ان اللاعنف الذي ميّز حراك تشرين ورافقه هو دلالة على قناعة عميقة مشتركة لدى الناس بان التغيير الذي ينشدونه ممكنٌ تحقيقه بالوسائل الديموقراطية المتاحة، ويتضمن موقفا واضحًا بالرفض المطلق للدخول في حروب عبثية تدفعهم اليها منظومة الفساد المتسلطة التي نجحت في اعتماد سياسة الانكفاء المؤقت والاختفاء المريب، واستيعاب الحراك ونعتِه بتهم باطلة.
 

منعت المنظومة الحاكمة والمتحكّمة الدخول في أي بحث جدي يحمل بارقة امل للخروج من الواقع المأزوم، واغلقت الأفق امام اي تغيير منشود، حيث تعتقد "المنظومة" بعملها هذا، المنافي للطبيعتين البشرية والاجتماعية، انها مصدر حياة والهام لواقع قائم يتراقص بين قدرة قوية على التحكّم، وضعف وعجز واضحين عن الحكم، مما يُبقي لبنان رهينة وضع لا مثيل له. يقول فخامة الرئيس في حديث تلفزيوني: "من المؤكد ان التغيير آت وسيحصل. لاننا وصلنا الى ما نحن عليه نتيجة الخطيئة والسرقة والفساد والفشل. ازمات هلّأ والانسان ترشح لشغلة، ما بيهرب، بعدين بكمل مسؤولياتي عالآخر وبتنتهي."

 

 

   هذا العهد الفريد المنتفخ بازمات تجاوزت حدود الانفجار دخل في حالة جنون عبّرعنها وزير سياحة الحكومة في حملته الترويجية للسياحة باختيار شعار "بجنونك بحبك". لم يجد الوزير سوى الجنون  لعنونة الحملة الترويجية وفق قاعدة  "جود من الموجود"، ومع هذا جاء الشعار تعبيرا صادقا عن واقع الحال ليشكل توصيفًا لحالة، لم تلقَ تعليقا، تضاف الى الفساد المزدهر الذي اجتاح بعض "الجامعات" الخاصة جدا بتصديرها الاف الشهادات المزورة  مشوهةً بذلك ما تبقى من صورة لبنان وسمعته ـ جامعة الشرق ـ وكأن ورشة التخريب في سباق محموم مع الزمن وملتزمة بـ "خطة خمسية" لهدم ما بُني في العقود والعهود السابقة حيث كانت العهود موزونة ومسؤولة.

 

 

   في اواخر العقد الثاني من القرن الماضي اعتمد الاتحاد السوفياتي ما عرف لاحقا في الاقتصاد بـ "الخطة الخمسية" للنهوض الشامل. وبالفعل حققت اول "خطة" نجاحا لافتا نقل "الاتحاد" من دولة فقيرة متخلفة الى دولة متقدمة، والخطة الثانية نقلته الى دولة فضائية كبرى. اما اليوم، في نهاية السنة الخامسة من هذا العهد، تحتشد ازمات لاحصر لها، وكأن الخطة الخمسية الاولى لهدم الكيان قد أنجزت حيث قَبَعَ لبنان في اسفل قائمة الدول الفاشلة والمارقة. وبدأ الحديث عن ردفها بخطة ثانية ستُجهز عليه في حالة "تطيير" الانتخابات كما يبشرون ويوهمون انهم جاهدون في البحث عن الحل المنشود والموجود في "التمديد" وهم جادون. لكن لبنان حينها لن يكون له وجود، وسيتبخر الى ما بعد بعد الفضاء.

 

 

   ان الفجيعة ليست في المنظومة المتسلطة وسياستها فقط، بل ايضا في "الحراك" الذي لا يعرف ماذا يريد. وهو يواجه منظومة تعرف تماما ماذا تريد. وثمة فارق كبير بين عارفٍ لما يريد ومريدٍ ما لا يعرف.

 

 

 شكلت 17تشرين لحظة تأسيسية لمرحلة غير مسبوقة، حيث انتقل العمل السياسي لاول مرة الى فعل وقرار بيد المعارضة والشارع (بالمعنى العام الايجابي)، وباتت السلطة بكل مكوناتها في حالة "ردة فعل". اما اهم الاسباب التي منعت هذه "اللحظة "من البناء عليها وتثميرها في انتاج تغيير حقيقي وسلطة بديلة فيعود الى تضارب شعارات "الحراك" بين من يريد "اسقاط النظام" ومن يريد "تطبيق النظام"، والفارق كبير بينهما، مما سمح للمنظومة بالتقاط انفاسها التي كادت ان تكتم لو ان قوى التغيير احسنت التدبير واعتمدت شعار "الشعب يريد تطبيق النظام"، وهذا فعلا ما تريده الاكثرية الحقيقية. فالاعتراض على الوضع العام موجود في الشارع  وكان ضروريًا لخلق شعور بالمشكلة، والبدء بالعمل على ايجاد خارطة طريق للنهوض. والذي لا يعترض على الوضع القائم ليس معنيًا بالتغيير، فالاعتراض هو مقدمة للتغيير. ومن يريد التغيير عليه ان يعرف ما هو المستحيل، ليعرف بذلك ما هو الممكن.  

 

     هذا التضارب ادى الى تماسك "المنظومة" المتأبلسة التي فشلت رغم تماسكها في تخويف الشعب بتهديده بعودة الحرب، لان صورتها ما زالت ماثلة ولم تغب عن ذهنية من شهد ويلاتها، فالمهجرين لا زالت لهم وزارة، والمفقودين لم يُقفل ملفهم بعد.

 

 

   ان نتائج الحرب تشكل عائقا امام من يدفع بالذهاب اليها، فالظروف البنيوية لن تدفع الناس الى الاحتراب الداخلي من جديد، بل اقصى ما تصل اليه الامور هو التهديد بحرب لا مقومات لها، فقد ولّت الحروب المجانية التي يجيد اللبنانيون خوضها فيما بينهم، لكنّهم تعلموا من تاريخهم الادمان على حكم التافهين.

 

 

ان اللاعنف الذي ميّز "حراك تشرين" ورافقه هو دلالة على قناعة عميقة مشتركة لدى الناس بان التغيير الذي ينشدونه ممكنٌ تحقيقه بالوسائل الديموقراطية المتاحة، ويتضمن موقفا واضحًا بالرفض المطلق للدخول في حروب عبثية تدفعهم اليها منظومة الفساد المتسلطة التي نجحت في اعتماد سياسة الانكفاء المؤقت والاختفاء المريب، واستيعاب الحراك  ونعتِه بتهم باطلة تمهيدا للانقضاض عليه، مستندة الى واقع متشظي  اثبت عجزه عن الفصل بين الخلاف السياسي والاختلاف الطائفي والمذهبي الذي استفحل مع وصول شخصيات غير وازنة تفتقد اصلا الى كل ما يربط الانسان الفرد بالانسان الجماعة، وتتوسل كل الوسائل للوصول الى مبتغاها وتحقيق غاياتها الفردية، ممّا انعش التقسيمات المناطقية والطائفية والمذهبية التي تؤمّن الديمومة والاستمرارية لنظام المحاصصة وتوفر له الحماية والطمانينة الأمر الذي مكّن المنظومة من استعادة زمام  المبادرة والفعل. 

 

 

يروي ابن عبد ربه في العقد الفريد عن قاصٍّ يّدعى أبا دحية انه قال ذات يوم: كان اسم الذئب الذي اكل يوسف كذا، فقال من حضر: ان يوسف لم ياكله الذئب! فأجاب: فهذا اذًا اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف.