سقطت الرهانات على نافذةٍ تُفتَح مع المملكة العربية السعودية، بجهد من الرئيس إيمانويل ماكرون. وخابت التوقُّعات حتى بـ«حبَّة الأسبيرين»، أي استقالة الوزير جورج قرداحي. وبات على الجميع في لبنان أن ينزل إلى الأرض ويدرس حساباته جيداً، للأيام والأسابيع الآتية، بما فيها من صدمات وأوجاع. والأشدُّ عرضةً للتحدّي هو الرئيس نجيب ميقاتي.

في تشرين الثاني الفائت، بدأ يتفلَّت الدولار من الضوابط الموضوعة له. وبعدما تجاوز سقف الـ25 ألف ليرة، توقّع غالبية الخبراء أن يحلِّق في فضاءات أعلى بكثير، قريباً. وإذا حصل ذلك، فسيعني أنّ الحدّ الأدنى للأجور سيصبح أقل من الدولار الواحد يومياً، وهذا الرقم هو الأدنى في العالم، أي هو دون الرقم في الصومال.

ad  

سيقود ذلك حتماً إلى توقف تام لكل مؤسسات الدولة ومصالحها وأجهزتها، بما فيها العسكرية والأمنية والإدارية والتعليمية. فلا أحد قادر حتى على شراء صفيحة بنزين واحدة للذهاب إلى مركز العمل أو الخدمة والعودة منه. وبذلك، سيدخل البلد في وضعية شبيهة بالموت السريري. وطبعاً، في هذه الحال، لا مجال للحديث عن انتخابات نيابية، واستتباعاً رئاسية.

 

وآنذاك، في وضعية الجوع بالمعنى الحرفي للكلمة، سينزل الناس غاضبين إلى الشوارع. وعلى الأرجح، هناك مَن يريد استنهاض «الثورة» أو «الانتفاضة». ولكن أيضاً، هناك كثير من الغاضبين لن يعرفوا لماذا ينزلون، وضدّ مَن تحديداً، خصوصاً أن لا قيادة ولا برنامج في الأفق لـ«ثورة» أو «انتفاضة».

 

إذاً، ستكون الفوضى سيّدة الموقف. وفي معايير علم الإجتماع، عندما تفشل عملية تحويل الغضب في الشارع إلى ثورة منظّمة منضبطة، تتحوّل فتنةً وحروباً أهلية. فقوى السلطة تستطيع الانتصار على «الثورة» وإحباطها بقوة الحديد والنار والخداع والتآمر. ولكن عليها أن تستعد للأسوأ: الفتنة. وفي لبنان، الفتنة مذهبية وطائفية.

 

ad العنوان الأساسي الذي تحرَّك الفرنسيون على أساسه، طوال العامين المنصرمين، وما زالوا، هو هذا تحديداً. وهم يبذلون كل جهد ممكن مع الأميركيين والإيرانيين والسعوديين لمنع وصول لبنان إلى هذا المصير. ومن هنا تحذيراتهم المتكرّرة من «زوال لبنان».

 

وعندما فشل الرئيس سعد الحريري في تأليف حكومة، وانسحب عن الواجهة، دعم الفرنسيون الرئيس نجيب ميقاتي لعلّه بتموضعه السياسي يستطيع «تقطيع» المرحلة من دون أضرار قاتلة. وفي الأسابيع الأخيرة، خلال جولته الأوروبية، أعادوا تأكيد الدعم، ووعدوا باستنفار ديبلوماسي جديد لمنع وقوع لبنان في الأسوأ. وهذا تحديداً هدفهم من الشقّ اللبناني في محادثات ماكرون- بن سلمان.

 

إذاً، بفشل المبادرة، لبنان يتجّه حتماً إلى الأسوأ. ويزيد في ذلك أنّ طاقم السلطة ليس في وارد التقدّم أي خطوة نحو الإصلاحات التي يطلبها السعوديون والقوى الدولية للتجاوب في مجال المساعدات.

 

والإشارة السلبية جاءت فوراً، وبعد ساعات من اللقاء الفرنسي- السعودي: تعطيل التفاهم المحتمل مع صندوق النقد الدولي، بتطيير مشروع «الكابيتال كونترول» مرة جديدة، بعد تطيير كل أنواع التدقيق والتحقيق المحاسبي في المؤسسات العامة المعنية والقطاع المصرفي.

ad  

فهذا المشروع تمّ التهرّب منه عمداً منذ الأيام الأولى بعد تشرين الأول 2019، بذرائع غير مفهومة، وعلى رغم كل مطالبات الخبراء والمؤسسات المالية الدولية والجهات المانحة. وجاء تقرير «موديز» أخيراً ليفضح تهريب 9.5 مليارات دولار من لبنان خلال العامين المنصرمين، لكبار النافذين، أي في الفترة التي هم أنفسهم يمنعون إقرار «الكابيتال كونترول».

 

والكلام الذي يتردّد في أوساط المعنيين في السلطة يفيد بأنّ المشروع لن يُقرّ في المدى المنظور. ما يعني أنّ البلد سيكون مقبلاً على المرحلة السوداء التي يخشاها البعض، وأنّ القيّمين في الحكومة لن يكون في مقدورهم القيام بأي خطوة لإنقاذ الموقف.

 

على الأرجح، هذا ما ينتظر ميقاتي. وحتماً، هو يُجري كل الحسابات لذلك. فالرجل يقف في هذه الحال أمام خيارين: إما الاستقالة، وإما تمرير الوقت لعلّه يكون «حَلّال المَشاكل». وهذا تحديداً ما جرّب الحريري أن يفعله دائماً، قبل أن يصل إلى الإحباط النهائي ويخرج من اللعبة.

 

يُقال إنّ ميقاتي يتمتع بقدراتٍ أوسع على المناورة، بحكم شخصيته وتجاربه. ولذلك، هو لن ييأس، وسيمارس لعبة المناورة والصبر. وفي أي حال، الاستسلام ليس في مصلحته، لا على مستوى رئاسته للحكومة ولا على مستوى موقعه السياسي.

ad  

وكثيرون يستبعدون أن يستقيل ميقاتي من رئاسة الحكومة، خصوصاً أنّ البلد يقترب من زمن انتخابات تريدها القوى الدولية تجنّباً للفوضى. ولكن، ستبقى الحكومة في وضعية أقرب إلى تصريف الأعمال… إذا بقيت هناك أعمال.