هناك هاجس وحيد لأركان السلطة هذه الأيام: الحصول على دولارات ليتمكنوا من الاستمرار. لهذا السبب كانت عودة «الثنائي» إلى الحكومة وإطلاق الوعود بتحريك الحكومة وتسهيل الانتخابات. ولهذا السبب كان الهبوط المفاجئ والصاعق للدولار، اصطناعياً. والمدخل إلى الدولارات واحد: الاتفاق مع صندوق النقد.

كل أركان السلطة قرّروا أن يتجاوزوا نزاعاتهم ومناوراتهم السياسية من أجل إنقاذ «التركيبة» التي يقفون عليها. فهي إذا سقطت ستطيحهم جميعاً. وما تقوم به المنظومة في ظل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي شبيهة بما حاولت القيام به، في ظل حكومة الرئيس سعد الحريري في العام 2018.

ad
 

آنذاك، اكتشف أركان التركيبة أنها بدأت تتداعى تحت أقدامهم، فأوحوا للمجتمع الدولي أنهم سينصاعون للإصلاح المطلوب. كذلك- كما اليوم- تمّ إمرار موازنةٍ في آذار 2018، تحت عنوان الإصلاح. لكن ما جرى واقعياً لم يكن سوى التحضير لرفع الرسوم وفرض ضرائب جديدة، وتوجيه رسالة إلى مؤتمر «سيدر» والمانحين بأن لبنان يستحقُّ المساعدة والدولارات.

 

ولكن، لا المانحون اقتنعوا ولا أرسلوا الدولارات، ولا نجحت المنظومة في تجاوز الاستحقاق. وفي 17 تشرين الأول التالي، على خلفية ضريبة 6 سنتات على «الواتساب»- لم تكن قابلة للتنفيذ تقنياً- انفجر الاحتقان.

 

لاحقاً، ما قامت به حكومة حسّان دياب ليس مختلفاً نوعياً. أطلقت «خطة نهوض» غير قابلة للتنفيذ، من خلال مؤسسات لها سمعة دولية، لعل ذلك يفتح الأبواب لصندوق النقد كي يقتنع بالاتفاق. لكن القوى السياسية كانت بالرصاد لمنع تحويل الخطة إلى واقع، لأن الإصلاح يشكِّل مقتلاً لها. وهكذا، بقي الصندوق في الانتظار.

 

اليوم، بعدما سمع الجميع أصوات جرس الإنذار بصعود الدولار إلى 34 ألفاً، واتجاهه إلى انفلات غير مضبوط، أدركوا أن هذا النوع من الفلتان سيكون غير قابل للضبط، لأن الناس سيدخلون فعلاً في وضعية الجوع والفوضى والعنف يصعب حصرها. وهذا سيقود إلى انهيار كل حجارة المنظومة التي هم جزء منها أو يقفون عليها.

ad
 

ولذلك، عادوا إلى الخطة إياها: نخادع المجتمع الدولي بوعود «إصلاح» جديدة. ولأن السعوديين لم يفتحوا الأبواب، ولا سائر الخليجيين، ولا الأميركيون طبعاً، ولا الأوروبيون من خلالهم، هم يجرِّبون صندوق النقد الدولي، ويستفيدون من رصيد اللبنانيين العاملين فيه اليوم أو أولئك الذين عملوا فيه لسنوات مديدة.

 

وستنطلق جولة المفاوضات مع الصندوق قريباً. ومن أجلها، ستقرّ الحكومة موازنة جديدة. ويبذل المعنيون بالمال والنقد كل جهدٍ لخلق أجواء ملائمة، عبر «دَوْزنةٍ» سحرية لأسعار الدولار بين السوق السوداء و»المنصّات» المختلفة التي سيتم اعتمادها في الموازنة.

 

هذه الموازنة لا تبدو فيها أي بنود إصلاحية. هي فقط تشرِّع عملية تدفيع الناس ثمن انهيار ارتكبته المنظومة. ولئلا تنكشف هذه المنظومة أو تدفع هي الثمن من المليارات المنهوبة، سيتمّ رفع الضرائب والرسوم على الجميع سواسية.

 

وأساساً، لم توافق المنظومة على أي تشريع للكابيتال كونترول والهيركات عند بداية الأزمة، لأن ذلك كان سيحرمها من استمرار استنزاف الودائع العائدة إلى الفئات المتوسطة والفقيرة من المصارف، فيما حيتان المال هرَّبوها بأمان، وممنوع النقاش في إعادة المهرَّب كما المنهوب.

ad
 

إذاً، تريد المنظومة إجراء مفاوضات مع صندوق النقد على قياسها ووفق شروطها، وإلا فلنكسب المزيد من الوقت بالمناورات، لعل الأمور إقليمياً تأتي بحل مفاجئ. ولكن، هل يتجاوب الصندوق، أي الأميركيون والمجتمع الدولي عموماً؟

 

راهنت المنظومة لعقودٍ على «تعب» الجهات والصناديق المانحة و»يأسها» من الفساد اللبناني. وقصة البنك الدولي مع لبنان معروفة، وهي- كما يروي العالمون- تتبع المسار الآتي: البنك يوقِّع مع لبنان عقداً لتمويل مشروع معيَّن، ويكلِّف أحد مكاتبه التنفيذ خلال عامين أو ثلاثة مثلاً.

 

منذ اللحظة الأولى، يماطل اللبنانيون في التنفيذ قصداً. وعندما يمرُّ عام أو اثنان مثلاً، يشعر المكتب المعنيّ بأنه على طريق الفشل في مشروعه، وهذه نكسة مهنية له. عندئذٍ، يستدعيه «المعنيون» إلى لبنان للمناقشة، ويفرشون له الأرض. فيستعجل تحت «الضغط» ويوافق على التمويل من دون تدقيق في شفافية التلزيم ومصير الأموال الواردة. وهكذا، فالكلّ «مبسوطون».

 

لو لم تتخذ إدارة دونالد ترامب موقفها المتشدّد من المنظومة، بدءاً من 2017، ضمن مواجهتها المفتوحة مع طهران وفي ظل انسحابها من الاتفاق النووي، لما وقعت الأزمة في لبنان، ولكانت دولارات الجهات والدول المانحة قد استمرَّت تغذّي الفساد اللبناني، فيكبر الدين من 90 مليار دولار إلى 100 إلى 120 وبلا حدود.

ad
 

فالمسألة سياسية حصراً. وإلا فلماذا لم يقع الانهيار عند سقف 80 ملياراً أو 70 أو 60؟

 

اليوم، إذا كان المناخ الدولي يسمح بترقيع الأزمة في لبنان، فإن الاتفاق «كيفما كان» مع الصندوق يصبح ممكناً، بضوء أخضر دولي. ويقول البعض إن الصندوق أنقذ مصر بالمليارات، وهي في أي حال ليست الجنة الإصلاحية المرجوَّة. فلماذا لا يفعلها مع لبنان؟

 

هذا هو تحدّي صندوق النقد: يكون هناك إصلاح أو يوافق على عودة الترقيع؟ الحال الأولى ليست واردة بالتأكيد، والمظاهر واضحة، فهل هناك ثقبٌ يؤدي إلى الحال الثانية؟