من تحامل على نفسه بالأمس واستمع لرسالة رئيس الجمهورية، لمناسبة عيد استقلال لبنان الثامن والسبعين( الإستقلال المفقود)، لأيقن عندئذٍ بأنّ من قال ذات يومٍ : لو كان الكلام من فضّة، فالسكوت من ذهب، إنّما كان يقصد من يقولون الكلام الهذر، والذي لا قيمة له ولا معنى، فضلاً عن واقع أنْ ليس بيدهم من الأمر شيئاً كثُر أو قلّ، فالرئيس ميشال عون "القويُّ" في شخصه ومكانته وطائفته، وصاحب أكبر كتلة برلمانية مسيحية، خرج على اللبنانيين بالأمس برسالة تلفزيونية لِينكأ جراحاً عميقة في الكيان اللبناني الصابر المُتآكل، يتباكى الرئيس على الوضع اللبناني المُزري الذي وصلت إليه أحوال البلاد والعباد، شأنه شأن المواطن المغلوب على أمره، الذي لا يملك شروى نقير، تكويه نيران الأسعار المُستعرة، ولا يجد مخرجاً له ولا ملاذاً.

 

الرئيس عون يخرج على اللبنانيين مُتباهياً بحُسن القراءة، وجودة البيان الذي صاغهُ أساطين الكذب والدّجل والخداع من المستشارين المُتحلّقين حوله، فالحكومة عاجزة عن عقد جلساتها الدورية منذ أكثر من أربعين يوماً، ولا يُخبرنا الرئيس في رسالته عن قدّراته في لمّ شعثها، المحقق العدلي القاضي طارق البيطار تُحيطُ به المكائد السياسية، والعراقيل "القضائية" من كلّ حدبٍ وصوب، ولا يُخبرنا الرئيس القوي كيف سيعمل على حمايته وحماية القضاء برُمّته، لا يملك الرئيس عون الذي أمضى أكثر من عشرين دقيقة وهو يُقدّم للّبنانيّين الأماني الموهومة، والوعود الخلّابة، والكلام المُنمّق، الجرأة الكافية لتعيين وتحديد من يمنع الحكومة من الإجتماع، ومن يسعى جاهداً ل"قبع" القاضي طارق البيطار، وكفّ يده عن مهمة التحقيق في قضية تفجير مرفأ بيروت النووي في الرابع من شهر آب عام ٢٠٢٠، وذلك حرفاً للعدالة عن مسراها الطبيعي والقانوني، وتضييعاً لحقوق أهالي الضحايا وآلاف المصابين في معرفة حقيقة ما جرى في هذه الجريمة المُروّعة.

 

الرئيس الذي أصبح لا يُجيد سوى توجيه الرسائل للمجلس النيابي تارةً، وللشّعب اللبنانية طوراً، وذلك تنفيذاً لرغبات صهره الوزير جبران باسيل، وتحقيقاً لأهدافه الخاصة الوصولية والإنتهازية، هذا في حين أنّ اللبنانيين باتوا على اقتناعٍ بأنّهم لُسعوا من جُحر الجنرال عون  ثلاث مراتٍ بدل المرّتين، كانت أولاها في حرب الإلغاء ضد القوات اللبنانية، والثانية في حرب التحرير ضد القوات السورية،  والتي انتهت بلجوئه إلى فرنسا، والثالثة عندما عقدَ تفاهم مارمخايل مع حزب الله عام ٢٠٠٦، ما حملهُ إلى سدة الرئاسة الأولى، وما هم عليه اللبنانيون اليوم من ذُلٍّ وقهرٍ واحتلال ودمارٍ وانهيار.