جعلَت الصدفة من العام 2022 محطة حاسمة تجمع كل الاستحقاقات الدستورية. ففيه يُفتَرض أن يعاد تركيب السلطة للسنوات المقبلة. لكن صراع السيطرة يجعل هذه الاستحقاقات محفوفة بالمخاطر. فهل سيكون العام المقبل مدخلاً إلى الحلّ أم إلى مراحل أخرى من الاهتراء ثم التفكُّك؟   في السنوات الأخيرة، تردَّد في العديد من الأوساط الدولية كلام مفادُه: مستحيل إيجاد حلّ في لبنان في ظلّ التركيبة السياسية الحالية ومناخات التصارع الإقليمية والدولية. لقد أثبتت التجارب ذلك. والتغيير سيكون متاحاً، بدءاً من العام 2022.

 

في تقدير البعض أنّ الحلّ يصبح وارداً بعد انتخاب مجلس نيابي «جديد» في الربيع، تتغيَّر فيه التوازنات لمصلحة قوى من خارج المنظومة الحالية. وفي الخريف، يقوم هذا المجلس بانتخاب رئيس للجمهورية يترجم هذه التوازنات، ويمنح الثقة لتركيبة حكومية تلبّي هذه الطموحات.

 

ولكن، في الموازاة، هناك شكوك قوية، في الأوساط الدولية والعربية المعنية، باستعداد الشعب اللبناني وقواه الأهلية للدخول في مغامرة التغيير. فقد تكرَّرت التجارب الفاشلة في هذا المجال، من 14 آذار 2005 إلى 17 تشرين 2019، وما تخلّل ذلك وأعقبه من استحقاقات انتخابية ومحطات. وظهر أنّ هناك عطلاً أساسياً في تعاطي الشعب اللبناني مع مسألة التغيير، وهذا ما بدأت تظهر تداعياته اليوم.

 

ويقول بعض المتابعين، إنّ القوى الدولية والعربية هي اليوم في صدد الانتقال من مرحلة الاستياء من المنظومة السياسية الفاسدة والمرتهنة للخارج إلى مرحلة الاستياء من الشعب اللبناني وقواه الأهلية ككل. فقد تبيَّن أنّ الغالبية الساحقة من شرائح الشعب اللبناني تنقسم في اللحظة الحاسمة بين فئتين:

 

فئة تستسلم للأمر الواقع وتتجنّب الانخراط في المواجهة المطلوبة للتغيير تحت وطأة التخويف، وفئة تسايِر المنظومة من أجل تأمين مصالحها. وهذا ما يقود إلى فشل عملية التغيير، سواء من خلال الحراك الاعتراضي في الشارع أو في صناديق الاقتراع.

 

ويوضح المتابعون، أنّ القوى الدولية والعربية التي تقدِّم الدعم للشعب اللبناني في معركة التغيير باتت اليوم تحمِّله المسؤولية عن سلبيات الوضع، في موازاة المسؤولية التي تُحمِّلها للمنظومة السياسية.

 

والخطِر في هذا الأمر، هو أنّ الأميركيين والأوروبيين والسعوديين وحلفاءهم في الخليج باتوا اليوم في أجواء فرض العقوبات والحصار على لبنان بأسره، أي أنّهم لن يستثنوا الشعب اللبناني وشرائح المجتمع المدني التي لطالما دعموها وراهنوا على دورها في التغيير. وفي أفضل الأحوال، قد يقوم هؤلاء بإهمال لبنان وإبقائه على نار الصراعات الداخلية والخارجية حتى ينضج بنفسه، أو إلى أن تقوده التسويات والصفقات الكبرى إلى حيث المصالح الخارجية، إذا حصلت هذه التسويات.

 

ويوضح هؤلاء: حتى يوم 4 آب 2020، بقيت القوى الدولية تتفهَّم تعثّر شرائح الشعب اللبناني وتردّدها في خوض المواجهة مع منظومة السلطة، لضرورات مختلفة. لكن الزلزال الذي عصف ببيروت، بما أحدثه من خسائر، كان يُفترض أن يطلق مساراً تغييرياً لا يتوقف، خصوصاً مع احتضان المجتمع الدولي للشعب اللبناني آنذاك، ومقاطعته الكاملة لمنظومة السلطة.

 

ولكن، كانت الخيبة الدولية والعربية بسكوت اللبنانيين عموماً ورضوخهم، على رغم كل ما حلَّ بهم. واليوم، لم تعد هذه القوى تقيم حسابات جديّة لشرائح الشعب اللبناني. وعلى الأرجح، سيكون حصارها للبنان أكثر شمولية في المراحل الآتية.

 

ففي واشنطن تسلك إدارة جو بايدن طريق العقوبات في لبنان، كما إدارة دونالد ترامب، ما يؤكّد أنّ هذه العقوبات هي مسار ثابت يؤيّده الحزبان الجمهوري والديموقراطي، وأنّ التباين قد يقع في الأسلوب لكن الهدف واحد. وفي المناخ إيّاه، يسلك السعوديون طريق التصعيد في حصارهم للبنان.

 

فقصة قرداحي مجرَّد مبرِّر صغير في مسار طويل ومخطّط له. وهي تعيد إلى الأذهان حيثيات استقالة الرئيس سعد الحريري في الرياض، في مثل هذا اليوم من العام 2017. فمسار التشدُّد الذي بدأه السعوديون آنذاك، وأوقفته الوساطات والتسويات ووعود الحريري بـ»تصحيح النهج»، عاد اليوم إلى الواجهة وبقوة.

 

وهكذا، ستكون القوى المحلية وشرائح المجتمع المدني أمام امتحان حسّاس: هل ستنخرط «جدّياً» في معركة التغيير فتحظى بالدعم الدولي والعربي، أم ستبقى في وضعية التشرذم والإرباك ما يدفع القوى الخارجية الداعمة إلى التخلّي عنها، ويصبح لبنان كله في دائرة العقوبات الجماعية ويتكبّد أثماناً باهظة إضافية؟

 

ويذكّر المراقبون بأنّ أحداً لن يسأل عن لبنان إذا أصابه الضَّرر، نتيجة مواقف هو يتحمّل المسؤولية عنها. فخسارته لموقعه الإقليمي ودوره الرائد في الشرق الأوسط، لن تتضرَّر منها دول الخليج العربي أو إسرائيل أو أي دولة أخرى في الشرق الأوسط. والدليل هو أنّ مرفأ حيفا كان أكبر المستفيدين من دمار مرفأ بيروت، فيما موقع بيروت المالي والخدماتي والطبي والثقافي يتوزَّعه الكثير من الورثَة.

 

إذاً، يدخل لبنان أشهراً مصيرية. وإذا توافقت المحاور الخارجية على تسويات وصفقات معينة، فسيحظى لبنان بحصة منها على غرار الطائف أو الدوحة، وبرعايات إقليمية مباشرة ربما.

 

وأما إذا اشتعلت هذه المحاور، فسيدخل لبنان في مراحل جديدة من الأزمة. وحينذاك، يتحوَّل الانهيارُ اهتراءً، والاهتراءُ يقود إلى التفكُّك، أي إلى الوضعية التي تتحلَّل فيها المؤسسات بالكامل وتقوم قوى الأمر الواقع بإدارة شؤون الناس، كل في منطقة نفوذه.

 

وهذا ليس مضموناً أنّه سيحصل «بأعصاب باردة». وفي أي حال، لن يكون أحدٌ في العالم مستعجلاً لإنقاذ لبنان. وحتى اللبنانيون أنفسهم ليسوا مستعجلين، على ما يبدو.