بعيداً عن السياسة وعن منطق الرسائل المتبادلة واستخدامات القوّة في لحظة تشتدّ فيها المواقف والتهديدات على إيران لرفضها العروض الإميركية وعدم رضوخها للتوقيع على الإتفاق النووي وجعل فيينا مفاوضات بلا نتائج بعد رواح ومجيء رتيب وممل ومتكرر للمجموعة الدولية ودون جدوى وبتسويف دبلوماسي فرض على الولايات المتحدة الإستماع الى "اسرائيل " ولخطتها المبرمجة والمستهدفة للمنشآت النووية الإيرانية كي تخاف إيران وتستمع للغة العقل الدولي فتوقّع اتفاقاً من شأنه أن يعيد ترتيب المنطقة وفق اتفاقيات جديدة تسهل دخول السلم الى الدول التي تفتك بها الحروب والأزمات .

 

من أراد أن يوصل رسالة أو فكساً لمن يهمه الأمر من لبنان فقد تمّ ذلك سواء بالسياسة أو بالأحداث المفتعلة ولا يمكن كما يرى محللون اعتبار حادثة شقرا بين شباب غاضب وبين دورية من قوات الطوارىء الدولية مجرد حادثة عابرة كما روّج لها .

 

بغض النظر عن طبيعة الظروف ومنطق المواجهة أو الدفاع المبرر بالنسبة للفاعلين هنا أو هناك ضمن مقتضيات الضرورة ثمّة توقف ملح لإدراك المشاهد التي حصلت في حادثة بلدة شقرا الجنوبية من خلال استعراض صور التعبير عن الأذى الذي لحق بدورية قوات الطوارىء والكيفية التي استخدمها الشباب الغاضب لأسباب (معلنة )لا تستدعي هذا البذل من العنف ولكنها تعبّر عن كمية الغضب في قلوب الشباب بغض النظرعن المسببات وهذا ما يستدعي الخوف من الحالة المشحونة لطائفة يختزن الكثير من أفرادها ومجموعاتها عنفاً وتطرفاً يبرز باستمرار في الساحات الخلافية وهذا ناتج عن كميات الضخ لشحنات زائدة من العصبيات والتحريضات سواء بطرق مباشرة من خلال الخطابات الطائفية أو غير مباشرة من خلال التعبئة السياسية التي تشحن النفوس ضدّ أعداء الموقف المختلف وهذا ما يجعل اللبنانيين وغير اللبنانيين أعداءً لا حصر لهم طالما أن الإختلاف في الرأي سبباً كافياً للعداوة المستلزمة تفريغاً دائماً لكمية من العنف المختزن ضدّ المختلفين كما حصل في أكثر من ساحة من ساحات الإنقسام السياسي الداخلي .

 

كل الخوف من هذه الحالة المرضية إنها ذو حدين اذ انّها وبالقدر الذي تطال فيه " الأعداء " من شأنها أيضاً أن تطال وبقوّة الأصدقاء اذا ما تباينت بعض المواقف بين أصحاب الصف الواحد وشواهد ذلك كثيرة ولاحاجة لذكرها فالأحداث الجديدة في بعض البلدات وماشهدته بين الأهل من درجة عنفية تكاد أن تكون أخف بالنسبة للكمية العنفية المبذولة ضدّ العدو .

 

كما أنّ الحقد والتوتر العصبي وجرعات التطرف والعنف من شأنها أن تقتل صاحبها اذا لم يجد عدواً كي يفرغ عليه كل محمولاته العصبية الأمر الذي يصبح فيه العنف خطراً محدقاً بحامله لا على أعدائه وخصومه فقط .

 

من هنا يبدو خطر الشحن الطائفي يطال الجميع دون استثناء لذا لا بُدّ من وضع حد لهذا الخطر الذي قد يرضي مؤسسيه في توظيفاته المطلوبة ولكنهم لم يدركوا بعد أن هذا الخطر من شأنه أن يؤذيهم أيضاً لعدم القدرة على ضبطه في أمكنة غير محمودة كما هي الأحداث الفردية والتي تشهد في صراعاتها بين الإخوة عنفاً لم يتوفر للعدو نفسه .

قيل طابخ السُمّ شاربه ولكن لم يسمع به صنّاع الطوائف المتطرفة حتى الآن .