في الوقت الضائع، عمد الرئيس ميشال عون إلى مفاجأة الرأي العام بوجود اختلاف- لا خلاف- بينه وبين "حزب الله"، تحت عنوان: "لا يجوز تعطيل الدولة بسبب الخلاف حول القاضي طارق البيطار وتحقيقاته في انفجار المرفأ". وقد "استبشر" بعض خصوم عون و"الحزب" بأنّ شرخاً سيقع بين الحليفين. ولكن، هل "تفاؤلُ" هؤلاء في مكانِه فعلاً؟

ليست هذه المرّة الأولى التي يظهر فيها اختلاف في الرأي بين عون و»الحزب»، أو بين النائب جبران باسيل و»الحزب». وحتى اليوم، بقي الاختلاف ضمن حدود ضيقة جداً، وسرعان ما انتهى وكأنه لم يكن. بل إن «الحزب» يضطلع بدور ضابط الإيقاع بين عون والرئيس نبيه بري، وعادةً ينظّم الخلافات بينهما ويحصر الأضرار.

 

ولذلك، يبتسم العالِمون بطبيعة العلاقات بين عون و»الحزب» عندما يسمعون الكلام الجديد اليوم على اختلافات بينهما، من مسألة انعقاد مجلس الوزراء وتحقيقات المرفأ إلى قانون الانتخاب. ويقولون: كل شيء تحت السيطرة. وليس مستبعداً أن يكون هذا الخلاف جزءاً من مناورة سياسية يجريها الطرفان بهدف تخفيف الضغوط التي يتعرضان لها، على أبواب استحقاقات ساخنة.

 

في مراحل سابقة، لم يجد عون وباسيل إحراجاً في أن يتباين برأيه مع «حزب الله»، والنماذج كثيرة. فقد حصل ذلك في ملف تشكيل الحكومة وتركيبتها وبرنامجها، وفي النظرة إلى الحلول المالية وشروط الإصلاح المطلوبة دولياً. واليوم، هناك تباين حول قانون الانتخاب وموعد الانتخابات. كما توحي الأجواء باختلافات مرتقبة في التحالفات الانتخابية، على غرار ما جرى في انتخابات 2018، إذا ما جرت الانتخابات فعلاً في الربيع المقبل.

 

ولكن، إضافة إلى هذه الاختلافات في الملفات الداخلية، اتخذ عون وباسيل مراراً مواقف تعاكس خيارات «الحزب» بالنسبة الى ما يتعلق بمسائل استراتيجية، ومنها مثلاً النظرة إلى إسرائيل ومفاوضات الناقورة والسلاح الفلسطيني والنازحين السوريين وحدود التوتر مع الخليج العربي.

 

والجميع يتذكر أن باسيل فجَّر، في نهاية العام الأول من ولاية عون، قنبلة صوتية في ملعب «حزب الله» إذ قال: «الخلاف مع إسرائيل ليس ايديولوجيا. ونحن لا نرفض أن يكون هناك وجود لإسرائيل. ونريد لكل الشعوب أن تعيش بأمان وأن يعترف واحدُها بالآخر».

 

 

يومذاك، ارتاح الإسرائيليون إلى هذا الموقف، ودعوا لبنان إلى التفاوض بناء عليه. وظنّ البعض أن هذا الموقف سينسف العلاقة مع «الحزب»، لكن ذلك لم يحصل، وطويت الصفحة بهدوء ومن دون أي ترسبات.

 

وعند تشكيل الوفد اللبناني المفاوض في الناقورة، أصرّ عون على أن يكون هناك مدنيون في عِدادِه، خلافاً لرأي «حزب الله». وهذا ما حصل. وعلى رغم أن هذا الأمر أثار توتر «الحزب»، فإن الصفحة طويت بهدوء أيضاً وبقيت العلاقة عند مستواها من المتانة بين الحليفين.

 

وخلال الأزمة الحالية مع الخليج، تمايز موقف عون عن «الحزب» إذ أبدى الميل إلى معالجة تعيد المياه إلى مجاريها، لكن «الحزب» كان أكثر تشدداً، ولم يتنازل ظرفياً ويمنح الوزير جورج قرداحي ضوءاً أخضر للاستقالة إلا عندما جاءت الموافقة من إيران، وبناء على التفاهم الذي تمّ مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

 

وبعد الانفجار الأخير في البرج الشمالي، وعودة ملف السلاح الفلسطيني إلى الواجهة، أعاد «التيار» التذكير بمعالجة هذا الملف، وارتأى تجنّب المزيد من الاستفزاز بالعراضات الجارية في ذكرى تأسيس «حماس» وزيارة خالد مشعل لبيروت. لكنّ «الحزب» بقي متمسكاً بانخراطه التحالفي الوثيق مع حلفائه الفلسطينيين.

 

العارفون يقولون: يعرف كل من عون و»الحزب» حدودهما في المسائل الخلافية. وبكلمة أوضح، يدرك عون أن التباين في المسائل التفصيلية الداخلية، أي في المكاسب والحصص، لا يتسبب بإشكال مع «الحزب». فالمهم بالنسبة إليه هو الأمور المتعلقة بالسلاح والقرار السياسي وانخراط لبنان في المحور الإيراني.

 

 

بل إن «حزب الله»، في رأي هؤلاء، يتيح لحليفه المسيحي أن يتمايز عنه قصداً، في مسائل تريح الشارع المسيحي تقليدياً، قبل الانتخابات النيابية، لئلا يحترق ويخسر معه جزءاً كبيراً من التغطية المسيحية. وفي الوقت عينه، هو يتيح لعون وفريقه السياسي أن يطلق مواقف تتناغم مع الغربيين وتريح العرب ليبقى موقع الرئاسة والحليف المسيحي قادرين على توفير التغطية الخارجية له. فـ»حزب الله» يريد من حليفه المسيحي أن يغطيه دولياً بما يملك من رصيد.

 

وكذلك، هو حصل على تغطية الرئيس سعد الحريري عربياً ودولياً، بما تملك الحريرية السياسية من رصيد متراكم، منذ أيام الرئيس رفيق الحريري. ولذلك، عندما قرّر الحريري تشكيل حكومة تراعي المطالب الدولية، أي بعيدة نسبياً عن نفوذ «الحزب»، جرى إفشال محاولاته واضطر إلى الاعتذار.

 

لقد استفاد «الحزب» حتى اليوم من خلاف عون- بري لكسب الوقت سياسياً وللمماطلة في انعقاد مجلس الوزراء. ولأنه قادر على تزكية الخلافات بين الطرفين أو وقفِها عند حدودها ساعة يشاء، فهو يعتمد الخيار الذي يناسبه، في الوقت المناسب. وعلى الأرجح، هو سيقرر لحظة الإفراج عن التسويات عندما يقتضي ذلك انقشاع الرؤية في مفاوضات فيينا.

 

وفي عبارة أخرى، «حزب الله» لا يكترث لمناخ التصعيد الذي يطلقه عون، وهو يتفهّم حاجات باسيل إلى المناورة مع اقتراب استحقاق رئاسي يقتضي منه الابتعاد قليلاً عن واجهة الصراع الملتهب ويمنح نفسه مظهراً جديداً New Look أمام العرب والغربيين.

 

 

ومن مصلحة «الحزب» ألا يزيد في احتراق صورة باسيل التي أحرق الأميركيون جزءاً كبيراً منها. وحتى إشعار آخر، سيقال الكثير عن اختلافات أو خلافات تُبعد عون وباسيل عن الحليف الشيعي، لكنها ستبقى مجرّد تمنياتٍ عند الخصوم… إلا إذا تغيَّرت معادلات القوى في الشرق الأوسط ولبنان.