الاولوية المرجوة من اي انتخابات واعية هي فكرة من يجب ان لا تنتخب وبعدها فلا ضير من من سوف يأتي، طالما الذهاب به امر متاح ايضا .
 

المفروض وبحسب المنطق، أن تكون أحزاب السلطة بجميعها تعيش هذه الايام هاجس خوضها للاستحقاق الانتخابي القادم إن حصل بحسب ما هو متوقع في الاشهر القليلة القادمة، بل أكثر من ذلك فإن منطق الامور يجب أن يفرض عليهم بعد أن أوصلوا البلاد والعباد الى قعر الهاوية إستحالة مجرد التفكير بامكانية الترشح وخوضهم  الانتخابات.

 

 

إلا أن ما نتلمسه ونشهده للأسف من تحضيرات لنفس هذه الاحزاب عينها هو عكس ذلك تماما، فلا هم خجلون ولا ينتابهم أي شعور بالاستحياء من الاستمرار والطموح للبقاء في مواقع السلطة وكأن شيئا لم يحصل وكأنهم لم يوصولوا الناس الى مشارف الهلاك بل الى الهلاك عينه، متكلين بذلك أولا واخيرا على يقين لديهم بأمكانية حصولهم على أصوات الناخبين المفجوعين والمسحوقين من سياساتهم وجشعم وفسادهم من خلال بعض الاكاذيب والخدع والخنفشوريات الدعائية التي لا تزال تنطلي للاسف الشديد على السذج والبسطاء.

 

  واحدة من هذه الاكاذيب التي بدأت أحزاب السلطة الفاشلة، بثها بين جمهورها وتلاقي رواجا معتدا به، هي السؤال المفخخ : من هو البديل ؟؟ بإعتبار ان من سوف يخلفهم ويحل مكانهم هو حتما أسوأ منهم وأن الناخب بتقديرهم لا يجرؤ على إستبدال ما هو معروف ( رغم علاته ) ويذهب الى مجهول قد لا يكون يعرفه ولا عايشه ولا يعرف ماذا سينتظره منه.

 

 

هذه المغالطة الخدعة، منشؤها بالدرجة الاولى هو الجهل المدقع بالثقافة الديمقراطية، التي تقوم أصلا على فكرة تداول السلطة، وثانية فكرة أن شخص الزعيم أو الرئيس أو القائد أو الامين العام هو الاصل، ساهم في تعزيز هذه الحالة هو طول أمد بقائه حتى صار من شبه المستحيل تصور إمكانية الحياة من دونه، فالحزبيين الذين نشأووا وعاشوا وتزوجوا وأنجبوا تحت ظلال شخص واحد أوحد يعتبرون خطأءً ان بذهابه ذهابهم وبإضاعفه إضعافهم.

 

  هذه الثقافة المتخلفة والجاهلية موجودة بالمجتمعات المتخلفة حصرا، أما في المجتمعات الراقية والمتحضرة فلا قيمة تذكر للاشخاص، ويعمل الناخب على الدوام الى التطلع نحو التغيير بغض النظر عن البديل وصفاته وإنجازاته حتى وإن كان ناجحا وقائدا فذا كما حصل مع ونستون تشرشل الذي حقق "إنتصارات" حقيقية لبريطانيا إلا ان الشعب البريطاني إستبدله لضروريات حياتية هو بحاجة لها، وكذلك الحال ما نشهده هذه الايام من رحيل أنجيلا ميركل بعد ما حققته لالمانيا من نجاحات جمة، وهذا حال نتانياهو الذي لم نعد نسمع به لكننا نسمع جيدا بالمانيا وبريطانيا واسرائيل.

 

عظمة الديمقراطية هي ان تكون فعل تغيير، وأن يكون تنحية المسؤول هي الاساس بغض النظر عن البديل (هذا في حال نجاحه) والاولى ان تكون هذه هي الحال حين الفشل الكبير، هذا المسار وحده يضمن مستقبل البلاد وعزتها وتقدمه، حتى وإن اخفقت الديمقراطية في مرحلة من المراحل وانتجت شخصية كهتلر الا انها تتخلص منه بعد برهة لتستمر الاوطان، 

 

فالسؤال عن البديل والخوف منه هو خدعة السلطة الفاسدة في المجتمعات المتخلفة ووهم مدمر للاوطان وحاضرها ومستقبلها، لان " البديل " الوحيد عند المجتمعات المتقدمة والمتحضرة هو "تداول السلطة"  وليس الاشخاص وعبادتهم .

 فالاولوية المرجوة من اي انتخابات واعية هي فكرة "من يجب ان لا تنتخب" وبعدها فلا ضير من من سوف يأتي، طالما الذهاب به امر متاح ايضا .