الجمهورية الإسلامية الإيرانية تسعى جاهدة هذه الأيام لإعادة وصل ما انقطع بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، وذلك بالعودة إلى المباحثات حول برنامجها النووي، ولديها ما يكفي من الدهاء والصّبر وطول الأناة، للحصول على ما تبتغيه من هذه المباحثات كما حصل في العام ٢٠١٥، عبر إبرام الإتفاق النووي بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية ومجموعة الدول السّت، وتُحافظ إيران على أطيب العلاقات مع سلطنة عُمان، التي تربطها مع إسرائيل علاقات تعاون مشترك ومصالح شتّى، كما تُحافظ إيران على حُسن العلاقات مع دولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر، هذه الدول الخليجية التي قامت بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل في الآونة الأخيرة، كما سعت إيران وتسعى منذ فترة على إنهاء النزاع مع المملكة العربية السعودية، وذلك بإجراء مباحثات مباشرة معها، علّها تُعيد المياه إلى مجاريها بين البلدين "الإسلاميّين"، كلّ هذا  في حين يُصرّ أصحاب المقاومة والممانعة في لبنان على تأجيج الصراع مع دول الخليج العربي، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية، حتى أنّهم لا يدعون فرصةً تمرُّ دون التّعرّض لقادة هذه الدول، ورميهم بأبشع النعوت من العدوان والإرتهان للأمبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني، وذبح الشعب اليمني الفقير البائس، حتى وصلنا اليوم إلى ما نحن فيه من أزمة سياسية وحكومية واقتصادية واجتماعية بين لبنان ودول مجلس التعاون الخليجي، وذلك بسبب رعونة وزير الإعلام السيد جورج قرداحي، وهو في الأصل والمبدأ غير مؤهل للسياسة والإعلام والشّأن العام، مع افتقاده لأدنى مقومات الحسّ الوطني الذي دعاهُ للتّحلّي به رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، عندما دعاه لتحكيمه كمُقدّمة لحلّ الخلاف المستعصي هذه الأيام مع الخليج العربي.

 

يبدو أنّ الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان كان أبعد نظراً وأكثر دهاءً وحكمةً من أقطاب تيار المقاومة والممانعة في لبنان، فقد أوصى معاوية لإبنه يزيد عندما حضرتهُ الوفاة بقوله: أُنظُر إلى أهل الحجاز، فهم أصلُكَ وعِترتُك، فمن أتاك منهم فأكرِمْهُ، ومن قعد عنك فتعهدْهُ، وانظر إلى أهل العراق، فإن سألوكَ عزل عاملٍ لهم في كلّ يوم، فاعزلْهُ عنهم، فإنّ عزل عاملٍ أهونُ عليك من سلّ مائة ألف سيف، ثم لا تدري على ما أنت عليه منهم.

 

وها أنتم اليوم يا سادة الممانعة تعملون بخلاف ذلك، فتقطعون صلة الرحم مع أهل الحجاز، وهم أصلُكم وعِترتكم، وتتنكّرون لهم وتُناصبونهم العداء، وها أنتم لا تعزلون عاملاً عندكم، والذي هو أهونُ عليكم من هذه الحرب الإقتصادية التي استعرّت بينكم وبين أهلكم وعترتكم في الخليج العربي.