقدر على تأمين أمن إسرائيل بالتفاهم مع واشنطن ولجم الحزب.

 

لكنّ الفارق الجوهري بين حكم الأسد الأب وحكم أمين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله للبنان يكمن في انّ الأول مكوِّن خارجي، وتمكّن من إبعاد المكونات الداخلية التي تعارض دوره، ونجح بانتزاع مظلة دولية وعربية لوجود جيشه في لبنان. فيما الثاني مكوِّن داخلي ويستحيل على طائفة ان تتحكّم عسكريا وسياسيا بالطوائف الأخرى، ولم يتمكّن من إبعاد أخصامه، ودوره مرفوض دوليا وعربيا.

 

وهذا الفارق الجوهري حال دون الاستقرار السياسي ومن ثمّ المالي وأدى إلى نشوء ثلاث مقاربات حول أسباب الانهيار المالي وخلفياته:

المقاربة الأولى ترى انّ الانقسام السياسي العمودي بين فريقين ومشروعين أدى إلى تفريغ المؤسسات وتعطُّل دورة الحكم وتوقُّف الاستثمارات، كما ان استلام فريق 8 آذار للسلطة بدءا من العام 2011 أدى إلى عزل لبنان عن الخارج وتحديدا عن دول الخليج، وسَرّع في وتيرة الانهيار، خصوصاً ان هذا الفريق لا يُتقن مهارات الحكم ودوره يتناقض مع الإصلاح باعتبار انّ أي إصلاح يؤدي إلى تقليص دوره السياسي العابر للحدود والذي لا يقيم وزناً للدولة.

 

فالانهيار كان حتمياً كونه يستحيل الحفاظ على الاستقرار المالي من دون مساعدات خارجية وتحديدا خليجية، ومن دون إدارة شفافة للدولة، ومن دون إصلاحات جدية، ومن دون استقرار سياسي، فضلاً عن انه لا يمكن لدولة صغرى ان تتحمّل أعباء فساد مُغطى سياسياً، كما لا يمكن ان تتحمّل أعباء «حزب الله» وحلفائه والنظام السوري، فيما هي بالكاد تستطيع ان تُعيل شريحة من اللبنانيين.

 

وتعتبر هذه المقاربة ان لا مصلحة لـ«حزب الله» بالانهيار المالي كونه يقود إلى انهيار الدولة التي يُمسك بمفاصلها، ومصلحته الاستراتيجية تكمن في بقاء الدولة المُسيطر عليها من قبله تجنّباً لدويلات طائفية تُرسِّم حدود نفوذه داخل البيئة الشيعية حصراً.

 

المقاربة الثانية تقول ان «حزب الله» تعمّد دفع البلد إلى الانهيار وعزله عن الخارج وإدخاله في فوضى هو الطرف الأقوى فيها، بدءاً من سيطرته على مناطقه وتوفير، بشكل أو بآخر، مقومات الدعم المادي الإيراني لها وفرض الاستقرار داخلها، مروراً بمدّه الدعم لحلفائه في كل الطوائف بغية ان تفرض نوعاً من أمر واقع يؤدي إلى انقسامات وحروب داخل هذه الجماعات، وصولاً إلى استبعاد تدخُّل الخارج لإنهاء الأزمة اللبنانية بسبب انشغال هذا الخارج بأزماته، والدليل ما يحصل في سوريا وأوكرانيا.

 

والهدف الأساس من دَفع البلد إلى الانهيار تغيير معالمه الديموغرافية تسهيلاً لتحقيق مشروع الجمهورية الإسلامية بدلاً من الجمهورية اللبنانية، وهو يدرك ان قيام جمهوريته يتطلّب من ضمن الأمور التي يتطلبها تفريغ البلد من نُخبه وناسه، ومعلوم انّ حجم الهجرة في السنتين الأخيرتين تجاوزَ سنوات الحرب مجتمعة.

 

فالانهيار بهذا المعنى هو هدف مرحلي تحقيقاً لهدفه النهائي طالما انه ضامِن للاستقرار داخل مناطقه، وضامن لعدم الاستقرار داخل المناطق الأخرى، وضامن لعدم التدخُّل الدولي، وبالتالي ينتظر اللحظة المناسبة لتحقيق مشروعه بعد ان يكون ضرب التوازنات الطائفية والمذهبية لمصلحته.

 

المقاربة الثالثة تعتبر انّ الانهيار المالي لم يكن هدفاً من أهداف «حزب الله» بسبب خشيته من مفاجآت لا يتوقعها من قبيل التدخُّل الدولي، أو قدرة الطوائف على ترسيم حدودها وقطع الطريق أمامه على التدخُّل في شؤونها من خلال تحالفاته، الأمر الذي يؤدي إلى خسارته السيطرة على مفاصل الدولة وكل الجغرافيا اللبنانية وعزله داخل بيئته، ويُهيّئ هذه الطوائف بالمقابل على إرساء وضعية سياسية منفصلة تماماً عن وضعيته.

 

ولذلك، لم يكن في وارد الدفع عمداً نحو الانهيار، ولكن عندما وقعَ نتيجة سياساته عَمد إلى الاستثمار فيه ضمن حدّين، حدّ محاولة الحفاظ على هيكل الدولة من أجل أن يواصل إمساكه بمفاصلها وجغرافية البلد، وحدّ استمرار الواقع الانهياري الذي يؤدي في حال استمراره في أقل من خمس سنوات إلى تبدلات ديموغرافية هائلة تسمح له بأن يُرسِّخ دعائم مشروعه السياسي الأساسي القائمة على أسلمة لبنان وفق نموذج ولاية الفقيه.

 

وبمعزل عن دقة هذه المقاربات أو عدمها، إلا انه من الثابت استناداً إلى الوقائع والأرقام بأنّ الانهيار المالي أدى لغاية اليوم إلى هجرة شريحة عمرية واسعة من جميع اللبنانيين، وهذه الهجرة غير المسبوقة ستحافظ على وتيرتها في ظل انهيار كل شيء في لبنان إلى درجة انّ المواطن بات يخشى المرض تجنّباً لدواء مفقود والدخول غير المتوفِّر للمستشفى، فضلاً عن الشح في المياه والكهرباء المقطوعة والأعمال المتوقفة والدولرة الشاملة تقريباً...

 

وبمعزل عما إذا كان هذا الانهيار يشكل جزءاً لا يتجزأ من مخطّط منهجي ومبرمج لتهجير اللبنانيين، أم انه نتيجة طبيعية للانهيار الحاصل بفِعل تغييب الدولة وسوء إدارتها من قبل فريق 8 آذار، فإن النتيجة واحدة، خصوصاً انّ «حزب الله» يتلقى الدعم الإيراني وهو مسلّح، كما ان ضرب التوازن الدقيق بين الجماعات يؤدي تلقائياً إلى تغليب جماعة على الجماعات الأخرى ليس فقط من خلال عامل السلاح، إنما عبر العامل الديموغرافي الخطير الذي يُفضي إلى ضرب هوية لبنان التعددية وتحكيم الديموقراطية العددية، والدخول في الترجمات العملية لمشروع «حزب الله» في وثيقته الأولى بعد انطلاقته الفعلية.

 

وأمام هذا الواقع لا بدّ من التفكير بالصيَغ التي تُفرمل الهجرة وتحمي الواقع التعددي وتحافظ على التوازن بين الطوائف، ولا خيار خارج إطار اللامركزية الموسّعة إلى أبعد حدود وفي أسرع وقت ممكن وقبل فوات الأوان، لأن اي خيار آخر عَصي على التنفيذ حالياً، بدءاً من نزع سلاح «حزب الله» غير الممكن، وصولاً إلى فرملة الانهيار غير المُتاح في ظل قبضة الحزب وحلفائه على السلطة الذي حال دون الإصلاح وأدّى إلى عزل لبنان.