ليس من باب المغالاة القول بأن البلد في عين العاصفة، بعدما تجاوزنا فعلياً جهنم التي سبق أن بشّرنا الرئيس بها قبل سنة ، نتيجة الأزمة المالية والنقدية التي يواجهها، مع ما تسببت به من تأثيرات وتداعيات كارثية على لقمة عيش الناس، وعلى الصراعات الاقليمية والأزمة السياسية الداخلية.

 

كذلك أدى الاحتضان الخاطئ لمواقف وزير الإعلام جورج قرداحي من قبل حزب الله وحلفائه، وقصور الموقف الحكومي لجهة إصدار مرسوم بإقالته، أو أي تدبير آخر، يُخفّف من وطأة الاحتقان، التي خلفتها تصريحاته الداعمة للحوثيين في حرب اليمن، ويعبر عن مدى تمسك لبنان بالعلاقات المميزة والتاريخية مع المملكة العربية السعودية، بدا ان الموقف الكلامي، وإصرار الفريق الاخر على تحديه للموقف الرسمي، فجّر موقفاً سعودياً غير مسبوق في تاريخ العلاقات بين لبنان والمملكة العربية السعودية .

 

 

كما أن ذلك يأتي إضافة إلى عدم اتخاذ لبنان الإجراءات التي طالبت بها المملكة لوقف تصدير آفة المخدرات من لبنان من خلال الصادرات اللبنانية للمملكة، وكذلك عدم اتخاذ العقوبات بحق المتورطين في تلك الجرائم التي تستهدف أبناء شعب المملكة العربية السعودية  وعدم التعاون في تسليم المطلوبين للمملكة بما يخالف اتفاقية الرياض للتعاون القضائي . 

 

وعليه أعلنت الخارجية السعودية ان المملكة قررت استدعاء سفيرها في بيروت وليد بخاري للتشاور، كما طلبت مغادرة سفير لبنان لدى المملكة فوزي كبارة خلال ال 48 ساعة المقبلة، كما قررت وقف كافة الواردات اللبنانية إلى المملكة . 

 

ففي ظل الأزمة السياسية والمالية والمعيشية التي يواجهها لبنان، وفي ظل التطورات الاقليمية الراهنة كل ذلك يؤدي إلى الاستنتاج بأن البلد بات مطوقاً ومعزولاً.

 وشكلت المواقف التصعيديّة من قبل السعودية بطلب مغادرة السفير اللبناني المملكة واستدعاء السفير السعودي في بيروت للتشاور، مع سحب جميع دول مجلس التعاون الخليجي سفراءها من لبنان، قد شكّلت إنذاراً خطيراً بات يضع لبنان في عين عاصفة العزلة العربية والحصار الكامل .

 

لم يعرف لبنان مثل هذا التراخي في إفتعال الأزمات مع الأشقاء العرب، وخاصة السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، وفي التفريط بمصالح البلاد والعباد، وتقديم الحسابات الأنانية والفئوية والحزبية على الإعتبارات الوطنية التي حفظت لبنان دوماً، وحققت مكانته المميزة عربياً ودولياً . 

 

 

غير معروف ماذا ينتظر المسؤولون اللبنانيون حتى يتجاوزواالأزمة، ويُنقذوا العلاقات اللبنانية مع الأشقاء الخليجيين، الذين يكنون كل الود والإحترام للشعب اللبناني، لا سيما اللبنانيين العاملين في الدول الخليجية والذين إعتبرتهم المملكة في بيانها أمس جزءاً من النسيج واللحمة التي تجمع بين الشعب السعودي وأشقائه العرب المقيمين في المملكة، ولا تعتبر أن ما يصدر عن السلطات اللبنانية معبراً عن مواقف الجالية اللبنانية المقيمة في المملكة والعزيزة على الشعب السعودي .

 

 

أما وقد وقعت الواقعة، هل ستُبادرالطبقة السياسية إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان، أم أن العجز الحالي للسلطة، سيجعل من سنة العهد الأخيرة مجرد أشهر لتصريف الأعمال، على إعتبار أن الحكومة الحالية وصلت إلى ما بعد تصريف الأعمال قبل بلوغها الشهر الثاني،فهل تكون تنحية المحقّق العدليّ طارق البيطار وإقالة الوزير قرداحي، الممرّ الإلزامي والمُتلازم لاستئناف جلسات الحكومة؟

 

عمليّاً الجامع المشترك الأساسيي بين المَطلبيْن هو تشدّد الفريق الشيعي، وتحديداً حزب الله. ولم يظهر جديد في شأن كفّ يد البيطار عن ملفّ تحقيقات المرفأ أو تسليمه بأنّه ليس صاحب الاختصاص في ملاحقة رئيس الحكومة حسان دياب والوزراء السابقين، أو في شأن تشدّد حزب الله في رفض أيّ احتمال لإقالة قرداحي من منصبه، وفي الحالتين، لم تقُد المساعي السياسية إلى أيّ مخرج. 

 

تتكاثر الوصفات لما آل إليه الوضع في لبنان. وهناك من يرى انه اشبه ما يكون بالنار تحت الرماد وهناك من يرى ان الوضع السياسي والمعيشي والاجتماعي، بكامل عناوينه على فوهة بركان، وأركان المنظومة القابضة على زمام القرارات يعيشون في عالم آخر، ويتصرفون وكأن لا شيء يعنيهم سوى مصالحهم والبلد على ابواب استحقاق الانتخابات النيابية.

 

 

المشهد اللبناني الداخلي على مفترق طرق، ولبنان ليس بخير وهو يقترب، يوما بعد يوم، من اوضاع لا يحسد عليها، خصوصا وأن التوترات السياسية  الامنية الاخيرة، زادت من خشية الدول  الصديقة والشقيقة، وهم باتوا يعتبرون ان الوضع في لبنان لا يبعث على الاطمئنان، والمسؤولية في ذلك هي على كامل المسؤولين الذين عليهم تحمل مسؤولياتهم، كاملة غير منقوصة، لتجنب المزيد من الانزلاق نحو الاسوأ والاشد خطورة .