العالم يتغيّر، ما من شك بذلك. فمنذ عبور الدبابات الروسية باتجاه الاراضي الاوكرانية بدأ ما يشبه التحوّل الكبير في القارة الاوروبية وعلى المستوى العالمي.

كانت التحضيرات قائمة للبدء بمرحلة احتواء التمدّد الصيني لتنعطف الأحداث باتجاه آخر هو أكثر واشدّ خطورة، لكن الأهم انّ الشرق الاوسط يتغيّر بسرعة أكبر.

 

فمنذ فترة بدأت العلاقات السرية لبعض الدول العربية مع اسرائيل تتحوّل لأن تصبح علنية ووفق برنامج تطبيع بأسلوب فيه الكثير من الجرأة، ويعيد بناء التحالفات والاصطفافات وفق برنامج مختلف للصراع، قوامه الأساسي ايران، ومع تسجيل تراجع الاهتمام الغربي وخصوصاً الاميركي، بالأولوية المطلقة التي كانت موضوعة للشرق الاوسط.

وكان من المفترض ان تشكّل العودة للعمل بالاتفاق النووي استكمالاً للمشهد الجديد في المنطقة، وبداية لرسم خارطة النفوذ السياسي الجديدة فيها. الّا انّ تداعيات الحرب الدائرة في أوكرانيا زادت من تعقيدات المشهد وأعادت الشرق الاوسط إلى صدارة الإهتمامات.

في اوكرانيا لا يبدو انّ نهاية الحرب باتت قريبة. فتراجع وتيرة الهجومات في موازاة حركة المفاوضات الدائرة بين موسكو وكييف أعطيا انطباعاً خاطئاً ومخادعاً للبعض بوجود إمكانية لنهاية قريبة لهذه الحرب.

في الواقع، فرض الطقس على القوات الروسية التخفيف من حدّة وسرعة هجومها بسبب صعوبة تحرّك آلياتها ومدرعاتها.

فمن الصعب الاعتقاد بأنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيرضى بصفقة تقضي بانسحاب جيشه، هكذا وبكل بساطة، في وقت يستمر فيه فولوديمير زيلينسكي يمسك بالسلطة في اوكرانيا. وبالتالي، فمن غير الطبيعي الاعتقاد بأنّ بوتين سيقبل بتحمّل هزيمة بهذا الحجم، وهو الذي يدرك انّ غالبية الزعماء الاوروبيين يريدون، لا بل يسعون، إلى أن تشكّل نهاية هذه الحرب بداية نهاية حياته السياسية، وسط تراجع الاقتصاد الروسي بسبب العقوبات، وهو ما سينعكس سلباً على حياة الروس في فترة ليست ببعيدة.

 

غالب الظن انّ بوتين سيستغل المرحلة الفاصلة عن تحسّن الأحوال الجوية بمفاوضات لن تصل إلى أي نتيجة، وبإعادة ترتيب أوضاع الجيش الروسي، وسط تقديرات تشير إلى انّ حوالى 90% من وحداته المخصّصة للحرب في اوكرانيا، لا تزال سليمة وقادرة على استعادة زمام المبادرة.

في المقابل، فإنّ الجيش الاوكراني لا يزال يمتلك القدرة على التحكّم بساحات القتال. فعلى سبيل المثال، نفّذت الوحدات الاوكرانية هجمات مضادة على مواقع روسية عند تخوم العاصمة كييف، فيما تعمل على تجهيز قوى أخرى لخوض غمار قتال الشوارع عند اقتحام كييف، مستفيدة من دروس مدينة ماريوبول.

والواضح انّ الدعم الذي تعمل الدول الغربية على مدّه لأوكرانيا هدفه استنزاف روسيا وإطالة أمد الحرب وقتاً كافياً، لارتفاع منسوب المعارضة داخل روسيا، مرة بسبب الخسائر البشرية ومرة اخرى بسبب ظهور مفاعيل العقوبات على الاقتصاد الروسي ومعيشة المواطنين.

اوروبا التي تعمل على فك ارتباطها النفطي بروسيا، والتي باشرت بموازاة ذلك رفع موازناتها العسكرية، تأمل بسقوط بوتين، لكنه رهان صعب. فيما حكّامها يستفيدون في الوقت نفسه من تثبيت حضورهم، وأولهم الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي وظّف الوضع لصالحه، ما جعله في موقع أفضل بكثير في مشوار إعادة انتخابه الشهر المقبل.

 

كذلك يستفيد الرئيس الاميركي جو بايدن في الإطار نفسه، حيث استعاد الحزب الديموقراطي أنفاسه قبل الانتخابات النصفية في الخريف المقبل.

لكن الإدارة الاميركية تبدو اكثر واقعية، وهي التي تراهن ربما على تسوية شاملة مع بوتين عندما تنضج ظروفها. الّا انّ إضعاف بوتين من خلال إنهاك اقتصاده والتخفيف من اعتماد اوروبا على النفط الروسي، ألزم الجميع بالعودة إلى منابع الشرق الاوسط والخليج. لكن الظروف لم تعد مسهّلة كما في السابق بالنسبة لواشنطن.

فالسعودية، والتي عُرفت تاريخياً بالحليف «الصافي» للاميركيين، حصل تبدّل في مزاجها إثر الإهمال الذي عومل به ولي العهد الامير محمد بن سلمان، اضافة إلى التحضير للعودة الى الاتفاق النووي الايراني. فالكواليس الديبلوماسية بدأت تتحدث عن قرار سعودي بعدم الاعتماد الكامل على الغطاء الاميركي لوحده على المستوى الدولي. فلا بدّ من التنويع ولو مع ترك الهامش الأوسع للاميركيين، وجرى اتباع هذه التسريبات بالإعلان عن التحضير لزيارة الرئيس الصيني الى السعودية بعد عيد الفطر. وهذه الزيارة، والتي ستكون الزيارة الخارجية الاولى للرئيس الصيني منذ بدء جائحة كورونا، أزعجت الإدارة الاميركية كثيراً، ولو انّها آثرت عدم ترجمة انزعاجها بمواقف رسمية.

في المقابل، يُحكى عن حفاوة بالغة يجري التحضير لها للرئيس الصيني، والتوقيع على اتفاقات، بشكل يعيد التذكير بالحفاوة السعودية بالزيارة التي قام بها الرئيس الاميركي السابق دونالد ترامب الى السعودية في بداية ولايته.

 

وفي وقت يدور حديث عن رفع العقوبات عن الحرس الثوري الايراني، سترسل السعودية إشارة واضحة ببدء انتهاج سياسة جديدة، في ظل التحول الجيوسياسي الذي يصيب الشرق الاوسط. صحيح انّ الوضع لم يصل الى الخط الاحمر، وهو ربما ما زال بعيداً عنه، لكن ثمة ملفات خلافية كثيرة بين الرياض وواشنطن، أبرزها على الإطلاق، العلاقة مع ايران وحرب اليمن. وتزامن ذلك مع رسالة قوية من خلال الإعدامات التي نفّذتها. والإدارة الاميركية التي ألزمتها تطورات اوكرانيا على وضع سياسة «إدارة الظهر» جانباً، عملت على الإفراج عن صفقة طائرات الـ F.15 الى مصر. وتوجّه الكونغرس للموافقة على مبيعات عسكرية لمصر بقيمة مليارين ومئتي مليون دولار اميركي. فمصر هي الركيزة الأساسية لشمال افريقيا والخليج العربي، إضافة الى مهمّة جديدة تتعلق بالغاز في شرق البحر الابيض المتوسط.

ولكن، الإشارة الاعتراضية الثانية جاءت من الإمارات التي كانت قد طالتها ايضاً صواريخ الحوثيين كما السعودية. الإمارات التي كانت سبقت السعودية في علاقاتها مع الصين، والتي شكّلت رأس جسر للصين باتجاه افريقيا وايضاً اوروبا، مع وجود زهاء ربع مليون صيني في الإمارات، فتحت ابوابها لأول زيارة للرئيس السوري بشار الاسد إلى بلد خارجي غير روسيا وايران منذ العام 2011 تاريخ اندلاع الحرب فيها.

المستشار الديبلوماسي لرئيس الإمارات انور القرقاش وضع الزيارة في اطار تكريس الدور العربي في الملف السوري. هو أراد ان يقول بعبارات ديبلوماسية ما معناه، ملء الفراغ في سوريا لصالح إضعاف الحضور الايراني، وهو ما يعني انّ دول الخليج وبالتالي الدول العربية، باتت جاهزة لاستعادة علاقاتها الديبلوماسية والرسمية مع دمشق. وبالتأكيد، فإنّ سوريا التي تعاني عزلة دولية، بحاجة لإعادة علاقاتها مع الدول الخليجية، خصوصاً لأنّها قادرة على إنعاش الاقتصاد السوري الذي يعاني بشدة. أضف الى ذلك إعادة إعمار سوريا.

 

ودول الخليج في الوقت نفسه تريد الاستعانة بعلاقتها مع سوريا لوقف التهديدات الأمنية التي تصيب العمق الإماراتي والسعودي، خصوصاً بعد ان ادّى التطبيع مع اسرائيل والاتفاقات التي جرى توقيعها، الى وضعها في موقع دقيق، وهي التي تقع بالقرب من ايران.

تجدر الإشارة، الى انّ اكثر من ربع مليون اسرائيلي زاروا اسرائيل من ايلول 2020 وتشرين الاول 2021. والأهم ووفق المصادر الإعلامية الاميركية، فإنّ الاتفاق النووي الايراني بات على الابواب او في امتاره الاخيرة. لدرجة انّ البعض يقول إنّ نصوصه قد كُتبت وانّ الامور تنتظر إتمام الإخراج المطلوب.

وهو ما يعني بالتالي، انّ الحقبة الجديدة التي تنتظر الشرق الاوسط قد لا تكون بالهدوء الذي يأمله البعض، وانّ التعقيدات تشي باضطرابات سيغذيها سعي القوى الاقليمية إلى تحسين موقعها وفرض نفوذها، طالما انّ الحاجة الى آبار الشرق الاوسط استعادة اولويتها المطلقة.

هي حسابات لا بدّ ان يضعها لبنان في ميزانه، وهو الذي تتواجد فيه ايران والخليج والغاز البحري. لكن حسابات القوى السياسية تنحصر في مكاسب فئوية وسلطوية وتوظيف الدولة لحساب هذا الفريق او ذاك، في إطار الإمساك بالسلطة ولو على أنقاض مؤسسات الدولة والاقتصاد المنهار وهجرة الناس.