كان أبو سعيد الجنابي داعية القرامطة في منطقة فارس الجنوبية لاعباً على وتر القومية وناشراً بين الناس أن الله يكره العرب لأنّهم قتلوا الحسين وتمكّن أبو طاهر الجنابي من مهاجمة مكّة ودخل المسجد الحرام بعسكره وقتلوا الناس داخل الحرم وخارجه ونزع عن الكعبة ستارها وقلع بابها واقتلع الحجر الأسود وأخذه معه أيضاً حيث ظلّ في حوزة القرامطة لعشرين سنة ولم يقوّا العباسيون عليهم  كما تذكر المصادر إلاّ بوساطة شّاقة دفع العباسيّون من خلالها الأموال للقرامطة ليفكّوا أسر الحجر الأسود بغية إرجاعه إلى مكانه .

 

قبل القرامطة وبعدهم  استمرت ولم تنته بعد حروب المسلمين فيما بينهم  وقد تكون سبباً رئيساً من أسباب سقوط دولة الخلافة في الماضي ونهاية إمبراطورية بدأت من المدينة وانتهت في تركيا وقد أسهمت حروب الفرق والمذاهب المنتشرة بكثافة في التجربة الإسلامية والتي كانت أعنف وأكثر إيلاماً وخسائراً من الفتوحات في إنها الدور التاريخي للأمّة الإسلامية . 

 

ومازالت هذه الصور حيّة ومستمرة وهي سبب مهمّ من أسباب وهن الأمّة الراهنة نتيجة للخلافات وللحروب أيضاً بين دولها منذ نهاية العثمنة وبداية تشكّل الدولة الوطنية على خلفية الإستقلال من الإستعمار الغربي والتي شهدت بدورها خلافات وحروب طاحنة حتى يومنا وهذا ما كرّس الهزيمة الجديدة لأمّة كانت كل خسائرها بفعل حروبها الداخلية وضدّ تشكيلاتها القومية والمذهبية .

 

برز منذ ثمنينيّات القرن الماضي بين العرب وإيران عداءًا اتخذ في بدايته بُعداً قومياً ومع استمراره بُعداً مذهبياً وكلا البعدين أعادا التاريخ الخلافي سواء في نزعته القومية أو في احترابه المذهبي وهذا ما جعل من الحروب الأخيرة في العراق وسورية واليمن مشهداً من مشاهد التاريخ الإسلامي الدموي وهذا ما أحيا الشعور المذهبي بحيث تجنّد المذهبيون لنصرة الحروب المتمذهبة وبطريقة هستيرية دفعت بعشّاق المذاهب إلى الإنتحار من خلال مسلسل يومي للعمليات الإنتحارية لإن في ذلك رضاً لله ورسوله ووصولاً لجنة الحور والغلمان وبحماسة غير مشهودة مع الأعداء حتى مع العدو الإسرائيلي اذ لم تجتمع أمّة المذاهب على قتال " اسرائيل " كما احتشدت لقتال بعضها البعض وكان هناك من يردع الناس عن قتال المحتل في حين أن الأب يدفع بنفسه وبأولاده الى معركة الأمّة في ما بينها ويراها أشرف المعارك و أقدسها .

 

سياسة التكفير لا تستطيع أن تلغي إسلام أحد مهما بدا للسنيّ عدم إسلام الشيعي والعكس أيضاً صحيح كما أن الحروب لا تستطيع أن تغيّر حال الدول ولو كانت المملكة العربية بقادرة على شطب الجمهورية الإيرانية من خارطة الوجود لكانت حرب العراق على إيران قد حققت لها ذلك ولو كانت إيران بقادرة على التخلص من السعودية لما تأخرت لذلك تتفهّم إيران كما المملكة أن وظيفة الحروب أن تضرب مصالح وأن تحقق غايات ومصالح ليس أكثر من ذلك خاصة بين أنظمة محكومة سلفاً لسقوف إقليمية ودولية لا طاقة لها على اختراقها بقدر ما هي محكومة لتلبية حاجات الدول الآمرة .

 

تبدو صيحات التاريخ المستحضرة معاول جديدة لفتح المزيد من القبور لراغبين مذهبيين توّاقين الى ملاقاة ربهم وهم على وضوء بدماء بعضهم البعض .