يستعد لبنان لاستقبال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، بعد ظهر غد في زيارةٍ رسمية تمتد لثلاثة أيام على وقع خليط من الضغوط الدولية والاقليمية في ظل الظروف الداخلية الصعبة التي يعيشها. فاللبنانيون يقضون أياماً عصيبة بين مطرقة التهديدات الإسرائيلية المتجددة، ومسلسل الشروط التي وضعتها دول مجلس التعاون الخليجي وسط عجز داخلي عن مقاربة اي ملف مهما كانت كلفته. فكيف السبيل الى عبور المرحلة؟

 

لا يبدو ان المسؤولين اللبنانيين متشوقون كثيرا لاستقبال غوتيريتس، فقد خلت مواقف المسؤولين الكبار الحادة والمتعددة الآفاق التي شهدها الأسبوع الماضي من الإشارة الى ما هو منتظر من زيارة اكبر مسؤول اممي عايَن ملفات لبنان في حقول ومجالات عدة قبل توليه مهماته الاممية. والى ذلك فان عيونه واذانه المكلفين الملف اللبناني تجول يوميا على المسؤولين اللبنانيين ويعاينون الوضع بوجوهه المختلفة الأمنية والاجتماعية والانسانية والصحية والتربوية وما بلغه مستوى الجوع والفقر الذي توسعت مساحته في الاشهر الاخيرة. ولم يتأخروا يوما عن توزيع النصائح والملاحظات ومعها التقارير والجداول الإحصائية بالمؤشرات الخطيرة التي تتناول مختلف وجوه حياة اللبنانيين والمقيمين على اراضيه من لاجئين ونازحين ورعايا من عشرات الجنسيات. فقد وضعوها في ادراجهم منذ سنوات ولم يأخذوا بها، ولم يعيروها ما تستحق من عناية ورعاية.

 

 

ليس في ما سبق ما يثير العجب، فالتشكيك الذي امتهنه المسؤولون اللبنانيون ومضمون التقارير والنصائح الاممية والدولية لا تتسع له مجلدات. كما تلك التي اصدرها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي منذ سنوات ومعهما مختلف المؤسسات الدولية المانحة وتلك المكلفة تصنيف القطاعات المصرفية وخزينة الدولة ومراقبة المؤشرات المالية والنقدية، الى ان وصلت البلاد الى مشارف الافلاس، وان لم تعلن رسمياً انها دولة مارقة وفاشلة تعاني قصوراً في توفير ادنى مقومات الحياة لمواطنيها بعدما أوقفت معظم الخدمات. وكل ذلك يجري على وقع مزيد من الإتهامات المتبادلة التي ترفع المسؤولية عن هذا المسؤول وتلقيه على ذاك المعلوم او المجهول، من دون تقدير النتائج السلبية المقدرة على التهرب من تحمل المسؤولية.

 

على هذه الخلفيات تنتظر الأوساط السياسية والديبلوماسية زيارة الامين العام للامم المتحدة لبيروت في أجواء باهتة وباردة في ظل انقسام لبناني حاد على اعلى مستوى بين أهل السلطة، وبين من يشغلون المنظومة الحاكمة ومواطنيها المنتظمين في صفوف الانتفاضة الشعبية وهيئات المعارضة يتبادلون الاتهامات ويحصون الازمات المتناسلة التي عمت مختلف القطاعات متربّعين على عروشهم ومتمسكين بمواقفهم التي لا يمكن ان تلتقي على اي قاسم مشترك يمكن البناء عليه في أي ملف من الملفات الخلافية المفتوحة على شتى الاحتمالات.

 

 

ولرصد مزيد من المؤشرات التي توحي بهذه المعادلات السلبية لا بد للمراقبين من ان يحصوا مجموعة المواقف التي عبّر عنها كل من رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيسي مجلس النواب والحكومة نبيه بري ونجيب ميقاتي في الايام القليلة الماضية امام وفد مجلس نقابة المحررين لاكتشاف المساحات الواسعة من الخلافات التي تتلبّس بالصلاحيات والقانون والدستور. وان توغّل المراقبون بحثاً عنه وجدوه وقد وضع على الرف في مختلف المواقف حتى علاه الغبار ومعه نسبة كبيرة من القوانين المجمدة جراء التفسيرات المختلفة لها، ولقدرتها على تحمل كثير من القراءات المتناقضة، أو بسبب وجود قوة قاهرة تمنع العودة اليهما لمصلحة مخارج وحلول تؤجل الخلاف الى مرحلة تتبدل فيها موازين القوى من محور الى آخر.

 

ومن هذه المنطلقات تنصح المراجع الديبلوماسية المسؤولين بضرورة فتح العيون والآذان على ما ينقله الأمين العام للأمم المتحدة من ملاحظات قد تكون قاسية في بعض ما هو متوقع مما يحمله من مخاوف. فهو يحمل توجهات دولية تدعو اللبنانيين الى التعبير عن قدرتهم في ملاقاة الجهود الدولية التي تنتظر منهم اصلاحات بنيوية وأخرى مالية وإدارية طال انتظارها عقودا من الزمن. لتنقذ ما تبقى من قطاعات خدماتية وانتاجية باتت تعمل بحدها الادنى وتحيي الثقة الدولية بعد الداخلية بقدرة المسؤولين على تحمل تبعات المواقع التي يشغلونها لمصلحة أبناء شعبهم قبل التعبير المسبق عن شكواهم في سباق مع من اكتوى بنيران الأزمات.

 

 

والى ما ينتظره اللبنانيون من زيارة غوتيريس عليهم الالتفات الى خطورة تهديدات اسرائيل التي تجددت من منبر الأمم المتحدة الذي اطلّ منه أمس الاول سفيرها ليوجّه عشية زيارة غوتيريس للبنان وغداة حركة ديبلوماسية اسرائيلية في اتجاه واشنطن سيلاً من التهديدات التي وان لم تكن جديدة فإنّ النظر الى التوقيت المعتمد في اعادة الإشارة اليها اكثر من علامة استفهام يجب النظر اليها وأن نعطيها الأهمية التي تستحق. وهي علامة تدعو الى التراجع عن اعتبارها تهديدات روتينية. فمجرد التهديد بتدمير البنى التحتية لـ»حزب الله» لا يعني انها مواقع ومؤسسات ومناطق للحزب منفصلة عن تلك العائدة للدولة اللبنانية ومؤسساتها. فالقراءات الدولية والإقليمية وضعت «حزب الله» في مصافها.

 

وعدد قليل من المسؤولين الاجانب والعرب يجري تصنيفا او فرزا بين موقع رئيس الجمهورية او رئيس مجلس النواب ومعه الحكومة ودور الحزب في قدرته على تطويع السلطات الدستورية وإدارة المؤسسات. فإن لم تُطعه بعضها وعانده احد المسؤولين تصاب بالشلل وهي حال الحكومة الحالية التي لم تهنأ بتأليفها فشُلَّت حركتها بعد شهر ويومين على ولادتها والمجلس النيابي مهدد بالشلل في وقت قريب إن لم يصدر رئيس الجمهورية مرسوم فتح دورة استثنائية له، والسلطة القضائية تترنح على وقع التدخلات والتهديدات التي أباحت المحرمات وسمحت بالموبقات ودخلت الى دور القضاء واقواسه في عملية غير مسبوقة يمكن ان تؤدي الى شلل هذه السلطة بعد المس بهيبتها، فتفلت الأمور وتنصاع لحركة الشوارع المتعددة التي تحمل شعارات وتوجهات تقضي على ما تبقى من هيكل الدولة ومؤسساتها.

 

 

وإن لم يكن هناك مبرر للتنبيه الى المخاطر التي تهدد الدولة وكيانها، على المسؤولين التنبه الى الاجماع الخليجي على الشروط المطلوبة من لبنان لاستعادة العلاقات الطبيعية معه. فالبيانات التي رافقت جولة ولي العهد السعودي وانتهت إليها قمة دول مجلس التعاون أعطت الترجمة العملية للتفاهم السعودي - الفرنسي الذي رحّب به اللبنانيون وما عليهم سوى ملاقاته بأسرع وقت ممكن بالإجراءات التي تكفل إمكان التجاوب معها لينال لبنان نصيبه من المساعدات لمنع السقوط الكامل، ومنعا لقيام المعادلة المتوقعة بسقوط البلاد بين مطرقة التهديدات الاسرائيلية وسندان الشروط الخليجية، وعندها لن ينفع الندم على وقت فات وفرصة ضاعت ليقع البلد في المجهول - المعلوم.